طامتا الدولة ... الدين والعشيرة

صادق إطيمش
2016 / 12 / 7

طامتا الدولة ... الدين والعشيرة
قبل ايام صدر قانون العشائر والقبائل العراقية الذي سجل عودة صريحة وواضحة لما كان يُمارَس في العهد الملكي في قانون وانظمة دعاوى العشائر الذي رسخ تقاليد واعراف لا علاقة لها بما كان يدعيه ذلك العهد من تبني لأسس الدولة المدنية . لقد جاء قانون العشائر العراقية الجديد ليشكل مهزلة اخرى في المسرحية السياسية التي تدور على الساحة العراقية والتي يجري تمثيلها الآن بفصلين اساسيين يشكل كل منهما طامة كبرى تنعكس آثارهما البغيضة على الشعب والوطن ولأجيال عدة.
الطامة الكبرى الأولى التي يعيشها شعبنا والمبتلى بها وطننا منذ ان جاء الإحتلال الأمريكي للعراق والذي اسقط اعتى دكتاتورية عرفها تاريخ العراق الحديث ، إلا انه ابدلها بخلفاء لها جعلوا من الدين احدى الركائز الأساسية التي شيدوا عليها صرح سياستهم التي لم تنجب لشعبنا ووطننا غير التمحورات والمحاصصات والإنتماءات التي تجاهلت الهوية الوطنية العراقية وانغمست في الصراعات التي خرجت عن اطوارها السياسية لتقع في اوحال الصراعات المسلحة التي جعلت من لغة العنف هي اللغة السائدة في العلاقات بين احزاب الإسلام السياسي الحاكمة ، لابل وحتى بين الأحزاب ذات المذهب الواحد. وكثيراً ما تنادى اولئك الذين لم يجدوا في هذا التوجه الديني لبناء الدولة اي مؤشر قد يفضي إلى ما تدعيه الأحزاب الحاكمة من تبنيها للديمقراطية والدولة المدنية والعدالة الإجتماعية، تنادوا إلى التجمع حول رفض تبني هذا الأسلوب المفضي إلى إدخال الدين في لعبة السياسة التي لا تمت له ولا لثوابته بصلة. فللدين ثوابت عبادية وروحية ثابتة يتبناها الفرد لتنعكس على العلاقات الإجتماعية بمقدار تمسك الفرد بهذه الثوابت الروحية البحتة. في حين تتقلب السياسة بين معطيات الواقع اليومي لتشكل الأسلوب المفضي إلى التعامل مع المتغيرات السياسة والإقتصادية والثقافية والإجتماعية التي يعيشها المجتمع والتي تؤدي إلى وضع صيغة الدولة المنشودة . والدولة الحديثة التي تتبناها المجتمعات التي تعي العلاقة بين حدي المعادلة هذه ، الدين والدولة ، لم تنجح وتصل إلى المستوى الذي هي عليه الآن إلا بعد ان ادركت هذه الحقيقة وجعلت من الدولة المدنية التي تفصل الدين عن الدولة سياسياً طريقها إلى العدالة الإجتماعية وممارسة الحريات العامة ، بما فيها الحرية الدينية . والتاريخ القديم والحديث يرينا بكل وضوح كيف كان مسار الدول التي جعلت من الدين بوصلتها الأساسية في التوجه لبناء المجتمعات سواءً كان ذلك في اوربا او افريقيا او آسيا او اية بقعة من بقاع العالم. لقد سبب دخول الدين كعامل اساسي في بناء الدولة مآس وويلات كثيرة تجلت في خصوصية هذه الدولة التي ظلت رهينة التسلط الديني الذي لم يستطع بسط نفوذه إلا من خلال الحروب والإقتتال سواءً بين الشعوب المختلفة او حتى بين مكونات الشعب الواحد.
وما دأبت عليه احزاب الإسلام السياسي الحاكمة في وطننا العراق وكل القوى القومية الشوفينية التي شاركتها في توجيه العملية السياسية لم يتقدم حتى يومنا هذا اية خطوة، ولو قصيرة جداً ، نحو دولة العدالة الإجتماعية والرفاه الإقتصادي وممارسة الحريات العامة بشكل لا يرتبط بالخوف والتسلط المليشياوي الديني او القومي الشوفيني. والعكس هو الصحيح تماماً، حيث سجلت مسيرة الدولة العراقية منذ سقوط دكتاتورية البعث وحتى يومنا هذا ابشع صور التراجع في كل المجالات التي يتطلع الشعب العراقي إلى تحقيقها ، والمؤشر العام يخبرنا بالهبوط المستمر، بل والمتسارع للخط البياني الذي يرسم توجه السياسة القائمة الآن والمرتبطة بالتوجهات الطائفية التي لم تأت إلا بالإرهاب الديني ايضاً وكل ما انتجه من سياسة المحاصصات والإنتماءات التي ابعدت الهوية العراقية جانباً، وربما لفترة طويلة ايضاً. وحينما يبرر فقهاء السلاطين هذا المسار المتخلف الذي ربطوه بالدين بمقولة " الإسلام دين ودولة "فإنهم بذلك يكذبون على الملأ ولا يساهمون في نشر الوعي الديني الحقيقي المطلوب منهم نشره . وهذا ما اوضحه الشيخ الأزهري جمال البنا في كتاب فصل فيه علاقة الدين الإسلامي بالدولة والمعنون : الإسلام دين وأمة وليس ديناً ودولة ، من منشورات دار الفكر الإسلامي ، القاهرة ، 2003 ، فليراجعه المعنيون بالأمر للوقوف على الحقائق التي غيبها فقهاء الحكام.

