لا مساومة في حق تقرير المصير ... القسم الثاني

صادق إطيمش
2016 / 11 / 22

لا مساومة في حق تقرير المصير ...
القسم الثاني

اما القومية الأخرى التي سوف لن يرضيها قيام دولة كوردية مستقلة على حدوها فتتمثل بالدولة الفارسية التي يتطلع سكانها من الكورد إلى نفس تلك التطلعات المشروعة للخلاص من نير التسلط السياسي القومي الفارسي. وبالعكس من القومية التركية التي تعاني من عقدة النقص المركب، تعاني القومية الفارسية من عقدة الإستعلاء والفوقية على القوميات الأخرى التي تعتبرها اقل حضارة منها وتاريخها اقل إزدهاراً من تاريخ الدولة الفارسية. هذه النظرة الإستعلائية جعلت القوى الشوفينية في الدولة الفارسية تحتقر القوميات الأخرى المتواجدة على بقاع سلطتها السياسية وبين حدود دولتها، وذلك من خلال تجاهل خصائصها القومية وثقافاتها المتنوعة التي تميزها عن الثقافة الفارسية ، ومن خلال عمليات التغيير الديموغرافي والثقافي الذي تفرضه على مناطق تواجد القوميات الأخرى . وما يحدث للعرب والبلوش وغيرهم لا يقل عما يحدث للكورد في الدولة الفارسية. إن توجهاً كهذا لم ينته بسقوط الدولة الشاهنشاهية وحلول الدولة الإسلامية في ايران. ففي النظامين تتجلى النعرة القومية الإستعلائية لدى السلطة السياسية الساعية للهيمنة على القوميات الأخرى في كل المفاصل التي تديرها الدولة. وإن دولة كهذه لا تسمح ايضاً بتواجد دولة كوردية مستقلة على حدودها التي لا تريد ان تفرط باي جزء منها لقومية اخرى. هذه الدولة الكوردية التي قد تكون محركاً اساسياً ونموذجاً رائداً لملايين الكورد في ايران، إذا ما تشكلت بشكل رصين وبقيادة ديمقراطية حقيقية ، وبالتالي فإنها ستشكل، من وجهة نظر السلطة السياسية الإيرانية، عامل خطر لابد من مواجهته حتى وإن استدعى ذلك شن الحرب على هذه الدولة الوليدة.

والقومية الثالثة التي فرضت الإتفاقيات الدولية وجود الشعب الكوردي وارض كوردستان ضمن حدودها الجغرافية التي فرضتها نتائج واتفاقيات الحرب العالمية الأولى فهي القومية العربية التي تعاملت مع الشعب الكوردي في دولتين من الدول التي تقطنها الغالبية العربية وهما العراق وسوريا. ففي الوقت الذي تعاملت فيه الحكومات السورية المختلفة من منطلق الحقد العنصري والقمع المستمر لكل المحاولات التي قامت بها القوى الوطنية الكوردية لممارسة حق وجودها الطبيعي على ارض كوردستان الغربية بحيث اصبح الكوردي ، وبحسب قوانين الجمهورية العربية السورية، اجنبياً على ارضه ولا وجود له في سجلات الإحصاء السكاني لهذه الدولة، مما خلف تداعيات انعكست على حياة السكان الكورد واتسمت بالملاحقات والسجون وحتى التشريد لكل من يحاول من الكورد ان يطالب بحقوقه القومية على ارضه وبصيانة ارثه الثقافي في لغته وتاريخه. وقد برزت قوى المخابرات السورية واجهزتها القمعية على ارض كوردستان الغربية وكأنها تتصدى لعدو اجنبي لا تربطه بهذه الأرض اية صلة. وبالإضافة إلى هذه المعاناة السياسية والقمع الذي مارسته الحكومات السورية المختلفة ضد الشعب الكوردي، فإن المعاناة الإقتصادية لم تكن اخف وطأة على كاهل هذا الشعب الذي لم يحصل حتى على حقوقه النسبية في عدد السكان فيما يتعلق بالوظائف الحكومية او المجالات التعليمية او حتى في مجالات العمل العامة، مما اثقل كاهل الفقراء والمعدمين من هذا الشعب الصابر المناضل. وعلى هذا الأساس يكون من المنطقي ان يستمر هذا العداء للشعب الكوردي طالما بقيت القوى القومية الشوفينية على منصة السلطة السياسية ، والبعث الحاكم الآن واجهة من واجهاتها السوداء، وإن ما يترتب على ذلك كله هو الحيلولة دون وجود اي محفز للشعب الكوردي على ارض كوردستان الغربية يشير من قريب او بعيد إلى حقه في تقرير المصير وتمسكه بهذا الحق والعمل على تحقيقه سواءً كان هذا المحفز دولة كوردية او ادارة ذاتية. وهذا ما اكدت عليه آخر الأخبار في مجرى الصراع والحرب الأهلية في سوريا حينما صرح وزير خارجية النظام السوري وليد المعلم امام المبعوث الدولي الذي اقترح نظام الإدارة الذاتية لحلب وما حولها، بأن النظام السوري لا يسمح بأي نوع من الإدارة الذاتية . فكيف سيكون موقف هذه الحكومة ذات الآفاق العنصرية الشوفينية من الدولة الكوردية التي ستقوم على حدودها والتي ستصبح على تماس مباشر مع الشعب الكوردي في غرب كوردستان.

