لو روسيا العدو من تكون أمريكا؟

مصطفى مجدي الجمال
2016 / 11 / 25

لو روسيا العدو من تكون أمريكا؟

في ظل الانكسارات الحادة للثورة المصرية والثورات العربية.. من عودة لقوى الثورة المضادة بأشكال وتكتيكات أخرى مجددة، أو وقوع بلدان عربية بأكملها في فوضى عارمة واقتتال أهلي وتدخلات استعمارية كبرى وإقليمية.. أشعر بالخجل نسبيًا من التطرق لقضايا قد تبدو جانبية أو غير مباشرة.. إلا أن هناك أحيانًا ما يجبرك على النظر جانبًا لكتابات أقل ما يقال عنها أنها غريبة، وتتعامل بعين واحدة مع ظاهرة تتطلب تعدد العيون..

وتزداد بعض الكتابات غربة وغرابة لكونها تأتي من مقيمين شبه دائمين في الغرب ويتمتعون بالتوظف في مؤسسات دولية أو منظمات غير حكومية شمالية أو هيئات أكاديمية ومراكز "تفكير" في أمريكا وأوربا، إلى جانب قنوات ووسائل إعلامية تمولها النظم الرجعية العربية. وبطبيعة الحال يغلب على اجتهادات هؤلاء الطابع الليبرالي القح، حتى لو تناقضت كتاباتهم في بعض الحالات مع بعض التوجهات الغربية الموغلة في اليمينية..

أما الأمر الأشد غرابة فيتمثل في تحليلات بعض "اليساريين" المغتربين الذين يقيمون في الخارج منذ آماد طويلة، والبعض الآخر من "النشطاء" الذين يبدون كـ "بدو رُحَّل" يتنقلون بين الندوت وورش العمل في المدن الغربية.. وقد حدث أن اندهشت في السبعينيات حينما اكتشفت وجود ظاهرة استمرت قبل ذلك بعقود، وتتمثل في بعض المفكرين "اليساريين" الموجودين في معاقل الرأسمالية العالمية ولا يتعرضون لمضايقات تذكر (إن لم يتمتعوا باحترام وشهرة وإتاحة إمكانيات) رغم انتماءاتهم الأيديولوجية المعلنة. وتوصلت وقتها لقناعة أنهم مرحب بهم طالما لم يتوقفوا عن مهاجمة الاتحاد السوفيتي أو صين ماو تسي تونج من منطلقات "يسارية"، أو مهاجمة عبد الناصر وأمثاله من منطلقات ليبرالية..الخ، وطالما أن هذا النوع من الهجوم هو منطلقهم وموضع جهدهم الأساسي، بل ربما يُسمح لهم ببعض الانتقادات العامة أو الهامشية للنظام الرأسمالي العالمي.. وهو ما تأكد لي صحته فيما بعد حينما قرأت كتاب فرنسيس سوندرز "الحرب الباردة الثقافية".

بالطبع لا أحجر على حرية أحد في اختيار طريق ومكان نضاله، ولكن على من يقيمون خارج مواطن الصراع أن يتمهلوا قبل إصدار التحليلات والتعميمات، ناهيك عن التعليمات.. فمن هو بعيد عن الأرض ليس قريبًا من مادية الصراع، دعك من الإحساس المباشر والطازج بالمشاعر الشعبية، ومدى جاهزية التنظيم السياسي والجماهيري..الخ.

مثال : أذكر حينما وقعت أحداث شغب قوات الأمن المركزي عام 1986 أن انبرى أحد المفكرين اليساريين المقيم بباريس باتهام رفاقه في الداخل بما رآه تخاذلاً منهم في تأييد "الانتفاضة" كما أسماها، وقارن بينها وبين انتفاضة الجنود والبحارة الروس عشية ثورة البلاشفة.. وادعى أن جنود الأمن المركزي الهاربين إلى قراهم يشكلون بؤرًا ثورية..الخ. وقد غاب عن المفكر الكبير أن قوات الأمن المركزي هي أصلاً قوات أنشئت لقمع التحركات الشعبية، وأنهم من الأميين أبجديًا، ولا يملكون رؤية ولا قيادة، وأن تمردهم كان بسبب إشاعة (لم يُعرف حتى الآن مصدرها بالضبط) تأخير خروجهم من الخدمة لعام أكثر.

