الشاعر راشد حسين قامة عالية لم ترتق إليها أقلام النقاد

عمر عتيق
2016 / 12 / 6


الشاعر راشد حسين قامة عالية لم ترتق إليها أقلام النقاد
د. عمر عتيق
تؤكد معاينة المشهد النقدي الفلسطيني أن شعر راشد حسين لم ينل العناية التي يستحقها ، ولم يشغل صدارة الشعر المقاوم على الرغم من توافر عدد من الدراسات والمقالات التي ستنوه بها الدراسة .
ويغلب على الدراسات والمقالات التي نُشرت حول شعر راشد حسين الرؤية النقدية المسطحة ، والتحليل الأفقي العاجز عن الوصول إلى البنية العميقة للخطاب الشعري ، وفي الغالب هي رؤى انطباعية تكاد تخلو من منهجية ، ويهبط معظمها إلى مستوى التحليل المدرسي . ومن المفيد التنبيه إلى استثناء بعض الدراسات المتخصصة من تلك الأحكام النقدية التي تشكلت لدي حينما عاينت ما تيسر لي من منشورات حول شعر راشد حسين .
ومن اليسير تحديد سببين يفسران تغييب شعر راشد حسين عن صدارة المشهد النقدي ؛ الأول : المضمون الثوري الذي يجسد علامة فارقة في شعره . والثاني : التركيز على أسماء لامعة لشعراء تبنتهم مؤسسات إعلامية وثقافية موجهة من جهات سياسية تحرص على طمس الشعر الثوري من خريطة الثقافة الوطنية .
واللافت أن راشد حسين وصف عزوف المؤسسات الرسمية عن الشعر الثوري في أشعاره تارة وفي مقالة نثرية تارة أخرى ، ففي قصيدة (أقول لكم ) يعبر عن غضبه بسبب حجب الشعر الثوري بأسلوب يقترب من الهجاء السياسي في قوله :
لأنَّ العالمَ العربيَ قوادٌ بدون نساءْ
كواكبَ ما لهُنَ سماءْ
لأنَّ الشعرَ حينَ يكونُ شعرا فيهِ ... لا يُطْبعْ
ولكن
رغمهمْ يُكتبُ أو يُسمَع
أقول لكُم بخطَّ يدي :
أنا ضدُ الكلابِ الصيدِ
ضدُ توافِهِ الخُلَفاءْ
أنا طفلٌ ببابِ الشامِ دونَ بكاءْ
ومصباحٌ صغيرُ السِّن
ما في قلبِهِ نفطٌ سوى الشهداءْ
أنا ... قدرٌ ... فلسطيني
بخطِ يدي ..... أقولُ لكُم
أنا قدرٌ .. فلسطيني
وفي مقالة نشرها في مجلة الرائد ، وأورد بعضها د. محمد خليل في كتابه ( نقد على نقد ) يوجه راشد حسين عتابا يصل إلى درجة التوبيخ للنقاد والجهات المسؤولة عن النشر معا حينما يصور مشهد النقد الأدبي في فلسطين قبل ستين عاما( عام 1958 ) بقوله : (إن مصيبة شعرائنا ، أنهم لا يجدون ناقداً واحداً يعرف أصول النقد . ومن يّدعون النقد إنما ينظرون الى القصائد من خلال نظرات حزبية ...فاليميني يكفيه أن يكون الشاعر يمينيا في أفكاره ليستحق المديح ، واليساري يكفيه أن يكون الشاعر يساريا في أفكاره ليستحق المديح . والمحايد لا يجرؤ على النقد الصحيح إذا كان ناقدا ؛ لأنه لا يريد أن يثير اليمين أو اليسار ضده . كل الذين يعرضون للشعر عندنا جبناء مخادعون ، وأكثر شعرائنا مغرورون ، كلهم يحسب نفسه شاعر الجيل . والصحافة تخشى نشر النقد الصحيح الجريء ، وإن وُجد فتمسخه مسخا لئلا تُغضب الشاعر ، أو لأن خطابها السياسي لا يتفق مع أفكار الناقد.) ( ) . ولا يخفى أن تصريح راشد حسين يرتقي إلى التنبؤ والاستشراف .
وتفيد المقاربة بين موقف راشد حسين من المشهد النقدي والثقافي عموما وموقف الشاعر يوسف الخطيب الذي وقع عليه ظلم يقارب الظلم الذي وقع على شعر راشد حسين ؛ فكلاهما شاعر مقاومة بامتياز ، وكلاهما لم يأخذ حقه في المشهد النقدي ، وكلاهما لم ينل حقه في النشر والتوزيع ، وتهدف المقاربة بينهما إلى التأكيد على انحراف بوصلة الثقافة الوطنية عن مسارها ، والكشف عن تقصير الحركة النقدية ، وإسقاط ورقة التوت عن المؤسسات الثقافية الرسمية ،وحينما سئل يوسف الخطيب عن سبب توقف نشر مجموعاته الشعرية من عام 1964 إلى 1988 أجاب بنبرة استفهام تختزل شعورا مثقلا بالمرارة والخيبة بسبب عزوف دور النشر عن مجموعاته الشعرية ، وخشية المكتبات التجارية من تسويقها ، وهو ما يتجلى في قوله : ولكن، لمن أنشر؟ ولماذا أنشر؟!.لقد قضيت حتى الآن نيفاً وستين سنة من العمر كدحتها في فِلاحة حقل الشعر. ولقد أنجزت عدداً من الأعمال الشعرية التي كلما استعرضتها كاد أن يريبني الظن في أنني فعلت ذلك كله، ومع ذلك فإنني أتحدى أن يوجد عبر هذه القارة العربية العملاقة صاحب مكتبة عراقية واحدة.. أو صاحب مكتبة حجازية أو نجدية واحدة.. أو صاحب مكتبة يمنية أو خليجية واحدة.. أو صاحب مكتبة مصرية أو سودانية أو مغاربية واحدة.. قد عرض لي ديوان شعر واحداً على امتداد هذه السنوات الستين ! فلمن أنشر، ولماذا أنشر؟!، ما دامت قصائدي مدموغة بخاتم الرقيب الأحمر من المحيط إلى الخليج.. اللهم باستثناء هذا الحي الشامي من قريش، في كل من دمشق وبيروت!!. ( )
