المرأة الطفلة!!

عبله عبدالرحمن
2016 / 11 / 25

عبله عبدالرحمن
اللون الاسود الذي كانت ترتديه والحزن الذي يسكنها والطفل الذي يعادلها بالطول ويناديها امي!! لم تكن كلها اسباب مقنعة للاعتراف بها امرأة من دون تخيل انها ما زالت طفلة او انها امرأة توقفت عند مرحلة الطفولة. كيف لها ان تنضج وتنجح في رحلتها وقد حرمت من خيار القبول او الرفض في تقرير مصيرها. تجتاحك رغبة بالسؤال اين هي الطاقة بصوتها؟ اين هي ضحكتها؟. من دون عناء تستطيع ان تصغي الى قلبها وترثي احلامها التي اصبحت مقبورة مع انها كانت احلام عادية لطفلة كانت في عمرها. رغم تراكم الوجع في ملامحها لكن العين لم تكن لتخطئ في تقدير كم تهفو نفسها الى الضحك واللعب والحب الذي صارت تطالب بمنحة من دون الحصول عليه. تتخيل انها ستترك قيودها والاغلال المكبلة بها لتلحق بركب قصة او لعبة احبتها توا. معها ستقول بانه قد فات الوقت لتوجيه اللوم الى العائلة التي ضاقت بضفيرة الصغيرة بعقد زواج يشبه عقد البيع بين طرفين.
اذا كان الطريق الى الحقيقة يمر من القلب فكيف للاوصياء على هؤلاء الاطفال ان يرهقوا قلوب اطفالهن بمتاهات الحياة ومشاكلها وتعقيداتها وهم يعلمون بأن الحياة لم تكن رحيمة معهم حتى تكون رحيمة مع اطفالهم.
كنت اريد ان اعرف المزيد عنها وكنت اعرف ان وقتي معها ضيقا اذ التقيتها في المطار على طائرة واحدة. كانت تحمل طفولتها وتعود بها الى بلدها لتشارك بتشييع والدها الى مثواه الاخير.
ربما كانت تحمل قصة تشبه الاف من قصص السيدات المنكوبات في مجتمعاتنا العربية بالزواج المبكر لكن الوجع والحزن حين يكونا ظاهرين لا تستطيع ان تستسلم من دون تحقيق رغبة الاطلاع ومعرفة المزيد. لفتني حزنها حين قالت ان سفرها اليوم للمشاركة بتقبل العزاء بوالدها. بعد طلب الرحمه لوالدها اصابني هاجس الاطمئنان على الشريكة او الزوجة فقالت بحزن اكثر ان والدتها قد سبقت والدها الى الموت منذ وقت طويل. الحزن يجر الحزن في مثل هذه الحالات وكأن كل الاحزان تتراكم في الذاكرة حتى لا يجد الانسان لنفسه متسع لابتسامة عبرت الى حياته ذات يوم. سألتها اذا كان والدها متزوجا بأخرى؟!، هنا شعرت بانني ذكرتها بواقع اشد الما من المناسبة التي تستعد للقيام بها حين اكدت بأنها قد فقدت ابوها معنويا منذ وقت بعيد عن تاريخ وفاته الذي جاءت اليوم لتقبل العزاء به. وان صح القول نقول انها: جاءت لاجراءات حصر الارث الذي يحدث عادة في حالة الوفاة. بالكاد تعرف اسماء اشقاءها من زواج والدها الثاني، لان البيت كما تقول لم يعد واحدا، الرابطة معهم فقط اسماء مشتركة في البطاقة الشخصية باختلاف اسم الوالدة. للاسف نتيجة هذه الحياة الذابلة يتحمل مسؤوليتها اطراف عديدة فقدت حق المواجهة وحق وجودها في الحياة، وهذه الحالة تمثل حال من عانوا من نكبة الزواج الثاني سواء كان الزواج الثاني مقبولا نتيجة فراغ الزوج بطلاق الزوجة او الموت او كان غير مقبول حين يكون زواجا من غير سبب.
لم استطع اسكات موجة الحزن التي اجتاحتني وانا اتابع حزن عينيها من دون ان يتبادر لذهني ان يكون اللون الاسود الذي يلفها هو السبب الحقيقي للضياع الظاهر جليا في عينيها.
ودعنا بعضنا وكنت احمل شيئا منها، حملت ثأرها وكأنه قضيتي، قضية ضحايا الاطفال جراء الزواج المبكر، وضحايا تبعات تعدد الزوجات. بأمل تحمل المسؤولية من كافة الجهات المعنية للحد من انتشار مثل هذه الظواهر.