مثال آخر : حينما وقع الهجوم الإرهابي على قاعدة "سبايكر" في العراق، بخيانة محلية ودعم تركي وتواطؤ أمريكي، وتم الاستيلاء على كميات هائلة من السلاح والعتاد، وذُبح المئات من الشباب العراقي.. وكانت هذه العملية بمثابة حجر الأساس لنشأة داعش.. انزعجت شخصيًا وكثيرون غيري من هذا التطور المشئوم، لكني فوجئت ببعض من أتحدث عنهم يتهمونني بنقص المعلومات، وتحدثوا عن قوى ثورية قامت بهذه العملية وأن من يقف وراءها عزت الدوري وبقايا الجيش العراقي وفدائيي صدام وميلشيات بعثية والطريقة النقشبندية..الخ وأنها حركة ثورية ترمي إلى تحرير العراق ككل. بل واتهموني بالتسرع ونقص المعلومات.. ثم كان ما تعرفونه جميعًا.

مثال ثالث أسبق : حينما كنا في ميدان التحرير، كان البعض ينتظر خطاب أوباما على أحر من الجمر، باعتباره القوة الوحيدة القادرة على إقالة مبارك. ومن بعدها صارت القيادات التي تلمعها أمريكا هي ذات القسط الأكبر في الإعلام، وأخذ هؤلاء لا يخجلون من التشاور مع جون ماكين والسفارة الأمريكية والمفوضية ألأوربية وحتى المأفون أردوغان.. باعتبارها القوى القادرة على ضمان وصول الثورة الديمقراطية لأهدافها.. وهذا الاتجاه بالذات هو المسئول عما وصلنا إليه.. وأعني به عدم إدراك، أو تناسي، أن الولايات المتحدة قوة معادية للشعوب، وأن الاتحاد الأوربي المتسربل بشعارات الديمقراطية هو قوة استعمارية تتغير في الشكل فقط وليس في المضمون. خاصة وأن هذه القوى الإمبريالية نفسها هي التي استمرت لعقود تدعم نظامي السادات ومبارك البائدين.

أقول مستخلصًا .. يجب على كل محلل سياسي ثوري أن يتروى قبل إصدار أحكام قطعية بخصوص الوضع السياسي في بلدان أخرى غير وطنه الأصلي.. لكن يبدو أن الإقامة بالخارج تغري المحلل بتصور فحواه أن تواجده في أحد مراكز أو عواصم العالم "الكبرى" يجعله صاحب رؤية أوسع وأعمق، ويمنحه رخصة التخوين والتعميد.. بل ربما يتمادى ويتهم المناضلين "العضويين" بالمحلية ونقص الثقافة وضعف المعلومات.. غافلاً عن حقيقة أن إقامته المستديمة أو الغالبة في الغرب تجعله هو نفسه عرضة للتأثر بالثقافة الليبرالية والمعلومات "المعالَجة" والمحوَّرة..

أعترف أن السبب المباشر وراء استعادة أفكاري بخصوص هذه الظاهرة سببها الكتابات الكثيرة لبعض المثقفين والباحثين والنشطاء المقيمين بالخارج أو المتنقلين بين زواياه، والتي ركزوا فيها مؤخرًا على "الإمبريالية الروسية". ولا تجد كل هذه "المبالغات" تأكيدًا على جدية طرحها إلا في التطورات الراهنة للأزمة السورية. وقد تعودت الآن على كتابات المثقف الأردني سلامة كيلة وأترابه في هذا الصدد.. إلا أن مقالاً أخيرًا للمثقف اليساري اللبناني المقيم بلندن جلبير أشقر جعلني أشعر أن هذه الاجتهادات دخلت في طور أكثر تماديًا. وهي المقالة المنشورة في جريدة القدس بعنوان "روسيا الإمبريالية.. قطب الرجعية العالمية".. ولم أملك سوى القول الشعبي المصري: "ياسلام!!!".

عجيب جدًا أولئك المثقفون اليساريون الذين ظلوا طوال أعوام ثلاثة تقريبًا يلومون إدارة أوباما على ترددها في حسم الأزمة السورية بإسقاط النظام بالقوة (وإن كان لبعضهم سوابق تأييد مخزية لإسقاط وتدمير الدولة والبنية المجتمعية في العراق وليبيا تحت شعارات مثل "جمهورية الخوف" و"الاستعمار الداخلي أفظع من الخارجي"..). ووفق تحليلاتهم فإن التردد الأمريكي وقرار واشنطون المزعوم- من جانبهم وحدهم- بالخروج من الشرق الأوسط، قد شجع الدب الروسي على التقدم نحو المياه الدافئة في البحر المتوسط. باختصار يبدو من كتاباتهم أن التدخل الروسي خبيث دومًا والتدخل الأمريكي "حميد" غالبًا أو على اقل يمكن السكوت عنه باعتباره أمرًا "طبيعيًا" وبقوة "العادة".