ويعلل أحمد حسين شقيق الشاعر غياب اسم راشد حسين عن صدارة الشعر المقاوم ، وندرة الدراسات النقدية حينما أجاب في مقابلة نشرتها مجلة الكواكب (1988 ) على سؤال: (رغم الدور الكبير الذي أدّاه راشد على الساحة وحضوره الأدبي والسياسي البارز في أحلك فترات المواجهة مع المرحلة التي أعقبت النكبة، يبدو اليوم أن راشد يتعرّض لعملية سلب علنية، تهدف إلى التعتيم على موقعه الريادي من شعر المقاومة، وتأثيره البالغ على مجريات الحدث السياسي والأدبي على ساحتنا في وقت من الأوقات. ما هو سبب ذلك في رأيك؟)( )
جاءت إجابة شقيق الشاعر مبدوءة بلفظ (مأساة ) في قوله : مأساة راشد حسين وأمثاله من شعراء التراب الفلسطيني أنهم كانوا أخلاقيين. أخلاقيين وطنيين. لقد آمنوا بالنقاء الشخصي، والقدوة في المثال الوطني من ناحية، وأصرّوا على التمسّك بالمفهوم الإنساني والوجودي للعدالة من ناحية أخرى.... لم تُتَح لهم الفرصة، لتعديل وعيهم الوطني، في اتجاه المفهوم التاريخي للعدالة الذي هو المفهوم العملي الوحيد الذي يصلح للفلسطينيين، كشعب قرّر في ساعة «فجور فكري» اختيار الهزيمة على «العدالة» الدولية حينما رفض التقسيم.
لقد رفض راشد حسين، منذ البداية، الانخراط في المشروع الطفيلي، والذي هرب منه بعد ذلك محمود درويش إلى الخلاء العربي. وبذلك أضاع راشد حسين حقّه التاريخي في تصدّر قائمة شعراء المقاومة.
وينسجم ما تقدم مع ما كتبه الشاعر د. عزّ الدين المناصرة في مقدّمته لمجموعة الشاعر راشد حسين) «أنا الأرضُ لا تحرميني المطر»: (... كثيرون من أبناء شعبنا في الوطن والمنفى حفظوا هذه الأبيات، وهي للشاعر راشد حسين. وكثيرون كانوا يحفظونها، وما زالوا، وهم لا يعرفون أنها لراشد حسين.. لا يهمّ ذلك.. فشعراء الشعب كانوا دائمًا ينكرون ذاتهم، وراشد حسين واحد من هؤلاء الذين علّموا أجيالاً بشعرهم ونضالهم.
شعر راشد حسين باكورة الشعر المقاوم
يؤكد الناقد والروائي اللبناني إلياس خوري في دراسته "الموت الجانبي" التي ضمها كتابه النقدي "الذاكرة المفقودة".. على ريادة الشاعر راشد حسين للشعر المقاوم في قوله : ( نقرأ راشد حسين حين يموت أو دون أن يموت ونقول : هذه هي بدايات الشعر الفلسطيني ، نبحث عن صوت درويش والقاسم داخل لغة أول شعراء الأرض المحتلة ... راشد حسين هو لحظة إ نتقالية في الوعي الشعري .)
وتضمن رثاء محمود درويش للشاعر راشد حسين اعترافا ضمنيا بدوره الريادي في ظهور شعر المقاومة ، وخاصة في المقطع الذي يقول فيه محمود درويش :
ابن فلاحَين
من ضلع فلسطين
جنوبي
بقي مثلّ دوري
قَوْمي
فاتح الصوتِ
كبير القدمين
واسع الكف، فقير كفراشة
..............
لـم ينشر سوى جزأين من أشعاره الأولى
وأعطانا البقية
فالسطران الأخيران يدلان على ريادة راشد حسين لشعر المقاومة ، وتأثيره في الخطاب الشعري الفلسطيني عامة .
شعر راشد حسين بين الوطن والمنفى
من البدهي أن يلمس القارئ اختلافا في المضمون والأسلوب بين الشعر الذي نظمه راشد حسين حينما كان في فلسطين ، والشعر الذي نظمه في المنفى . وقد رصد قسطندي شوملي هذا الاختلاف . وعلى الرغم من اختلاف الفضاء المكاني إلا أن قصائده لا تخرج عن المنظومات الآتية : 1- منظومة الحب والقرية 2- الخيمة واللاجئ والمنفى3- المقاومة والثورة والحرية .
ويتوزع المضمون الشعري في هذه القصائد على محورين: 1- محور الحياة الذي يكشف عن حب الشاعر للجمال ولوطنه وقريته. وإذا كان الحب لدى الشاعر في الديوان الأول يعكس الهم الذاتي ، فإنه في دواوينه الأخرى يعكس الهم الجماعي ، لمعاناة الجتماعية والاقتصادية الناتجة عن ظروف الاحتلال .
2- محور الموت الذي يكشف عن معاناة الفلسطيني في داخل الوطن وفي المخيمات. وورد القسم الأكبر منها في ديوان "صواريخ".( )

