قانون الحشد الشعبي ما له وما عليه . . .

صادق إطيمش
2016 / 12 / 2

وافق مجلس النواب العراقي على تشريع قانون الحشد الشعبي الذي لابد من مناقشته لأهميته اولاً ولما يمكن ان يعكسه هذا القانون على العملية السياسية برمتها في العراق ثانياً.
اولاً وقبل كل شيئ لا يسعنا إلا ان نثمن الأعمال البطولية التي قام بها منتسبو الحشد الشعبي إلى جانب القوات العراقية الأخرى سواءً تلك القوات المرتبطة بالحكومة المركزية او تلك المرتبطة بحكومة اقليم كوردستان والتي ساهمت جميعاً مساهمة فعالة في تحرير ارض وطننا من سيطرة قوى الظلام والتخلف التي فرضتها عصابات الدولة الإسلامية وحلفاؤها من دواعش الدولة العراقية على مناطق كثيرة من وطننا واستباحت اهلنا في جميع هذه المناطق وعملت على تنفيذ الجرائم التي تمتلئ بها رؤوس هؤلاء الأوباش. والحشد الشعبي الذي قدم، إلى جانب قوى الأمن العراقية الأخرى جميعاً، الكثير من الشهداء على سوح الوطن المختلفة، والذي تشكل بعد احتلال ما يقارب ثلث مساحة العراق من قِبل قوى الظلام وكل القوى التي احتضنت عصابات الدولة الإسلامية وساعدوها على ذلك داخل وخارج العراق، عكس نوعاً من التلاحم بين الجيش وكل القوى الأمنية في المركز والإقليم من جهة وبين فصائل الحشد الشعبي من جهة اخرى، بحيث بدى التنسيق الفعلي والعمل المشترك بين هذه الجهات مجتمعة ، ينعكس إيجابياً على سير معارك التحرير التي جرت على مناطق مختلفة من وطننا . لقد وجد الكثيرون في هذا التنسيق منطلقاً جديداً وتفاؤلاً كبيراً لوحدة وطنية عراقية يمكنها ان تستوعب جميع الأحزاب والتوجهات التي لم تكن قد اجتمعت على الهوية الوطنية العراقية من قبل، مفضلة الإنتماء الطائفي والتوجه المحاصصاتي والتمحور العشائري والإصطفاف الإقليمي ، هذه العوامل التي تسود الساحة السياسية العراقية والتي تبلور عنها تواجد داعش وحلفاؤها في مناطق عديدة من وطننا في الوقت الذي عملت فيه البعثفاشية المقيتة على إعطاء هذا التواجد واجهة دينية عِبر منصاتها التحريضية، سرعان ما انقلبت على مخططيها حينما استولى الفكر الداعشي الظلامي على مخططات البعثفاشية واحتوى كل توجهاتها الخبيثة باطار ديني مزيف.
وحين التمعن في تركيبة الحشد الشعبي الذي قدم الكثير من الشهداء وانجز الكثير من الأعمال البطولية لتحرير وطننا ، نجد انه يتكون من ثلاثة مجاميع اساسية.
المجموعة الأولى التي يشكلها المتطوعون استجابة لنداء الجهاد الكفائي والذين لم يسبق لهم ان ساهموا في اي من التنظيمات المسلحة التابعة للأحزاب الحاكمة والتي إنتظمت في هذا الحشد وشكلت المجموعة الثانية الكبرى له. اما المجموعة الثالثة فهي التي شملت ابناء العشائر الذين استجابوا لنداء الوطن وانتظموا في صفوف القوى العراقية المقاتله في مواجهة عصابات الدولة الإسلامية واعوانها.
بالنسبة للمجموعة الثانية والتي ارتبطت تشكيلاتها وفصاءلها المسلحة بتوجهات مذهبية واصطفافات دينية معينة في اغلب الحالات ، وانتماءات حزبية لقوى الإسلام السياسي، وحملت السلاح خارج نطاق المؤسسات الحكومية ومارس بعض افرادها اعمالاً لاقانونية، لا تختلف عن اي عمل ارهابي، انعكست سلباً على الأمن العام في كثير من المحافظات العراقية، وساهمت في تعميق التمحور الطائفي وسياسة المحاصصات التي تمارسها الأحزاب الحاكمة، فإنها شكلت القوة العسكرية الفاعلة في الحشد الشعبي وبرز قادتها بشكل ظاهر على ساحات القتال. ومثل هذا الأمر طرح كثيراً من التساؤلات حول مستقبل هذه التشكيلات العسكرية الغير تابعة للدولة، بالرغم من تنسيقها مع قوات الحكومتين المركزية وحكومة الإقليم في جبهات القتال المختلفة، وما قد يؤول اليه الأمر حين عودة هذه التشكيلات إلى مراكز تواجدها الأساسية، لو انها ظلت على نسقها الذي بُنيت عليه في تبعيتها لأحزاب حاكمة او لتوجهات سياسية جعلت من تشكيلها الديني المذهبي قوة ارهاب وخوف وسطوة ، حتى في مجتمعاتها المشاركة لها في التوجه المذهبي ، وسعت إلى تثبيت مواقع اساسية في العملية السياسية الجارية في وطننا. لذلك فإن مواد هذا القانون 1ـ 3 والتي تنص على :
"" المادة ( 1 ) : تعتبر فصائل وتشكيلات الحشد الشعبي بموجب هذا القانون كيانات قانونية تتمتع بالحقوق وتلتزم بالواجبات بإعتبارها قوة رديفة وساندة للقوات الأمنية العراقية ولها الحق في الحفاظ على هويتها وخصوصيتها ما دام لا يشكل ذلك تهديداً للأمن الوطني العراقي.
