الصراع السعودى المصرى، ونهاية النظام الإقليمى العربى

عبدالجواد سيد
2016 / 12 / 15

الصراع السعودى المصرى ، ونهاية النظام الإقليمى العربى
قد يكون عهد الملك سلمان عهد الصراع السعودى المصرى الأخير ، وبناء على ذلك ، فقد يكون أيضاً عهد نهاية النظام الإقليمى العربى الذى تأسس رسمياً مع الجامعة العربية سنة 1945، ويهذه المناسبة لابد من تسجيل كلمة للتاريخ ، كلمة عن الماضى وكلمة عن المستقبل.
بالنسبة للماضى من الطبيعى أن تتمحور الكلمة عما يردده الإعلام السعودى، والنظام السعودى ، بأن المصريين أكلوا الرز وخانوا العهد ، وهى كلمة حق يراد بها باطل ، ففعلاً قدم السعوديون الرز ، لكنهم هم الذين خانوا العهد ، فمتى كان عهدنا عهد إرهاب ، ألم يكن عهداً على خلق قوى إعتدال فى المنطقة، ترعى السلام والتنمية ، وتمنع التدخلات الخارجية ، وتراهن على الدولة وليس على الدين ، وتصنف كل جماعات الإسلام السياسى جماعات إرهابية دون إستثناء أو تمييز ، هذا هو العهد السعودى المصرى الوحيد ، والذى وضعت أسسه فى عهد الملك عبدالله ، وغير ذلك لم يكن بين مصر والسعودية أى عهود ، ولم يكن هناك سوى صراع وتنافس فى الواقع ، فمن إذن الذى خان ذلك العهد ، من الذى رفض مشروع الجيش العربى المشترك ، الذى تقدمت به مصر عبر الجامعة العربية ، المنبر الطبيعى للتعاون المشترك ، ثم أعقب ذلك ، وبشكل مهين ، بتقديم مشروع حلف سنى مشبوه ، مشفوعاً بحزمة مساعدات إقتصادية يشترى بها إرادة المصريين، ثم بسحب هذه المساعدات ، بنفس الشكل المهين ، عندما رفض المصريون الخضوع لمشروع الإرهاب ، ومصالحة تركيا وقطر والإخوان، وكأن إرادة الشعوب لعبة يلعب بها المال وكل ملك جديد على عرش آل سعود ؟ أليست هنا تكمن الخيانة ، وليس فى الرز الذى أكله المصريون ، وهم يحسبونه عون من صديق ، وليس ثمناً للإنضمام لحلف الإرهاب الجديد؟
هذه كلمة عن الماضى ، أما عن المستقبل ، فمن الطبيعى أن يثور السؤال ، هل ستقف السعودية بالصراع عند هذا الحد أم ستمضى به خطوة أكبر، وتنتقل به من مجال الدبلوماسية إلى مجال الدعم بالمال والسلاح ، فى محاولة لإسقاط النظام وتصعيد الإخوان بالقوة ، على خطى قطر وتركيا ، والإجابة هى أن كل الإحتمالات ممكنة ، وطالما ظلت السعودية ودول الخليج - بإستثناء الإمارات - تملك المال ، والحد الأدنى من الحماية الدولية التى قد تمثلها بريطانيا فى النهاية ، مؤسسها وراعيها الأصلى ، فإنها ستظل تحاول فرض إرادتها على الظهير المصرى الذى لاغنى عنه ، بكل الوسائل الممكنة ، حتى بإستخدام المال والسلاح ، ويصبح السؤال الأهم هو ، وماذا ستفعل مصر، هل ستنتظر ملك عبدالله جديد ، أم تقرر الخروج نهائياً من ذلك النظام العربى الهزلى ، الذى يحكمه المال السعودى ، والخداع بروابط اللغة والدين ، وماهى الخيارات المتاحة؟
الخيارات المتاحة ثلاثة، وكلها ذو صدى فى الشارع السياسى المصرى، أعلاها صوتاً هى الدعوة للإنضمام للمحور الإيرانى الروسى، وهى دعوة تحظى بتأييد عدد كبير من المصريين، الذين تحركهم دوافع الكراهية العميقة للسعودية ، خاصة بين الأقباط والناصريين وحتى بعض الليبراليين ، بالإضافة إلى خيار الحياد حتى تنجلى الأمور، وخيار البحث عن نظام إقليمى بديل ، فإذا ماتناولنا هذه الخيارات الثلاثة بالبحث والتحليل ، نجد أن الخيار الأول هو مجرد خيار عبثى ، فمصر لايمكن أن تدور فى المحور الإيرانى الروسى ، لإن حسن نصرالله هو نفسه حسن البنا، كما أن فلاديمير بوتن ليس هو فلاديمير لينن ، كما أن الخيارات السياسية لاتخضع فى النهاية لعوامل الكيد والحقد ، ولكن لابد لها من روابط أمن ومصالح مشتركة تضمن دوام إستمرارها ، وفى هذا الخصوص لايمكن أن يكون هناك شئ حقيقى يجمع عموم المصريين بالإيرانيين والروس ، فإذا ماتناولنا خيار الحياد حتى تنجلى الأمور ، نجد أنه الأسهل ، لكنه بالطبع ليس هو الأحكم ، فمتى تنجلى الأمور ، الله أعلم ، وهل يمكن للأمة ، مركز الصراع الرئيسى لإنتصار أو هزيمة الإسلام السياسى فى المنطقة ، أن تقف بعيدة وتقول ، وأنا مالى ، أمر لايعقل ، فإذا جئنا للخيار الأخير الخاص بالبحث عن نظام إقليمى بديل ، تعيش فيه مصر وتجد فيه الأمن والعون وطموح المستقبل بعيداً عن وحل الشرق الأوسط ، نجد أن عدداً كبيراً من المصريين، مازالوا يرون فى تجربة عصر أسرة محمد على وإرتباطها الكبير بأوربا تجربة ملهمة يمكن محاولة تكرارها، ولو مع إختلاف التفاصيل، وذلك فى المشروعات المطروحة، بدءً من مشروع برشلونة ، حتى إتحاد المتوسط ، وحتى التحالف الإستراتيجى المصغرالأخير بين مصر وقبرص واليونان ، عملاً بالمثل القائل ، رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة ، وإلى هؤلاء أود هنا أن أضم صوتى بكل قوة !!!