السخرية والدعابة
ينبه د. فاروق مواسي على أن السخرية في شعر راشد حسين هي امتداد للسخرية في الأدب العربي نثرا وشعرا ، وينوه بتجليات السخرية عند الجاحظ ، وابن الرومي ، والمازني ، وغيرهم . ولا ينبغي أن يفهم من هذا الربط والامتداد أن خاصية السخرية في شعر راشد حسين تقليد لمن سبقوه ، بل هي إبداع وابتكار لما تشتمل عليه من خصوصية سياسية في السياق الفلسطيني ، ولهذا يؤكد د. مواسي أن راشد حسين أرسى قواعد الأدب الساخر في الشعر الفلسطيني.
في السياق السياسي
والأنكى أنهم يطالبون هذا اللاجئ أن يقعد ويسكن:
ومضوا عنه وقالوا:
عش سعيدًا في جهنم

في السياق العاطفي
وكيف يصوم فؤاد فتى
وما أطعموه وما سحّروا
إذا كان لا بد من أن أصوم
فإني على قبلة أُفطر
البعد القومي في شعر راشد حسين
يضمن ديوان "صواريخ " أربع قصائد جزائرية بامتياز. وتجلت الثورة الجزائرية مبكرا في شعر راشد حسين ، إذ لم يمض على اندلاع الثورة الجزائرية سوى ثلاث سنوات حينما كان عُمر الشاعر واحدا وعشرين عاما .
يلاحظ المتأمل في قصائد راشد حسين الجزائرية أنه جمع في القصيدة الواحدة بين الثورة والمستعمر ، لم تسلم من الجمع قصيدة واحدة . وان الحديث عن الثورة يقابله بالضرورة حديث عن الجندي الغازي في معادلة تمثل السمة الأولى التي تميز قصائد راشد حسين.( )

الطفولة
يشغل الأطفال حيزاً لافتا في حياته وفي شعره.وتتوزع صورة الطفولة في شعره على مسارين ؛ الأول : مسار تربوي اجتماعي . والثاني : مسار سياسي وطني .
يقارن راشد حسين بين أسس تربية الطفل في المجتمعين العربي والغربي، وتتصف مخرجات التنشئة في المجتمع العربي بالخيبة والانكسار ، أما مخرجات التنشئة في المجتمع الغربي فتتسم بالتنمية والرعاية ، كما يبدو في قصيدة "أجياد" :

