شيوعيو مَنْ كنّا؟(5)

ابراهيم الحريري
2016 / 12 / 18

اواخر عام 2002 طلب الحزب ممن يستطيع من الرفاق، التوجه الى مقره في شقلاوة، أِستعدادا لمواجهة اي تطورات محتملة. كنت من اوائل من وصل. لكن تعقد وضعي العائلي هيّج لدي الكآبة. قرّرت العودة لبذل مسعى اخير لانقاذ ما يمكن انقاذه. اعتذرت من الرفاق بأني لا اريد ان اكون عبئا عليهم في هذه اللحظات الحاسمة.
عندما توجهت الى بغداد اواسط تموز 2003. كانت قد حدثت تطورات خطيرة: الغزو الذي قادته اميركا بدعوى البحث عن اسلحة الدمار الشامل (لم يتم العثور عليها ابدا). اطاح الغزو، الذي تطور فيما بعد الى احتلال "مشرعن"، بصدام حسين و نظامه الدموي، وشرعت ادارة الإحتلال في خلق نظام على صورتها ومثالها. عندما وصلت لندن في الطريق الى بغداد - كانت المنظمة الحزبية هناك تقيم احتفالا بذكرى ثورة تموز - اُخبرت ان الحزب قرر المشاركة في محلس الحكم. لم اتقبل ذلك. خضت نقاشا حاميا مع رفيقين قياديين حول هذا الأمر. قلت لهما اني سأعود من حيث أتيت. لكن احدهما قال: لماذا لا تكمل سفرتك، ترى الامور على ارض الواقع، بامكانك العودة اذا لم تقتنع. وهذا ما حدث.
لم استطع إلا ان الاحظ مناظر الدمار والخرا ب المروعة التي خلفها الغزو، لم تكن النار خبت في المركبات والأبنية المحترقة، مع انه كان مضى اكثر من اربعة اشهر على الغزو (كتبت عن ذلك في صحيفة "طريق الشعب" حال التحاقي بها). لكني، في الوقت نفسه، لم استطع إلا ان الاحظ فرحة الناس بالخلاص من صدام ونظامه الوحشي. كانت الناس تعيش سكرة التخلص من الارهاب الذي كان يجثم على صدورها، يبهظها و يخنقها.
لا انكر اني اُصبت، انا ايضا، بعدوى هذه "السكرة". اثرت، لماما، مع هذا الرفيق القيادي او ذاك، مسألة مشاركة الحزب في مجلس الحكم. فكان الجواب يأتي دائما: كل الأطراف الأخرى شاركت، ولم يكن بوسعنا الإنعزال، ثم انه لم يكن امامنا الا خيارين: اما المشاركة والانخراط في العملية السياسية، او حمل السلاح ضد الإحتلال. لم نكن في وضع يسمح لنا بذلك. ولم تكن اي من القوى السياسية العراقية، ولا حتى اكثر الناس، سيؤيدنا في ذلك. كانت الناس متعبة من سنوات حكم ارهابي قمعي متوحش، وتراهن ان العملية السياسيىة التي بدأت، يمكن ان تفتح الطريق على عراق جديد، آخر.
لكن... بعد السكرة تأتي الفكرة كما يقال!
الآن وبعد هذه السنوات الطويلة، توصلت، و لو متأخرا، اي منذ بضعة سنوات، انه كان هناك طريق ثالث، أخر، وهو عدم المشاركة في مجلس الحكم وتبني النضال السلمي، اكرر: السلمي ضد الإحتلال وطرح برنامح شامل للتغيير الوطني الديمقراطي، نشارك تحت رايته في الإنتخابات. لعل هذا كان سيفتح السبيل امام بعض الوطنيين الصادقين، بينهم شيوعيون، بينهم من تعاون مع الفصائل المسلحة المعادية للاحتلال، بدوافع مختلفة، كان سيفتح الطريق امام هؤلاء، لمقاومة الأِحتلال وفق برنامج للتغيير الوطني الديمقراطي.
عرف ان ثارة هذا الأمر، الآن، لن يغير شيئا، فما حدث قد حدث و"اللي فاته الفوت" يقول المثل الكويتي "ما يفيده الصوت"، فالتاريخ اتخذ مجرى آخر، لا يمكن ارجاعه الى الوراء، حتى لو تبنينا هذا الموقف.
فهل لا يسمح الأِنتماء للحزب للمرء ان يعيد النظر في تجربته وفي تجربة الحزب؟
وهل اذا تكونت لدي قناعة جديدة، اكف عن كوني شيوعيا؟
قد حدث اكثر من مرة ان اعاد الحزب النظر في هذا الموقف او ذاك. والتقييمات العديدة التي اجراها الحزب مرات عديدة، تحفل بانتقاد هذا الموقف او ذاك، او هذه السياسة اوتلك، وبين من ساهم في صياغة هذا التقييم او ذاك، بعض من ساهم في صياغة الخط الذي يجري تقييمه.
ذلك ان الماركسية هي نظرة وموقف نقديان من الآخر... ومن الذات ايضا!
بغداد: 16-12-2016