اما الطامة الكبرى الأخرى التي توَجَت بها سياسة المحاصصات الطائفية والقومية الشوفينية مسيرتها الفاشلة اساساً فقد تبلورت بشكل واضح من خلال سن قانون العشائر والقبائل العراقية، هذا القانون الذي اثبت بشكل لا يقبل الجدل مدى فشل الأحزاب الحاكمة في بناء الدولة الحديثة ، بحيث انها لجأت إلى النظام العشائري السائد الآن في الدول الذي ظلت ترزخ تحت التخلف الفكري والتأخر الحضاري حتى يومنا هذا، بالرغم مما قد يتصوره البعض تقدماً اقتصادياً لدى البعض منها التي اصبح شيوخ عشائرها ملوكاً يتحكمون بما لديهم من موارد طبيعية لا يرتبط بيعها والتمتع بمواردها الإقتصادية باي تقدم حضاري ينتجه الفكر الواعي وترعاه الدولة الحديثة.

العراقيون الذين عاشوا الأحداث التي تمخضت عن ثورة الرابع عشر من تموز وخاصة صدور وتنفيذ قانون الإصلاح الزراعي يعلمون جيدآ ما هي الفضائح التي كشفها هذا القانون والتي اظهرت للعيان مدى التحكم الوحشي الذي كان يمارسه شيوخ العشائر من الإقطاعيين بحق الفلاحين العاملين في إقطاعياتهم ، حيث إستمر ذلك إبان فترة العهد الملكي الذي قنن سلطة شيوخ العشائر بنظام دعاوى العشائر الذي ألغته ثورة الرابع عشر من تموز. لقد جاءت ثورة الرابع عشر من تموز لتقتلع جذور هذا النظام الإستغلالي البشع ، وقد إستطاعت بالفعل تقطيع اوصال هذا النظام بقوة مواقفها وعزيمة أمرها المستمدة من الشعب مباشرة وكانت على وشك أن تقتلع جذوره من أرض العراق الطيبة إلى ألأبد لو لم تتعثر هذه الثورة بأحجار الرجعيات السياسية والدينية التي عملت المستحيل لإيقاف هذا الزخم الوطني الذي شعر بمردوده الواضح والسريع كل من وضع مستقبل الوطن والشعب نصب عينيه ، وليس الحنين إلى تحكم ألإقطاع والإقطاعيين . إنها معادلة علمية لا تقبل الخطأ تلك التي تشير إلى قوة الدولة التي تتخلى عن الدعم العشائري والتي لا تعتمد في تنفيذ سياستها على كسب تأييد شيوخ العشائر لها ، والعكس هو الصحيح . فماذا سيجني وطننا وشعبنا إذن من خلال تنفيذ قانون العشائر الجديد هذا ؟. إنها ألعودة إلى ألإقطاع ولكنه ألإقطاع التجاري هذه المرة ، إن صح التعبير، أي أن شيخ العشيرة لا يتحكم ، كما كان يفعل سابقآ، بإنتاج الفلاح الزراعي , بل إنه سيتاجر في هذه الحالة بهذا الفلاح نفسه الذي لا زال يسكن ضمن المنطقة التي يسيطر عليها هذا الشيخ ، حتى وإن لم يعمل في الفلاحة التي قضى عليها النظام البعثفاشي من خلال تطبيق سياسة زراعية عقيمة جعلت من العراق مستوردآ حتى للبصل . إن سياسة خلق الظروف التي تتيح لهذا الشيخ أو ذاك أن يحكم قبضته على أبناء منطقته سياسة إتبعتها ألبعثفاشية في السنين ألأخيرة من وجودها، إلا أنها لم تترك الحبل على الغارب لشيوخ العشائر الذين ربطتهم بمواثيق لم يكن من السهل عليهم التخلص منها ووضعت أمامهم من خياراتها القمعية ما جعل كل شيخ يفكر أكثر من مرة في تجاوز الحدود التي وضعها له النظام البعثفاشي . إلا أن السياسة التي يتبناها قانون العشائر الجديد والساعية لجعل شيوخ العشائر يتاجرون بالفلاحين الذين يقدمونهم كبضاعة يقبضون ثمنها من قبل الدولة أو الأمريكان مقابل حمايتهم للدولة والوقوف إلى جانبها، وعلى أن يتعهدوا شخصيآ بجودة هذه البضاعة بضمانهم الشخصي لدعم الدولة، إن سياسة كهذه تطرح علينا فيضآ من ألأسئلة التي لا نجد جوابآ لها حتى ولا على المدى البعيد .