نقول في الوقت الذي كان فيه الشعب الكوردي يتعرض للقمع الدائم في الجمهورية العربية السورية، اخذت القضية الكوردية في العراق ابعاداً اخرى تراوحت بين القمع والمهادنة وحتى التفاهم احيانأ. إذ ان المطلعين على الوضع السياسي العراقي عن كثب وفي عهوده المختلفة، يعلمون جيداً ان نضال الشعب الكوردي في العراق حظى ويحظى بالتأييد الكامل من قبل القوى الوطنية العراقية التقدمية. ويمكن القول، مع الأسف الشديد، بأن ظاهرة التأييد هذه لم تبرز بهذا الشكل الواضح من الشعوب الأخرى التي يتواجد بينها الشعب الكوردي على مختلف بقاع كوردستان.وكان هذا التاييد الواضح لنضال الشعب الكوردي يشكل واحداً من العوامل الأساسية التي كانت تؤثر سلباً على العلاقات بين القوى السياسية المؤيدة والمعارضة، خاصة مع تلك القوى القومية العربية الشوفينية التي تتبنى الصهر القومي لكل القوميات القاطنة بين العرب. واستناداً إلى هذا الفهم العربي الشوفيني للعلاقة بين القوميات المختلفة سعت بعض الحكومات العراقية إلى وسائل القمع والإرهاب والملاحقات والتهجير للشعب الكوردي وحركته التحررية. وحتى اشتعال الحرب على الشعب الكوردي في كوردستان الجنوبية من قبل الحكومات العراقية، فإن ذلك لم يؤثر على المواقف المبدئية للقوى الوطنية العراقية التي ظلت تعلن وقوفها الدائم والصريح إلى جانب الشعب الكوردي وحقه بتحقيق مصيره بنفسه دون اية وصاية، وتدعوا للديمقراطية في العراق والسلم في كوردستان، بالرغم من حدوث بعض الإنتكاسات حينما قاسى الشعب الكوردي من ويلات الحرب عليه في زمن الزعيم الوطني الشهيد عبد الكريم قاسم. وبعد سقوط البعثفاشية وحكمها الدكتاتوري واعقبها في التحكم بالعملية السياسية العراقية فئة من الطائفيين والقوميين الشوفيننين وحتى بعض بقايا البعث الساقط، سلكت بعض القوى الكوردية، خاصة التقليدية منها سلوكاً كان يُفهم منه وكأنه ردة فعل على سياسة المحاصصات المقيتة التي يمارسها حكام العراق الجدد. لقد كان الشعب العراقي ينتظر من القوى السياسية الكوردية بان تكون المدافعة العنيدة عن الديمقراطية انطلاقاً من معاناة الظلم والقهر والقمع التي تعرض لها الشعب الكوردي طيلة نضاله في سبيل حقوقه القومية والديمقراطية. إلا ان ما حدث هو العكس، مع الأسف الشديد، حيث انغمست القوى الكوردية السياسية الأساسية في لعبة المحاصصة التي انعكست بدورها على السياسة في اقليم كوردستان الذي حقق مسيرة رائدة في بداية الأمر سرعان ما نالها التراجع من خلال سياسة المحاصصة هذه ومن خلال ارتباط الأحزاب الكوردية القائدة للعملية السياسية في كوردستان الجنوبية بالإسلام السياسي اكثر من ارتباطها بالقوى الديمقراطية العراقية، مما ادى إلى انتشار الفساد الإداري والمالي في كوردستان ايضاً والذي بدأ يعرِض هذه التجربة الرائدة إلى التراجع عن ذلك النهج الذي ناضل من اجله الشعب الكوردي والذي قدم التضحيات الجسيمة في سبيله والذي حظى بتأييد كل القوى الديمقراطية ليس في العراق فقط، بل وفي العالم ايضاً. لقد ادى كل ذلك وما رافقه من التنكر للنضال المشترك للقوى الديمقراطية في كل العراق إلى تبلور المصالح الحزبية والقومية الشوفينية لدى العرب والكورد في العراق ، وسبب كل ما افرزته سياسة المحاصصات التي ادت بدورها إلى تدهور الوضع في كوردستان الجنوبية بالشكل الذي نراه اليوم والذي لا يمكن ان يؤسس لدولة كوردية قوية تشكل مثالاً يقتدى به كل الكورد على كل ارض كوردستان، وتستطيع ان تتجاوز الصعاب المحيطة بها بقوة شعبها وتماسك قواه السياسية وتفضيل المصلحة العامة على المصالح الشخصية والحزبية.

