لا مساومة في حق تقرير المصير ...

صادق إطيمش
2016 / 11 / 21

لا مساومة على حق تقرير المصير ...
القسم الأول

افرزت معارك تحرير سهل نينوى ومدينة الموصل من براثن إرهاب عصابات الدولة الإسلامية والتي ساهمت فيها قوات عراقية اجتمعت كلمتها على هدف التحرير اولاً وقبل كل شيئ. لقد انطلق الكثيرون من العراقيين واصدقاءهم من إمكانية تحقيق امنية الوءام والتفاهم بين القوى السياسية المختلفة في العراق بحيث تشكل عملية التحرير هذه واهدافها المنطلق الأساسي لإستعادة اللحمة العراقية والبدء ببناء الوطن للجميع. وكلما اقترب موعد تحقيق هذا الهدف اصبحت تتعالى معه بعض الدعوات التي قد تشكل عقبة جديدة امام ما يصبوا اليه الجميع من اجتماع كلمة العراقيين المخلصين للسير بهذا الوطن صوب الأمان والتطور الحضاري. ومن اهم التطورات التي جرت في هذا المجال هو الموقف من القضية الكوردية ومن حق الشعب الكوردي في تحقيق مصيره ، هذا الهدف الغير خاضع للنقاش او اللف والدوران لدى كل القوى المؤمنة بحرية الشعوب وتحقيق ارادتها بنفسها دون وصي او رقيب. وعلى هذا الأساس صرحت بعض المصادر الكوردية المقربة من حكومة كوردستان الجنوبية بالعمل على إجراء اتصالات مع الحكومة المركزية من خلال وفود رفيعة المستوى للبحث في مصير الأراضي التي تم تحريرها من قوى عصابات الدولة الإسلامية، وما رافق ذلك من تصريحات للسيد مسعود البرزاني حول حتمية الإنفصال الذي سيؤدي إلى اعلاان الدولة الكوردية المستقلة.
هدف جميل جداً ان تتحقق لشعب كالشعب الكوردي دولته المستقلة التي ناضل ولم يزل يناضل من اجلها، مقدماً الضحايا البشرية الهائلة من بناته وابناءه في سبيل ذلك، وكأكبر شعب على وجه الأرض يعيش على ارضه المقسمة بين ثلاث قوميات سعت ولم تزل تسعى إلى قمعه وتقف بعنف امام تطلعاته في دولة مستقلة على ارضه هذه. وإن كل من يقف امام تحقيق هذا الهدف معرقلاً له، لا يعبر إلا عن موقف معادٍ لتحرر الشعوب وحقها في تقرير مصيرها الذي نصت عليه كافة الوثائق الدولية لحقوق الإنسان.
ونضال الشعب الكوردي من اجل تحقيق اهدافه التحررية لم يجعله بعيداً عن التطور الحضاري الذي جرى على حركات التحرر الوطني لتخرج باطروحات تعمل باتجاه تحقيق المصير من خلال الإدارات الذاتية لمجموع اراضي كوردستان شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً. ولم يسعَ هذا الطرح الذي تتبناه بعض القوى الثورية الكوردية إلا لتبديد مخاوف بعض القوى القومية الشوفينية التي تتحكم باراضي كوردستان والتي توظف فيها نظريات واطروحات الخوف من الدولة الكوردستانية الجديدة، بالإضافة إلى ما تتبناه نظرية الإدارة الذاتية من تحقيق السلام بين الشعوب والعمل على ايجاد الأسس الإقتصادية والسياسية والإجتماعية للحياة الإنسانية المشتركة. ويمكن لهذا التطور ان يؤدي إلى شكل تنظيمي اوسع واشمل لإحتواء طموحات الشعب الكوردي وتحقيق آماله.
وكيفما يقرر الشعب الكوردي وأي مشروع يتبناه لتحقيق استقلاله السياسي والإقتصادي والإرتفاع بالمستوى الإجتماعي والثقافي للشعب الكوردي على كل ارض كوردستان، فإن كل ذلك يظل رهيناً بما يقرره هذا الشعب بنفسه، لا كما يريد البعض ان يقرر بالنيابة عنه.

