لا مساومة في حق تقرير المصير . . . القسم الثالث

صادق إطيمش
2016 / 11 / 24

لا مساومة في حق تقرير المصير . . . القسم الثالث
لمناقشة العوامل الذاتية في كوردستان والتي قد تنعكس سلباً على الدولة الكوردية فيما إذا تم الإعلان عنها تحت المعطيات الدولية والإقليمية التي اشرنا اليها في القسمين الأول والثاني من هذا الموضوع، وتحت العوامل الذاتية التي تتجلى اهم مظاهرها من خلال تقييم التجربة التي تعيشها كوردستان الجنوبية منذ عام 1991، اي منذ ان اصبح اقليم كوردستان على اراضي الدولة العراقية يتمتع بحماية دولية ضد دكتاتورية البعثفاشية الساقطة.
لنبدأ اولاً بالعلاقة بين القيادات السياسية للشعب الكوردي في كوردستان الجنوبية والتي يمكن ان تشكل قيادات الدولة الجديدة. يمكننا القول بأن هذه العلاقات قد مرت بثلاث مراحل مهمة.المرحلة الأولى هي التي بدأت بعد إعلان التحالف الدولي عام 1991 بجعل كوردستان منطقة خارجة عن سلطة البعثفاشية. في هذه المرحلة شهدت ارض كوردستان الجنوبية قتالاً عنيفاً بين القوى السياسية القائدة، قيل عنه في وقته " قتال الكمارك" ذهب ضحيته الآلاف من الكورد خاصة بين صفوف الحزبين المتقاتلين، الديمقراطي الكوردستاني بقيادة مسعود برزاني والإتحاد الكوردستاني بقيادة جلال الطالباني، والذي استمر لأكثر من خمس سنوات، جرت فيها ايضاً ملاحقات وتشريد لكلي الطرفين المتقاتلين، إضافة إلى تهديم كثير من البنى التحتية التي كان من المفروض جعلها في خدمة الشعب الكوردي الذي خرج تواً من اقذر عمليات قمع شوفيني بعثي. لا نريد هنا التوسع في هذا الموضوع الذي فرض تدخل قوات ايرانية وتركية وحتى عراقية بعثية في هذا الصراع إلى جانب او ضد هذا الفريق او ذاك. الرابط التالي يعطينا تفاصيل كثيرة عن هذه المأساة الكوردية الكوردية.
https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%87%D9%84%D9%8A%D8%A9_%D9%81%D9%8A_%D9%83%D8%B1%D8%AF%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82
اما المرحلة الثانية وهي المرحلة التي رافق فيها توقف القتال ، التوجه للعمل المشترك بين الحكومتين في كل من اربيل والسليمانية وتوحيدهما للعمل ضمن برلمان موحد اتخذ من اربيل عاصمة لكل كوردستان الجنوبية. لقد كانت هذه المرحلة اشراقة نور جديدة وأمل واعد ليس للكورد فقط، بل لكل من احب هذا الشعب المناضل وأيد اهدافه التحررية. في هذه المرحلة ايضاً استعاد الشعب الكوردي في اقليم كوردستان بعض عافيته في الثقافة المسلوبة والإقتصاد المُخَرَب واصبح الأقليم قبلة ليس للعراقيين فقط، بل هدفاً للسياحة العالمية ايضاً لما يتمتع به من امن ورفاه نسبي وانفتاح. إلا ان هذه المرحلة لم تكتمل مقوماتها التي بدأت بالتفكك والتراجع حتى بدت ظواهر الأزمات في الأقليم لتشمل الإقتصاد وحرية الرأي وكثرة المافيات وغياب الرقابة البرلمانية وانتشار الفساد المالي والإداري وتجدد الصراع السياسي بين الأحزاب الحاكمة وعجز الحكومة عن تنفيذ التزاماتها تجاه المواطنين والكثير الكثير من العوامل التي ادت إلى خلق حالة ارتداد وخيبة امل لدى الشعب الكوردي وكل اصدقاءه الذين كانوا يعولون على نتائج هذه التجربة الفريدة على كل ارض كوردستان ويراهنون على نجاحها.
