تأسيس الأممية الأولى

مازن كم الماز
2016 / 11 / 16

في بداية سبتمبر أيلول 1864 أعلن العمال الانكليز أن اجتماعا للعمال الأوروبيين سيعقد في قاعة سانت مارتن في لندن في 28 سبتمبر أيلول 1864 . قبل الاجتماع طلب المنفي الفرنسي لي لوبيز من كارل ماركس , حسب شهادة ماركس نفسه , "أن يرشح عاملا ألمانيا ليتحدث في الاجتماع" . رشح ماركس صديقه يوهان جورج إيكاريوس ( 1818 – 1889 ) , و هو عامل ألماني و عضر سابق في عصبة الشيوعيين , للحضور كممثل عن العمال الألمان . في نفس يوم الاجتماع دعا النقابي الانكليزي كريمر ماركس لحضور الاجتماع . جلس ماركس في المنصة الرئيسية لكنه لم يتحدث أمام الاجتماع . لكنه تمكن من أن يتم اختياره لعضوية اللجنة العامة للأممية المشكلة حديثا ( التي ستصبح المجلس العام فيما بعد ) و التي كان إيكاريوس نائب رئيسها , ثم أن يقنع أعضاء اللجنة فيما بعد بأن يكلف بكتابة بيانها الافتتاحي و نظامها الداخلي المؤقت . كان اجتماع السانت مارتن مزدحما عن آخره . لم يكن هناك مجال إلا للوقوف , حضر الاجتماع حوالي ألفي شخص . قرأ أودغر بيان العمال الانكليز رحب فيه بالوفد الفرنسي . و رد تولاين نيابة عن العمال الفرنسيين داعيا ليصبح "صوت الشعب مسموعا حول كل المسائل السياسية و الاجتماعية الكبرى , لكي يعرف الطغاة أن نهاية طغيانهم قد اقتربت" . تحدث تولاين كيف أنه في ظل الرأسمالية "يؤدي تقسيم العمل إلى تحويل كل عامل إلى آلة بيد سادة الصناعة" بينما "يجوع العمال" . و دعا "كل عمال العالم" للاتحاد ضد انقسام "البشرية إلى طبقتين – الشعب العادي الجاهل و أصحاب الكروش السمان" , و أن الطريقة الوحيدة لينقذ العمال أنفسهم هي من خلال "التضامن" . ثم اقترح لي لوبيز , باسم الوفد الفرنسي , إقامة هيئات عمالية في كل أوروبا , و هيئة مركزية في لندن "لتقترح عليها قضايا النقاش" . وافق جورج ويلر , باسم العمال الانكليز , على اقتراح إنشاء جمعية عالمية للعمال , و تمت الموافقة على القرار بإنشاء لجنة ( أصبحت فيما بعد المجلس العام ) , "لتضع القواعد المنظمة لهذه الجمعية" و "تنظم مؤتمرها في العام القادم في بروكسل" . اعتبر ماركس الأممية أداة جيدة لنشر أفكاره , خاصة بين العمال الانكليز الذين كان يعتبرهم أكثر بروليتاريا متقدمة في أوروبا . لم يكن ماركس يحمل أي احترام أو تقدير لأفكار الآخرين , واصفا مشروع "إعلان المبادئ" الذي كتبه لي لوبيز بالاعتماد على مبادئ جمعيات العمال الإيطالية الماتيزينية ( نسبة للثوري القومي الإيطالي ماتزيني ) بأن "ألفاظه مروعة , كتب بشكل سيء و لا يمكن هضمه أبدا .. ممتلئ بالأفكار الغامضة للاشتراكية الفرنسية" . كان ماركس "مصمما على أنه لا يحب السماح ببقاء و لا سطر من ذلك النص" . دبر ماركس أمر اختياره لعضوية اللجنة الفرعية المسؤولة عن صياغة المبادئ المقترحة للأممية , و أقنع أعضاء اللجنة الفرعية تلك بأن يقوم هو بإعداد , إلى جانب مبادئ الأممية المقترحة , "بيانا