فلو فرضنا تحقيق إسناد العشائر للدولة من خلال هذا القانون ، الذي لا يشير إلا إلى التخلف الفكري في ادارة الدولة، فإلى أي مدى سيستمر هذا الإسناد؟ وهل هناك من ضمان لعدم نشوء إقطاعيات جديدة يترأسها كل شيخ عشيرة ويتحكم بها ليس بقوة السلاح فقط ، بل وبالدعم السياسي من قبل الدولة ايضاً؟ وما هي مواصفات تحديد الشيخ تحت هذا ألإنفلات في القيم والأخلاق والتقاليد التي يستغلها كل من هب ودب للكسب والإثراء على حساب الملايين التي ضحت بكل شيئ إبان الحكم البعثفاشي المقيت ولم تحصل على أي شيئ لحد ألآن ليستمر بؤسها وعناؤها ولينعم، في عراق ما بعد البعثفاشية ، المنافقون والدجالون واللصوص وحتى البعثيون بالأموال والبضائع المهربة عبر الدول " الشقيقة والصديقة "..؟ وما هو الضمان لعدم إستغلال هذا القانون لتصفية حسابات شخصية أو مناطقية أو عشائرية أو طائفية ، هذه السياسات التي أصبحت اليوم السمة الغالبة على الساحة العراقية..؟ وكيف سيتم ترويض هؤلاء الشيوخ في المستقبل،الذين سيجدون أنفسهم دولة داخل دولة ، يمتلكون الرجال وألأموال التي يقبضونها لقاء متاجرتهم بأبناء مقاطعاتهم ، وهل سيتخلون بسهولة عن حياتهم هذه..؟ ألا يحاولون المستحيل في المستقبل لخلق ظروف جديدة تضمن هذا النوع من الحياة لهم ولمن يأتي بعدهم من ألأولاد والأحفاد حسب التقاليد العشائرية المتبعة في الخلافة، ولو بقوة السلاح الذي سيجددونه بين الحين والآخر بما تنفقه عليهم الدولة من أموال ، أو بالسوق الجديدة التي ستنشأ من جراء المتاجرة بالبضائع البشرية الجديدة ..؟ ثم ما هو مستقبل الإنتاج الزراعي في هذه المناطق التي سيمتهن أبناؤها مهنة الدفاع عن الدولة، وهذا هو صلب هذا القانون ، بدل مهنة الزراعة..؟ ألم تدعي الحكومة في كثير من بياناتها بأنها تسعى إلى إعمار العراق..؟ ألا يشمل هذا الإعمار المجال الزراعي في بلد كان يصدر المحاصيل الزراعية المختلفة بوسائل إنتاج بدائية إذا ما قورنت بوسائل ألإنتاج الزراعي اليوم..؟ ثم ما هي العلاقة التي ستنشأ بين أبناء العشائر انفسهم من جهة وبينهم وبين الدولة من جهة اخرى ...؟ ولمن سيكون ولاؤهم للشيخ ام للدولة ..؟ وبامر من سيأتمرون ؟ هذه ألأسئلة وأسئلة كثيرة غيرها يجب وضعها أمام من يسعى لتنفيذ قانون العشائر الجديد هذا، أسئلة يجب معالجة مردودها على المدى البعيد المتعلق بمستقبل الوطن وأهله .

الدول المدنية الحديثة لا تنتظر نخوة عشائرية او فتوى دينية لتحقيق مسيرتها في سياسة تسعى لنشر العدالة الإجتماعية واللحاق بالموكب الحضاري العالمي .
الدكتور صادق إطيمش