وحين مناقشة اسباب هذا التراجع الكارثي فسوف لن يجد اي محلل منصف سبباً غير التلكؤ الذي اصاب مجمل العملية السياسية في كوردستان والذي تبلور من خلال التنكر للنهج الديمقراطي سواءً في العلاقة بين القوى السياسية في الإقليم ، او في التعامل مع الساحة السياسية العراقية بشكل عام، حيث اصطفت القوى الكوردية المنتَخَبة إلى جانب سياسة المحاصصات والتكتلات التي اصطبغت بالصبغة المذهبية الطائفية والشوفينية والعشائرية كردة فعل للتقوقع المحاصصاتي العشائري الطائفي على الساحة السياسية العراقية بشكل عام، في الوقت الذي كان فيه الديمقراطيون داخل الإقليم وخارجه ينتظرون انحياز القوى الكوردية السياسية القائدة إلى جانب كل القوى الديمقراطية العراقية وليس إلى جانب قوى الإسلام السياسي والقوى العربية الشوفينية سواءً في الحكومة العراقية ككل او في البرلمان العراقي.
ولم تنحصر نتائج الوضع الكارثي الجديد في كوردستان الجنوبية على داخل الإقليم فقط، بل تعدت ذلك إلى خارجه ايضاً وذلك حينما دعت سياسة المحاصصات والنزعة الحزبية والعشائرية لدى القادة الكورد إلى ان يلجأ البعض منهم للإتفاق مع اعداء الكورد وفي مقدمتهم اردوغان ورهطه من العثمانيين الجدد الذين لم يتهاونوا في حربهم على الشعب الكوردي في كوردستان الشمالية التي يقود مناضلوها ثورة شعبية عارمة منذ عقود ضد النظام العنصري الدكتاتوري في تركيا.
إن الوضع الناشئ الآن في كوردستان الجنوبية والذي يتسم بانعدام الثقة والتعاون بين القوى السياسية القائدة في الإقليم وكل ما نتج وينتج عن ذلك من تردي الأوضاع في مختلف المجالات حيث انعكس ذلك بشكل واضح وجلي على حياة البسطاء من الناس، في الوقت الذي استمر فيه نشاط المافيات في نهب الثروات وتكديس الأموال المسروقة من قوت الشعب الكوردي في الإقليم، إن وضعاً كهذا لا يساعد على الإعلان عن دولة كوردية ستكون في مهب رياح الشوفينيين المتربصين بالشعب الكوردي من القوميات الثلاث التي تتقاسم ارض كوردستان. وإن حدث مثل ذلك فإن هذا الأمر سيشكل تراجعاً كبيراً في تحقيق هدف الشعب الكوردي الذي قدم من اجله عشرات الآلاف من الشهداء وعاش المآسي الكثار في سبيل تحقيقه والمتمثل بتقرير المصير الذي يراه هذا الشعب.
واستناداً إلى كل هذه المعطيات الموضوعية والذاتية لابد من التفكير بالوساءل الممكنة للحفاظ على مكتسبات نضال الشعب الكوردي في كوردستان الجنوبية وما حققه هذا النضال من خلال التضامن الأممي عراقياً واقليمياً ودولياً ومن خلال التفكير بما طرحته الثورة الكوردية في شمال كوردستان وما تحققه الآن في المناطق المحررة من هيمنة دكتاتورية البعث في سوريا ومن قوى الظلام والتخلف الإسلامية والمتمثل بتحقيق الإدارة الذاتية وبقيادات ثورية تعي متطلبات المرحلة وتعمل من اجل التحقيق الفعلي لما يريده هذا الشعب على كل ارض كوردستان شمالأ وجنوباً وشرقاً وغرباً...
