شيوعيو من كنا؟(6)

ابراهيم الحريري
2016 / 12 / 18

شيوعيو من كنا؟(6)
ابراهيم الحريري
عدت، اذن، الى العراق اواخر تموز 2003. التحقت بصحيفة الحزب ، طريق الشعب، فورا.
كنت مبهورا بكل شيئ: ها انذا في قلب الوطن،في قلب الحزب، في قلب صحافة الحزب التي علمتني حرفة الصحافة، على ايدي صحفيين كبار: الشهداء رحيم شريف، ابو سعيد،عدنان البراك، يوسف متي(ابو زيدون) وغيرهم، و برعاية الراحلان زكي خيري، عامر عبدالله، و متابعة الشهيد ابو ايمان(سلام عادل) كما اخبرتني ام ايمان فييما بعد.
حزب علني،مقرات علنية، صحيفة علنية، المقرات تمور بالأِجتماعات، رفاق من كل اطراف بغداد، من كل اطراف العراق. كان كلذلك كاف لأِدارة رأس الكهل الذي كنته، و كان غادر الوطن و الحزب قبل 23 عاما.
فيي هذه الأَجواء اجريت لقاءً مطولا مع الرفيق حميد مجيد موسى. سكرتير اللحنة المركزية، نشر على حلقات في"طريق الشعب". تناول اللقاء قضايا سياسية عديدة تتعلق بالوضع في ذلك الوقت: لعله كان من بينها مسألة مشاركة الحزب في مجلس الحكم، و الموقف من قانون" اجتثاث البعث" الذي اعتبرته قانونا يكرس مبدأ العقاب الجماعي، ما يخالف شرعة الأُمم المتحدة لحقوق الأِنسان، فأَيّد الرفيق ابو داود ذلك
. تناول اللقاء، ايضا، جوانب من حياة الرفيق ابو داود الشخصية و تاريخه النضالي، ما اعتبرته ضروريا للتعريف بحياة وشخصية القائد الشيوعي( لعلي كنت متاثرا في ذلك بتقليد درجت عليه الصحافة الغربية) اشدت خلاله بممجزات قيادة الرفيق الو داود في ظروف بالغة الصعوبة. اعتبر البعض ذلك عودة لتكريس عبادة الشخصية!
لم اتفق مع هذا الراي. لم يتكرس هذا التقليد في حياة الحزب الشيوعي العراقي. حتى قيادة الرفيق فهد كانت موضع جدل. و اذا كان يحتل مكانا خاصا في حياة الحزب، فلدوره في بناء الحزب و تحوله الى حزب جماهيري، و لأِستشهاده البطولي، هو و رفاقه.
لعل" القائد" الوحيد الذي حظي بقدر من "العبادة" و شجع هو عليها و استثمرها، كان حميد عثمان الذي ما ان استلم قيادة الحزب لفترة فصيرة، بعد هروبه من السجن، حتى تكشفت عيوبه فنُحّي عن قيادة الحزب .اما السكرتاريون الآخرون فلم ينجو من النقد، بعضه كان مراً، سواء خلال اجتماعات اللجنة المركزية او في مؤتمرات التقييم، على حد علمي ، ما انعكس في التقييمات العديدة .
خلال عملي في الجريدة محررا ثم سكراتيرا للتحريركنت أخذ بالأِعتبار،من جهة، سياسة الحزب، في ذلك الوقت التي، بدا لي انها تتجنب خوض" معارك" مع السلطة، رغم المصاعب المتفاقمة في حياة الناس، كذلك حول الأنتهاكات المتزايدة لحقوق الأنسان. و لعلها كانت تفضل طرح هذه القضايا في اللقاءات مع السؤولين. لم يكن بوسعي تجاهل ذلك، و الا لكان علي ان اترك الحريدة و افتح صحيفة على حسابي! وهذا ما لم اكن افضله و لا اريده، فضلا عن انه لم يكن في مكنتي! لعل الحزب كان يفضل التركيز على اعادة استجماع قواه، نسبيا.
و هنا يبرز راي أخر: هل يمكن للحزب استجماع قواه، بتجنب" المعارك" ام بخوضها؟ و يجري الأِستشهاد بتجربة الرفيق فهد الذي استطاع ان يحول الحزب الى حزب جماهيري من خلال خوض المعارك الوطنية و الأِجتماعية.
يمكن الرد ان على القائد ان لا يغامر بقواه بخوض معركة غير متكافئة، في ظروف غير مؤاتية، و في وقت لم يتكون لديه احتياطي يمكن ان يعوض خسائره.
قد يصح هذا في الميدان العسكري ، لكنه لا ينطبق على على الميدان السياسي. فالأِحتياطي يكمن في الناس، و الدفاع عم مصالحهم المشروعة ينمي لديهم الجراة على تزويد قاطرة المعركة بوقود جديدة.
سيظل هذاالنقاش مفتوحا، حتى لدي!
مع ذلك فقد سعيت لفتح منافذ ل"التنفيس" عن مطالب الناس و شكاويهم. عكفت، اياما، على استحداث صفحة"حياة الشعب" و عملت محررا لها ثم سلمتها الى محرر أخر، لكني بقيت مشرفا عليها، كانت صفحتي الأثيرة، حتى غادرت الجريدة.
كنت، في الوقت نفسه، احث الرفاق في التنطيم العمالي على فتح صفحة "حياة العمال" وفاءً من لصفحة حياة العمال التي كنت محررا فيها ثم مسؤولها في صحيفة "لتحاد الشعب" . ظهرت" حياة العمال" في طريق الشعب، كتبت فها مرات عديدة بتوقيعي القديم في اتحاد الشعب، ايار. لكن الصفحة ظلت تتعثر.
كنت انجح، احيانا، في "تهريب" بعض التعليقات"الأِشكالية" في عمودي" من التنور" خاصة عندما كشفت منظمة "هيومن رايتس" عن وجود معتقلات سرية في العراق يجري فيها ممارسة التعذيب، و عندما جرى اغتيال اول صحفي كو ردستاني في كوردستان( لا يحضرني الآن اسمه).
الآن، و انا ارى "طريق الشعب" تتصدى لكل اشكال انتهاكات حقوق الآِنسان، و صوتا عاليا في الدفاع عن مصالح الناس و التعبير عن مظالمهم. الآن و انا ارى الشيوعيين و اصدقاءهم و كل الناس الطيبين الشرفاء يتصدرون حركات الأِحتجاج في كل مكان يشارك فيا الآلاف و عشرات الألاف، يمتلئ فلبي غبطة.
لقد حلت الحياة،و تحرك الأِحتجاج، في الشارع،الأشكال الذي عانيت منه، سواء في الجريدة اوخارجها.

بغداد 17-12-2016