نقطة الخلل الأساسية في هذه التحليلات أنها تُخرج من التحليل تمامًا- أو تقريبًا- العنصر الخاص بالعصابات والميلشيات رافعة شعارات "الإسلام السياسي الجهادي".. وإذا وردت في تحليلاتهم فإنها ترد بالاستعانة- للمفارقة- بـ "نظرية المؤامرة".. إلى حد اتهام النظام السوري، وإيران "الشيعية"، بإنشاء هذه المنظمات بهدف عسكرة "الثورة" ومن ثم سهولة تدميرها.. وهو تحليل يصعب على الصبي هضمه. بل بلغ الخلل العقلي بالبعض حد اتهام روسيا بإرسال المقاتلين الشيشان إلى سوريا.

ويثير الحية أن القليل ممن أتحدث عنهم هو من قال لنا ماذا نفعل إزاء التدخل الروسي "المذموم"؟ لا يمكن بالطبع دعوة قوات عربية أو ممارسة حرب عصابات عربية ضد روسيا في سوريا.. وإن تحقق هذا الوضع "الخرافي" فكيف يمكن النضال إلى جانب ميلشيات الدولة الإسلامية وتنظيم القاعدة؟!! وبالتأكيد لا يمكن للولايات المتحدة نفسها أن تدخل في مواجهة مباشرة مع الروس، ولكن يمكنها ممارسة الصراع بالوكالة عبر قوى محلية وإقليمية، من أجل التوصل إلى حل وسط ما مع الروس. وربما سيكون هذا ما سيحاوله ترامب أيضًا إلى جانب التواصل مع الروس أيضًا لتصفية بعض الكيانات الإرهابية الأشد خطورة على الغرب نفسه مستقبلاً (الخبرة الأفغانية مازالت فعالة ومعقولة).

وأعود لمناقشة مقالة جلبير أشقر.. فأؤكد مسبقًا أن روسيا الحالية ليست هي الاتحاد السوفيتي.. فلا مجال عند العقلاء لهذا النوع من المجازفة اللاتاريخية. وبالطبع باتت روسيا الآن- والصين بدرجة أقل- قوة رأسمالية صاعدة تجمع بين تحالف احتكاري داخلي يشمل أجهزة في الدولة وبعض الشرائح الاجتماعية التي كونت تراكمها الرأسمالي الأولي من أنشطة مافياوية سابقة أواخر عهد جورباتشوف وطوال عهد يلتسين. المهم أن هذه الرأسمالية الصاعدة في عصر العولمة النيوليبرالية تحاول حماية ما تحوزه- وتوسيعه إن أمكن- على أمل إحداث تغيير استراتيجي في أنصبة وقيادة المنظومة الرأسمالية العالمية. ومن أهم ما يستند إليه بوتين في هذا الصدد: الإيرادات الريعية الوفيرة من صادرات النفط والغاز الطبيعي ومواد خام أخرى، إلى جانب بعث الحلم الروسي "الشعبوي" باستعادة الإمبراطورية الروسية التاريخية. أما في الخارج فإن بوتين يستفيد بالتأكيد من بربرية الهجمة الأمريكية التي بدأت منذ التسعينيات تطبيقًا لنظرية الأحادية القطبية و"القرن الأمريكي الجديد"، وهي الهجمة التي تثير الشعور العارم بالخوف والبحث عن أي "مساعدة" لمواجهة موجة لا ترحم.

وحين يأتي جلبير أشقر ليقول "روسيا الإمبريالية قطب الرجعية العالمية" (ولم يقل: أحد أقطاب..) فإنه بالقطع يغمي أعيننا عن القوى "الأصغر" (وهذا استنتاج منطقي) التي أذاقت ولا تزال تذيق شعوبنا الدمار المادي والإفقار والتآمر ودعم النظم الإجرامية المستبدة. فتصبح الدول الاستعمارية الغربية "أهون الشرور" التي يمكن الاستعانة بها لمواجهة قطب الرجعية العالمية الأوحد.. وإن صدقنا هذا الهراء، فكيف يمكن للوطنيين والتقدميين في مصر أو الجزائر أو المغرب مثلاً مواجهة هذا العدو "المراوغ" الذي لا يمكننا الإمساك به في بلادنا؟

من العبث وتضييع الوقت تأكيد أن روسيا لم تكن من دعم مبارك؟ كما لم تكن اللاعب الرئيسي في المؤسسات المالية الدولية التي أنتجت الفقر والبطالة والشرائح الطفيلية في بلدنا؟ ولم تكن روسيا من ضغط على قوى سياسية مصرية للتحالف أو التساهل مع جماعة الإخوان؟ بل إن روسيا ("قطب الرجعية العالمية") تمارس بعض الضغوط على نظام السيسي.. فهل يرى المثقفون الراديكاليون هؤلاء أن ندعم السيسي في مواجهتهم؟!