وحينما يجري الحديث عن الإدارة الذاتية كمرحلة او شكل من اشكال تقرير المصير، لابد لنا من الإطلاع بتمعن وعمق تفكير على بعض ما كتبه القائد الأممي عبد الله اوجالان بهذا الصدد ، والمستل من كتابه : مانيفستو المجتمع الديمقراطي ، المجلد الأول ، على الصفحات 22ـ23 ، إذ يقول :
" " ولكن من الخطأ الفادح النظر إلى دور الكرد في هذه المرحلة الجديدة من الصراع والفوضى داخل الشرق الأوسط بانه مقتصر على التواطؤ . فالغالبية العظمى من الكرد المتعطشين لفلسفة الحياة الحرة ستبقى في انتظار روادها الأفاضل لتروي ظمأها . وبينما تعتبر هذه الغالبية قابلة للتخلي بسرعة عن قوالب حياة العصور الوسطى المستهلكة التي عفا عليها الزمن ، فهي لن تتشبث كثيراً بقالب الدويلة القومية المعروضة عليها ، والتي لا تسمح بفرصة الحياة الحرة لأي شعب ، في حين تُعتبَر العماد الأمتن للحداثة الراسمالية . وبالمقابل ، فإن شكل الإدارة الكونفدرالية الديمقراطية الأكثر ملاءمة لتحقيق طموحاتهم في الحرية والمساواة يُعَدُ الشكل السياسي الأكثر مناسبة للكرد ، نظراً لخصائصهم ومزاياهم التاريخية والجغرافية ." "
ثم يستطرد اوجالان في كتابه اعلاه واصفاً النمط السياسي الجديد الذي يراه مناسباً لتطلعات الشعب الكوردي فيقول :
" " الكونفدرالية الديمقراطية الشرق اوسطية التي تُعتبَر بدورها الصياغة الأساسية القادرة على إيصال كافة المجتمعات والإثنيات ذات الأصول العربية والإيرانية والتركية والكردية والأرمنية والروسية واليهودية والقوقازية ، وجميع المذاهب والأديان ، وكذلك الجماعات ذات الأصول الأوربية والمفتقرة لحقوق الإنسان والديمقراطية ، إيصالها مجدداً إلى مقدساتها واصطلاحاتها في الحياة الحرة وانجازاتها المادية ، بعد ان كانت معرضة للإبادة والتطهير العرقي ومفتقرة ليوتوبياتها في الحياة الحرة بسبب القمع والإستغلال والإضطهاد في معمعان حروب الدولة القومية النابعة من الحداثة الرأسمالية والمفروضة على موزائيك شعوب الشرق الأوسط . وإذا ما تولدت جمهورية فيدرالية ديمقراطية من احشاء فوضى العراق ، فقد تلعب دوراً ريادياً في تحقيق تطور في هذا الإتجاه ." "

فالأمر إذن كما يطرحه المفكر الأممي وقائد الشعب الكوردي عبد الله اوجالان لا يتعلق بأي حال من الأحوال بالتنكر للآخر والإنعزال عنه ، بل بالعكس فإنه يرى في شعوب الشرق الأوسط بمختلف مكوناتها مؤهلة لتبني مشروع الشرق الأوسط الجديد الكونفيدرالي الديمقراطي ، وهذا بالتأكيد على العكس تماماً مما تريده الإحتكارات الإستعمارية بقيادة الإدارة الأمريكية من مشروعها الذي اعلنت عنه تحت اسم مشروع الشرق الأوسط الجديد .
إستناداً إلى هذا الفكر الذي تمثله الحركة الثورية الكوردية وانطلاقاً من إيمانها بالكونفدرالية الديمقراطية التي تسعى قوى الثورة الكوردية إلى تحقيقها، ينبغي على القوى المناهضة لهذا التوجه ان تراجع مواقفها من الثورة الكوردية وتوجهاتها الديمقراطية التي ستصب ليس لصالح تيار الحركة الوطنية الكوردية فحسب ، بل ولصالح جميع التيار الديمقراطي في المنطقة برمتها ، وأن يتوجه هؤلاء إلى الوقوف بوجه قوى الشر التي تريد ان تؤسس لدول إسلامية او عشائرية شوفينية على مقاساتها الخاصة واستناداً إلى افكارها المتخلفة عن مسيرة البشرية في قرنها الحادي والعشرين .
الدكتور صادق إطيمش