في بلاد الآخرين
يولد الطفل صغيرا
فيصبون على أيامه دفئا ونورا
ثم يروون له من قصة الشمس سطورا
وإذا الطفل الذي كان صغيرا
رجلا يصبح.. إنسانا كبيرا!
....
في قرانا يولد الطفل أميرا
فيصبون على عينيه ليلا ونذورا
و على جلدته الرخوة يبنون قصورا
و اذا الطفل الذي كان أميرا
قزما يصبح.. إنسانا صغيرا
يشرب الوحل ويجتر القشورا
ولا يخفى أن القصيدة تُضمر نقدا اجتماعيا لأسس التربية في ذلك الوقت ، وربما نجد ديمومة لهذه الأسس غير التربوية في تنشئة الطفل الفلسطيني . ويُشجع هذا المحور على تخصيص دراسة في البعد الاجتماعي التربوي في شعر راشد حسين .
وفي قصيدة بعنوان (ضد ) يعبر الشاعر عن رفضه لزج الأطفال في أتون الحرب أو المقاومة ، ويربط بين براءة الطفولة ، ورومانسية الطبيعة في صورة فكرية وجدانية في قوله :
ضدَ ان يجرحَ ثوارُ بلادي سنبلهْ
ضدَ أن يحملَ طفلٌ - أيُ طفلٍ- قنبلهْ
ضدَ أن تدرسَ أُختي عضلاتِ البندقيهْ
ضد ما شِئتثم .. ولكن
ما الذي يصنعه حتى نبيٌ أو نبيه
حينما تشربُ عينيهِ وعينيْها
خُيولُ القَتَلهْ
ويعتذر لأطفال باريس ..أبناء جنود الاحتلال الفرنسي الذي قُتلوا في الجزائر في قصيدة (باريس والأطفال) في قوله :
أطفالُ باريس عَـفواً من بنـادقنا إن يتَّمـتكم فما تـيتيمكم وطَرُ
نُحبِّـكُمُ مُـقلاً للحب ظامئـة وأغـصنا غـضة أوراقـها خُضُرُ
لكن طغت عصبةٌ من شعبكم وبغت فـلا جواب إلا الـدم الـعطرُ