أما عن المقولة نفسها بموقع روسيا من قيادة المنظومة الرأسمالية العالمية، فهي تتجاهل الأوزان النسبية الهائلة للاقتصاد والقوة العسكرية والقدرات التكنولوجية والثقافية والدبلوماسية الكبيرة جدًا للثالوث القائد لهذه المنظومة حتى الآن، والذي يتكون من الولايات المتحدة واليابان وأوربا، وحيث دانت القيادة فيه للولايات المتحدة بسبب تفوقها النووي الساحق. وتظل اليابان في الثالوث بمحض قوتها الاقتصادية، وإن بدت للبعض قوة "مسالمة مهذبة"، فهو أمر مفروض عليها بعد الحرب العالمية الثانية، وربما تتمرد عليه مستقبلاً تحت ضغط تطورات مبعثها الصين أو كوريا الشمالية. كما تظل أوربا (ببريطانيا وبدونها) جزءًا من هذا الثالوث بمحض قوتها الاقتصادية (خاصة ألمانيا) والعسكرية و"المثل الديمقراطية" التي تدعيها. وقد دعا هذا الثالوث المفكر الكبير سمير أمين إلى الحديث عن "الاستعمار الجماعي"، حيث نجحت القوى الرئيسية في المنظومة الرأسمالية العالمية في ابتداع آليات مناسبة- مرحليًا- للتغلب على التناقضات بينها، مع الإقرار في الوقت نفسه بالقيادة الأمريكية التي لا منازع لها.

صحيح أيضًا أن التمدد الزائد للإمبراطورية الأمريكية قد خلق بعض الثقوب في النسيج الإمبريالي، مثل صعود بعض النظم اليسارية ويسار الوسط في أمريكا اللاتينية، ولكن الولايات المتحدة كانت على يقين من قدراتها الخاصة في استعادة نفوذها في فنائها الخلفي "بعد بعض الوقت". لكن هذه "الثقوب" تزامنت مع النمو الاقتصادي الهائل في الصين، ومع التماسك السياسي المستعاد في روسيا.. وهكذا بدت ظاهرة "الأسواق الناشئة" أو "الدول الصاعدة" حقيقة جديدة يجب على الولايات المتحدة التعامل معها. لكن تظل هناك عناصر قوة مهمة لهاتين القوتين لا يمكن تجاهلها مثل: حقيقة التوغل الاقتصادي الصيني في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، والديونية الأمريكية المهولة لها. وكذلك اعتماد الحليف الأوربي على الغاز الروسي، ناهيك عن إعادة بناء القوة العسكرية الروسية كما ونوعًا.

أما أن يأتي مفكر ويتجاهل هذه الحقائق الواضحة كتضاريس طبيعية لا تقبل المماحكة، ليرى أن انكسار "الثورة السورية" نتيجة للتدخل الروسي، وبالتالي: للتخاذل الأمريكي، فإنه يثير الرثاء لأنه يعجز عن فتح عينه الأخرى ليرى الهمجية الطائفية والتدخلات الإجرامية السعودية والقطرية والتركية.. كما لا يرى أن أغلب القيادات الليبرالية واليسارية المعادية للنظام يقيمون خارج الوطن، في اسطنبول والدوحة ولندن وباريس.. ويتصورون أنهم بمجرد الحفاظ على أنصبة المشاركة في مؤتمرات الحل سيكونون إنشاء الله على مقاعد السلطة في المستقبل.. ولم يسألوا أنفسهم ماذا سيفعلون مع الميلشيات الإرهابية والطائفية المتواجدة- عكسهم- على الأرض بسلاحها وانتحارييها وحاضناتها الجماهيرية.. ولا حتى ماذا سيفعلون مع القيادات العسكرية المنشقة على النظام بإيعازات أمريكية وتركية أساسًا، وهم بالتأكيد من صنف القيادات التي لن تقبل أبدًا بحكم ديمقراطي.

لا يمكن تبرير المأزق الخطير، كما لا يمكن الخروج منه، بمجرد اجترار أفكار خاطئة تمامًا فحواها أن روسيا هي العدو الأول وقطب الرجعية العالمية الذي سيشد وراءه ترامب وأترابه في أوربا. فهو طرح لا يعني سوى التسبيح- ضمنيًا- بحمد الإمبريالية العالمية بقيادتها الغربية. ومن عجائب الزمن أن يتحدث أحد من نعنيهم عن المخالفين لاستنتاجاتهم الخرقاء بأنهم "يسار زائف".. بينما نجد أن طرحًا واحدًا لهم عن قطبية الإمبريالية الروسية لا يستند إلى أي أساس من علم أو حتى أيديولوجيا.. وإنما هو استنتاج تعسفي من حالة جزئية (سوريا) وتعميمه للخروج بالنتيجة العجيبة التي ترون.