وإذا ما نظرنا إلى المحيط العربي خارج العراق، فسوف لن نجد ، على الصعيدين الرسمي والشعبي العام، سوى تلك القوى التي تتشعب في مجموعتين اساسيتين. فالمجموعة الأولى الجاهلة اساساً بالشعب الكوردي وبالحقوق المشروعة لهذا الشعب، وهذا ما يتجلى على الشارع العربي بشكل عام. والمجموعة الثانية التي تعكس ما يفكر به كثير من الساسة العرب وبعض المنظمات السياسية والإجتماعية التي تنطلق من الفكر العربي الشوفيني والتي تضمر العداء لأي تحرك يسعى إلى وضع بعض المناطق، التي يعتبرها هؤلاء عربية، تحت تصرف قوى قومية اخرى سبق وإن تواجدت على هذه الأرض قبل ان تطأها قدما اي عربي من قبل. لذلك فإن مواقف هذه القوى العنصرية العربية سوف لن يكون اقل خطورة على الدولة الكوردية الوليدة من القوى الشوفينية التركية او الفارسية.

ما ذكرناه اعلاه قد ينحصر في العوامل الموضوعية الدولية والإقليمية التي قد تنعكس سلباً على حق تقرير المصير للشعب الكوردي وعلى ما يُخطط له بعض السياسيين الكورد في كوردستان الجنوبية من الإعلان عن الدولة الكوردية. إلا ان هناك بعض العوامل الذاتية التي لا ينبغي تجاهلها حين التفكير بالدولة الكوردية التي يجب ان تكون دولة قوية قادرة على مجابهة ما يدور حولها من تعقيدات عالمية واقليمية ، عصيَّة على اعداءها الذين سوف لن يقفوا متفرجين على هذه المسيرة التي ستكون رائدة حتماً.
سنحاول في القسم الثالث والأخير من هذا الموضوع التطرق إلى هذه العوامل الذاتية، بغية استخلاص افضل النتائج التي تقرب الشعب الكوردي المناضل من قطف ثمرة نضاله الطويل والعيش بحرية وديمقراطية وامان على كل ارض كوردستان.

الدكتور صادق إطيمش