النقد السياسي واستشراف المستقبل
يحفل شعر راشد حسين بنقد سياسي ، ومكاشفة قادرة على تعرية مظاهر الفساد السياسي ، وانحراف المسار الثوري ، والتجارة في الثوابت الوطنية . واللافت أن تصوير الشاعر للمشهد السياسي في حينه يقترب من تفاصيل المشهد السياسي المعاصر ، وبخاصة قوله من قصيدة " ثورة على سفر " :
ما الَّذي ظَلَّ مِنَ الثَّوْرات...
مِنْ أجْمَلِ أحْلامي القَديمَة؟
غَيْرُ آثارِ وَليمَة
وَنُجومٍ فَوْقَ أكْتافِ الَّذين امْتَهَنوا
شَرْحَ الهَزيمَة
ما الذي ظل سوى جيش مقالاتٍ حبالى
بحسابات بنوكٍ
وتفاسيرَ لتبريرِ الجريمهْ؟!
ما الذي ظلَّ سوى مطربةٍ , ان ولولت حيفا ويافا
عرقَ البنكُ دنانيرَ من القدس ِ القديمة ؟!
ما الذي ظل سوى أن تبدأ الثورةُ من أول حرف
ما الذي ظل سوى قتل الجريمة ؟!!
ولا يحتاج القارئ إلى جهد في التحليل والاستنتاج كي يصل إلى مقاربة واضحة بين الماضي والحاضر تؤكد أن راشد حسين كان يمتلك قدرة على استشراف المستقبل السياسي .
ويرصد أحمد حسين شقيق الشاعر المسوغات التي أفضت إلى بروز النقد السياسي في قوله : راشد أصيب بالصدمة حين رأى أن الالتزامات الفردية داخل الثورة الفلسطينية تختلف عن مفهومه الشخصي في هذا المجال. ولكن ما صدمه أكثر هو كثرة المشاريع الذاتية، ونوعية الممارسات الجارية، وسلوكيات بعضهم داخل صفوف الثورة الفلسطينية. وكالعادة فإنّ راشد لجأ إلى أسلوب المواجهة، والذي كان شخصيًا في بعض الأحيان، وصنع لنفسه الكثير من الأعداء ليزيد بذلك من معاناته وأزمته الشخصية.( )
وعُثر بين أوراق الشاعر على مسوّدة قصيدة بعنوان (حبيبتي غزة ) كتبها عام 1974 في نيويورك /ونشرها موقع " شبكة فلسطين للحوار " ( ) يصور فيها تفاصيل الواقع السياسي في غزة وكأنه شاهد عيان على المشهد المأساوي في غزة . يقول فيها :
متعبٌ من خُطَبِ الأقزامِ
يا غزّة
متعبْ...
وورائي البحرُ
والنّارُ أمامي
ولذا.. أمشي على قلبي
إلى النّارِ
وأشربْ
رثاء المدن في شعر راشد حسين
تفتح قصائد رثاء المدن في شعر راشد حسين نافذة للباحثين لإجراء دراسات مقاربة بين صورة المدينة الفلسطينية المنكوبة والمدن الأندلسية المدمرة في الشعر الأندلسي ، وقد يمتد أفق المقاربة ليشمل وصف المدن العربية التي دمرتها الحرب الشرشة التي لم تخمد نارها . وقد رصد د. عادل الأسطة صورة المدن في شعر راشد حسين ، وتوقف على قصيدة "الحب والغيتو" التي كتبها في 1963، ،يرثي فيها راشد ما الت اليه مدينة يافا ،وما آل اليه سكانها.إنها من قصائد رثاء المدن حقا. يفتتح راشد قصيدته بقوله:
مداخن الحشيش في يافا توزع الخدر
والطرق العجاف حبلى..بالذباب والضجر
وقلب يافا صمت ..اغلقه حجر
وفي شوارع السما....جنازة القمر.
ويافا بلا قلب وبلا قمر..انها دم على حجر،وكان الشاعر يعرفها من قبل،فقد رضع من اثدائها حليب البرتقال.لقد شلت ذراعها وانكسر ظهرها بعد العام 1948،وبعد ان كانت حديقة اشجارها الرجال مسخت محششة توزع الخدر،وبعد ان كانت مهنتها تصدير برتقال غدت مهنتها تصدير لاجئين. وينبه د. الأسطة إلى أن مدينة القدس ظهرت في شعر راشد حسين بعد هزيمة 1967 .( )
مناهضة الحرب

لا ينبغي أن يُفهم أن شعر المقاومة يحض على الحرب والقتال وحسب ، بل إن المقاومة شعرا وفعلا وسيلة لتحقيق هدف الثورة وهو الأمن والسلام والحرية ، وأن الشاعر المقاوم يحمل في حناياه فطرة الإنسان التي تنزع نحو المحبة والسلام ، وكراهية الحرب والقتل.
ويرجح د. سامي مسلّم أن راشد حسين من أوائل الشعراء العرب الذين كتبوا ضد الحرب في وقت مبكر من نضوجه الفكري والنضالي وهو لا يزال شاباً. فقصائده التي أصبحت عناوين لهذه الـمناهضة للحرب تذكر بروايات عظيمة شبيهة كتبت ضد الحرب وويلاتها مثل رواية (كل شيء هادئ على الجبهة الغربية)، للكاتب الألـماني الشهير ايريك ماريا ريمارك. ، ورواية (الجندي الطيب شفيك) للكاتب التشيكي الإنساني ياروسلاف هاشيك. فقد كتب راشد حسين قصائد جميلة إنسانية ومعبرة عن ذلك في "رسالة ساخرة من الـميدان" من شاب جريح إلى والده يصف فيها ساحة الحرب بالقول( )

"الـمدفع الـمأفون يا أبتاه والفجر العتيق
والأذرع الـمتناثرات هنا، هنالك في الطريق
والليل والـموتى وأفواه الخنادق والحريق
يهدينكم حلوَ التهاني والتحية والسلام..."
والحقيقة هي التي أدركها جندينا هذا هي
"وننال الأوسمة على تيتم الأطفال الأنام".

النصوص النثرية
بعض النصوص النثرية يرتقي إلى وثائق تاريخية ، نحو : مقال( حين يجوع التاريخ) الذي يستعرض فيه انحراف الحزب الشيوعي عن ثوابته ومبادئه . وينهي المقال بقوله : "لينس الشيوعيون.وليمعنوا في النسيان. أما نحن فلن ننسى. نحن القوميين العرب لن ننسى الذين طعنوا قوميتنا أمس، ويطعنونها اليوم!."