إلى الطبقات العاملة" , ما أصبح يعرف فيما بعد بالبيان الافتتاحي لجمعية العمال العالمية , رغم أنه كتب بعد إعلان الأممية بعدة أسابيع . كان ماركس حريصا على ألا يذكر في البيان أية كلمات قد تزعج زعماء النقابات الانكليز , متجنبا "اللهجة القوية السابقة" الموجودة في كتاباته القديمة كبيان الحزب الشيوعي , على الأقل في الوقت الحالي . مع ذلك صاغ ماركس البيان بحرص لكي يحتوي على بعض أفكاره المعارضة لأفكار برودون و الأناركية . فورا بعد امتداحه "المصانع التعاونية" على أنها "انتصار للاقتصاد السياسي للعمل على الاقتصاد السياسي للملكية ( الخاصة )" , الأمر الذي سيتفق معه برودون و أنصاره , قال ماركس بعدها أن "العمل التعاوني" من دون مساعدة الدولة "لن يتمكن أبدا من إيقاف التقدم باتجاه الاحتكار , أن يحرر الجماهير , و لا حتى أن يخفف من معاناتها" . على الضد من أطروحات برودون التبادلية , قال ماركس أن التعاونيات المعتمدة على ما أشار إليه باستخفاف "الجهود العارضة أو الطارئة للعمال المنفردين" لا يمكن أن تحل محل الرأسمالية . لتطوير "العمل التعاوني" على نطاق واسع يمكنه من أن يحل مكان الرأسمالية لا بد من "وسائل وطنية" أي "حكومية" . انتهى ماركس بعد ذلك إلى أن "الاستيلاء على السلطة السياسية هو المهمة الأعظم للطبقات العاملة" . و هذا بالتالي يتطلب "إعادة تنظيم سياسية لحزب العمال" . هكذا غرست بذور الانشقاق التالي في الأممية بين ماركس و البرودونيين و فيم بعد الأناركيين , من قبل ماركس نفسه منذ البيان الافتتاحي للأممية . تمكن ماركس من تنفيذ وعيده "بالتخلص" من "إعلان مبادئ" لي لوبيز , رغم أن اللجنة الفرعية المسؤولة قبلت "بالأفكار" الواردة فيه . كل ما بقي منه كان عبارتين منقولتين عن إعلان مبادئ الجمعيات العمالية الإيطالية "أجبر" ماركس على أن يضمنها في مقدمة المبادئ الأولية للأممية : الاعتراف ب"الحقيقة , العدالة و الأخلاق" كأساس لسلوك الأممية و أعضائها , و شعار ماتزيني "لا حقوق من دون واجبات , و لا واجبات من دون حقوق" . تمكن ماركس أيضا من أن يكرر في مقدمة المبادئ الأولية , و إن بشكل أكثر غموضا , الالتزام بالعمل السياسي , عندما قال أن "الانعتاق الاقتصادي للطبقات العاملة ... هو الهدف العظيم الذي يجب على كل حركة سياسية أن تستخدمه كأسلوب أو وسيلة" . بقي ذلك غير منظور أو مرئي بوضوح لأعضاء الأممية الفرنسيين الذي غالبا ما ترجموا هذا الجزء من المقدمة على النحو التالي : "الهدف العظيم الذي يجب أن تسعى إليه كل حركة سياسية ( هو الانعتاق الاقتصادي للطبقات العاملة )" . تم تبني النسخة الفرنسية من إعلان المبادئ في مؤتمر جنيف عام 1866 باستخدام كلماتهم حرفيا , و التي استندت إليها التيارات الأناركية في الأممية لدعم رفضها للإصرار الماركسي على الحاجة إلى أحزاب طبقة عاملة سياسية .

نقلا عن
https://robertgraham.wordpress.com/2014/09/28/150th-anniversary-of-the-first-international/