المادة ( 2 ) : تحدد العناوين والمسميات للتشكيلات التي تندرج تحت مسمى فصائل وتشكيلات الحشد الشعبي المشار إليهما في المادة (1 ) أعلاه وتقرر من قبل لجنة الأمن والدفاع النيابية وبالتنسيق مع مكتب القائد العام للقوات المسلحة العراقية على ضوء توفر الإجراءات التي يتطلبها ذلك .
المادة ( 3 ) : تمارس فصائل وتشكيلات الحشد الشعبي مهامها وأنشطتها العسكرية والأمنية بطلب وإيعاز من القائد العام للقوات المسلحة العراقية وبالتنسيق معه إبتداءاً وإستمراراً عند وجود تهديدات أمنية تستدعي تدخلها الميداني لردع تلك التهديدات وإجتثاثها "".
إن هذه المواد اعلاه تشكل ، من وجهة نظري ، تحديداً قانونياً لعائدية تشكيلات الحشد الشعبي جميعاً متطوعين مستقلين كانوا ام من ابناء العشائر ام من منتسبي التشكيلات العسكرية الحزبية بكل مسمياتها الدينية. إذ اصبحت جميع هذه القوى ، حسب هذا القانون، كيانات قانونية ، والكيان القانوني هذا ، في دولة تحترم قوانينها ، له من الحقوق وعليه من الواجبات ما يجعله بعيداً عن التصرفات الفردية سواءً من قادة الحشد او من افراده. ويمكن ان يشكل هذا التحديد القانوني ابتعاداً عن المخاوف التي كانت تراود الكثيرين بتبلور صراعات مسلحة داخل هذه التشكيلات إذا ما ظلت تحمل السلاح خارج نطاق سيطرة الدولة اولاً ، وتأتمر باوامر قادتها او احزابها وليس باوامر القائد العام للقوات المسلحة مثلها مثل القوات الأمنية الرسمية الأخرى ثانياً.
وبالرغم من ربط المادة الثانية من القانون بتحديد التشكيلات والعناويين بلجنة الأمن والدفاع البرلمانية وبالتنسيق مع القائد العام للقوات المسلحة، إلا انها لم تضع الضوابط الخاصة لذلك. ولا يكفي ان توضع مثل هذه الضوابط بعدئذ بتعليمات ملحقة بالقانون ، إذ ان مثل هذا الأمر ، وفي هذا الوضع الحساس والمعقد الذي تمربه العملية السياسية في وطننا ، سيصبح في هذه الحالة عرضة لإختلاف التفسيرات التي تتعرض لها التعليمات بشكل اوسع واكثر مما تتعرض له القوانين ، خاصة في مثل هذه الأمور الشائكة. ولنا تجربة سيئة في تصرفات دكتاتورية البعث بهذا الشأن حيث عملت على توزيع الرتب العسكرية بمختلف درجاتها على مَن لا يستحقها ، حسب التعليمات القانونية المعمول بها في هذا المجال. وقد وصل الأمر بمنح اعلى رتبة عسكرية في الجيش العراقي السابق إلى شخص الدكتاتور المقبور وهو الهارب من الخدمة العسكرية. كما انتقلت هذه العدوى إلى ساسة احزاب الإسلام السياسي الذين وضعهم الإحتلال الأمريكي لوطننا على قمة السلطة السياسية والذين مارسوا سياسة منح الرتب هذه مع الكثير من منتسبيهم بحيث اخذ يظهر للعيان شباب لم يتجاوزوا المدة الزمنية للحصول على رتبة اقل بكثير من الرتب التي كانوا يحملونها. ومن هنا تأتي اهمية تنظيم ما جاء في المادة 2 من هذا القانون.
من جانب آخر ارى تناقضاً يعتري الفقرة 4 من القانون مع الفقرات اعلاه، وخاصة مع الفقرة 3 ، حيث تنص الفقرة 4 على :
"" المادة ( 4 ) : تخوَل فصائل وتشكيلات الحشد الشعبي بموجب هذا القانون حق إستخدام القوة اللازمة والقيام بكل ما يلزم لردع التهديدات الأمنية والإرهابية التي يتعرض لها العراق وكذلك لتحرير المدن من الجماعات الإرهابية وحفظ أمنها والقضاء على تلك الجماعات الإرهابية وعلى كل من يتعاون معها وتحت أي مسمى كان "".