وما ارغب بمناقشته الآن باعتباري من المؤيدين دون اي تردد لحق الشعب الكوردي في تحقيق مصيره بنفسه سواءً من خلال الإدارة الذاتية او من خلال الدولة الكوردية المستقلة ،هو ما قد ينشأ ويتبلور بعد الإعلان عن هذه الدولة في كوردستان الجنوبية، وما هو المستقبل الذي تؤول اليه تحت الظروف الأقليمية والمحلية التي تسود المنطقة الآن.
كلنا يعلم ان احدى القوميات التي تسيطر على جزء كبير من ارض كوردستان وتعمل منذ عقود على اضطهاد الملايين من الشعب الكوردي، هي القومية التركية المتمثلة بالدولة التركية الجديدة التي تأسست على اعقاب الحرب العالمية الأولى والتي اباحت لها معاهدة سايكس ـ بيكو السيئة الصيت ان تنتزع ارض كوردستان الشمالية لتضعها ضمن حدودها الجغرافية التي تم تخطيطها مجدداً بعد انهيار الدولة العثمانية. الدولة التركية هذه التي نصت قوانين تأسيسها على انها دولة علمانية وديمقراطية في نفس الوقت لم تعمل على تحقيق هذه المبادئ على الشعب الكوردي الذي وقع بين براثنها بعد ان تخلص من براثن سلفها الدولة العثمانية. الدولة التركية الجديدة هذه ظلت، بالرغم من بعض قوانينها الحضارية، حبيسة تاريخها الأسود والمُخجل الذي رافق الدولة العثمانية منذ تأسيسها وحتى سقوطها. الدولة الكمالية الجديدة وضعت نفسها امام المجتمع الدولي كخَلَف للدولة العثمانية التي لم تقدم للبشرية طوال القرون الخمسة، التي حكمت فيها وتحكمت بمصائر شعوب كثيرة، اي منجز يمكن اعتباره جزءً من الحضارة العالمية التي نعيشها اليوم. وبمرور السنين التي رافقها تضاؤل النهج التأسيسي لهذه الدولة وما رافق ذلك من الإنقلابات العسكرية وصعود موجة الإسلام السياسي الذي جاء بالحزب الإسلامي التركي، حزب العدالة والتنمية،لم تتخل الحكومات التركية المتعاقبة عن إضطهاد الشعب الكوردي والوقوف بعنف عسكري متزايد امام ابسط طموحاته في حياة حرة كريمة، لابل انها لم تعترف حتى بوجود شعب بهذا الإسم اساساً. ولم تتوقف الحملات العسكرية على كل المناطق التي يشكل الكورد غالبية سكانها. وقد اشتد ذلك كله بشكل اكثر وحشية وقمعاً حينما تطورت مطالبات الشعب الكوردي في كوردستان الشمالية إلى ثورة بقيادة قوى ثورية مناضلة طالما دعت إلى السلام واوقفت القتال من جانب واحد دون ان تسمع اي صدى من الحكومة التركية لمثل هذه المبادرات السلمية. ولم تزل الحرب دائرة حتى يومنا هذا بين الشعب الكوردي وثورته وكل مَن يناصر هذه الثورة من جهة وبين الحكومة التركية وكل التوجهات القومية العنصرية التي اتخذت طابعاً دينياً اسلامياً في الفترة الأخيرة من جهة اخرى. إن النظام التركي القائم الآن والذي يسير بتركيا نحو هاوية الدكتاتورية يدعو اليوم وبكل صراحة إلى إعادة كيان الدولة العثمانية وهيمنتها على شعوب المنطقة وتوسيع رقعة حدودها التي قال عنها العثماني الجديد رجب طيب اردوغان بأن بلاده لا تريد ان تظل سجينة 780000 كيلو متر مربع. ان الدولة التركية وحكامها اليوم يعانون من عقدة النقص التاريخي القومي الذي رافق مسيرة الدولة العثمانية التي لم تجلب للبشرية إلا القهر والإستغلال والحرمان وأسوأ عرض للإسلام الذي كانت تقوده من خلال سلاطينها. إن هذا النقص المركب لدى العثمانيين الجدد ، والمتعلق بفشلهم الديني كمركز للخلافة او السلطنة العثمانية او بتاريخهم القومي الذي لم يسجل ظاهرة حضارية واحدة، يدفعهم إلى التعويض عنه بابراز العضلات من خلال التسليح الحديث ومن خلال حلف الناتو والأحلاف العسكرية الأخرى التي تضعها في خدمة اطماعها التوسعية واستمرار صب حقدها وغضبها على الشعوب التي تسعى للهيمنة عليها وعلى اراضيها وخيراتها ، وشعب وارض كوردستان ، كل كوردستان ، تقع ضمن هذه المخططات الإجرامية الإستعمارية. فهل هناك عاقل يستطيع مجرد التصور بان تركيا ستغض الطرف عن كيان كوردي مستقل على حدودها يمكن ان يكون حافزاً لكل الشعب الكوردي لتحقيق ما يصبوا إليه ، ودون ان يكون ذلك محفزاً لأردوغان ورهطه بتحقيق ما يصبون اليه ايضاً بانتهاز هذه الفرصة لتوسيع حدود تركيا الجغرافية الحالية، اي باللجوء إلى الهيمنة مجدداً على هذه الدولة الوليدة والذي سيضع الشعب الكوردي مجدداً تحت طائلة الحرب التي لا يُرجى خيراً منها بكل تأكيد، خاصة في هذه المرحلة الأولية من بناء هذه الدولة. هذا بالإضافة إلى مدى الدور الذي ستلعبه العلاقات بين حكام الدولة الكوردية المستقلة الجديدة ودولة التوسع العثماني التركية الحالية، وخاصة فيما يتعلق باتخاذ النهج الديمقراطي كنهج ثابت لا تراجع فيه للدولة الوليدة. وكذلك إذا ما اخذنا بنظر الإعتبار الموقف الدولي المتمثل بعلاقة تركيا بامريكا على وجه الخصوص وحليفتها في حلف الناتو التي سوف لن تتردد عن تلبية ما تطلبه منها سياسة العثمانيين الجدد التي ستعتبر بدون ادنى شك الدولة الكوردية خطراً على وجودها طالبة انهاءها باعتبارها تشكل خطراً على حلف الناتو ايضاً. ولا يمكن لأحد ان يصدق بان السياسة الأمريكية ستفرط بعلاقاتها مع حليفتها تركيا بسبب الشعب الكوردي، مهما قدمت قيادته الرسمية الحالية، وبالتالي قيادة الدولة الكوردية الجديدة، من آيات الولاء والطاعة للسياسة الأمريكية. والحديث متواصل حول هذا الموضوع

الدكتور صادق إطيمش