هذا التخويل يفتح باباً واسعاً للتفسيرات والتأويلات التي قد يتركز محتواها الأساسي على حق التصرف الآني والمستقل البعيد عن الإرتباط بالقائد العام للقوات المسلحة. وعلى هذا الأساس ارى عدم ضرورة وجود مثل هذه الفقرة في القانون اصلاً ، وذلك لأن الفقرات الأخرى السابقة واللاحقة للفقرة 4 وضعت طبيعة هذه التشكيلة بشكل واضح لا تحتاج فيه إلى تخويل خاص لممارسة عملها الذي ينحصر اصلاً بالدفاع عن الوطن ولا علاقة له بما قد يحدث من صراع سياسي بين الأحزاب الحاكمة التي لم تزل تمارس الإقتتال على المناصب والثروات ولم تتوقف عن سرقة خيرات الوطن مستعملة كل الأساليب، بما فيها اساليب القوة وإرهاب الغير لتحقيق اهدافها اللصوصية هذه التي انتجتها سياسات المحاصصات الطائفية والقومية الشوفينية التي تمارسها هذه الأحزاب منذ سقوط دكتاتورية البعثفاشية وحتى يومنا هذا.
إن التوجهات الإيجابية التي ينص عليها هذا القانون في الفقرات الثلاث الأولى، لا يمنع من انتقاد بعض ما جاء في هذه الفقرات بالذات والذي قد يقود إلى تفسيرات سلبية لا مبرر لها. وعلى سبيل المثال لا الحصر نشير إلى العبارة الواردة في الفقرة 1 والتي تنص على :""
بإعتبارها قوة رديفة وساندة للقوات الأمنية العراقية ولها الحق في الحفاظ على هويتها وخصوصيتها ما دام لا يشكل ذلك تهديداً للأمن الوطني العراقي.""
لا ادري لماذا لا تكون هذه التشكيلة العسكرية ضمن تشكيلات الجيش او الشرطة الإتحادية، ولماذا يكون لها كيان خاص ضمن القوى الأمنية العراقية.؟ هذه الخصوصية التي قد تقود إلى تفسيرات ومن ثم إجراءات وتصرفات لا تُحمد عقباها ولا يمكن حصر انعكاسها السلبي على امن الوطن والمواطنين. إن جعل قوى الحشد الشعبي ضمن التشكيلات النظامية العسكرية في الجيش العراقي والشرطة الإتحادية وتبنيها للهوية العراقية ليس إلا، يعني تكريماً لما قدمه افرادها من خدمات وتضحيات جسيمة في سبيل الوطن الذي يحملون هويته اولاً وقبل كل شيئ، وفي هذه الحالة ستنتفي الحاجة إلى سن قانون خاص بها قد تنشأ من خلاله اوضاعاً تصب في مجرى التأويلات والتفسيرات المختلفة.
ولا ادري ايضاً لماذا يجب ان تحتفظ هذه التشكيلات، التي ابدت فعلاً بلاءً حسناً في معارك التحرير، " بهويتها وخصوصيتها " ؟ التي تشير لها الفقرة 1 من القانون؟ وما هي هذه الهوية؟ هل هي الهوية الطائفية التي تبنتها بعض الفصائل المسلحة ؟ ام هل هي الهوية العشائرية التي يتعلق بها ابناء العشائر من المتطوعين؟ ام هل هي الهوية القومية التي يراها بعض المتطوعين بانها تشكل الدافع الأساسي لقتال قوى الظلام والتخلف التي تهدد امن الوطن وسلامة اهله؟ ام ايه هوية أخرى غير الهوية العراقية؟
كما لم يعالج القانون المسميات التي اتخذتها بعض الفصائل المسلحة والتي تشير الى ارتباطها الحزبي او توجهها الديني او انتماءها القومي او اصطفافها المناطقي. انها مسميات محترمة ويحق لكل مواطن ان يلتصق بها، إن اراد ذلك عن رغبة لا رهبة، طالما تعلقت بالشخص ذاته وبقناعاته في اي من هذه الإنتماءات. اما ان تظل ملتصقة بجهاز وطني عام يمثل الوطن بكل مواطنيه وجميع مقومات وجوده ، فذلك لا يساعد على الوصول إلى ما نسعى اليه من وحدة وطنية وتلاحم نضالي ضد قوى الشر والظلام المتخلفة. وإن سعى البعض لتفسير مثل هذا الموقف باعتباره لا يحترم هذه الإنتماءات اويسيئ اليها او يدعو إلى التخلي عنها، فإن مثل هذه الزعم مردود من اساسه إذا ما جعلنا الهوية الوطنية ، صدقاً لا تبجحاً ، هدفنا الأساسي في الوقوف ضد الفساد وخراب البلاد الذي تمارسه احزاب المحاصصات المقيتة اليوم على الساحة السياسية العراقية.