الدكتور فيصل القاسم و الدواعش و العلمانجيون

مازن كم الماز
2016 / 11 / 15

عدة أحكام يصدرها الدكتور فيصل القاسم بطريقته الخاصة في آخر مقالاته , تحتاج في الواقع إلى بعض الروية و التفكير , إن كان إلى ذلك سبيلا .. من الضروري أولا محاولة فهم ما يريد الدكتور القاسم قوله , و هذه مهمة ليست سهلة أبدا .. فالدكتور لا يوفر أحدا , ينتقد الإسلاميين لأنهم يرفضون فصل الدين عن السياسة , الذي يقول أنه قد يكون جوهر الإسلام أساسا , و أن الإسلام قد يكون أول من دعا لتطبيق النظام العلماني , تماما كما أن ابن النفيس أول من اكتشف الدورة الدموية , و هو يرى في نفس الوقت أن العلمانيين العرب ليسوا في الحقيقة إلا دواعش بلا ذقون أو علمانجيين كما يسميهم , و ينتهي بأن ينصحهم بإطالة ذقونهم , مثل الدواعش , ليصبحوا دواعش مكتملي الدعوشة .. فالعلمانية الحقيقية , حسب الدكتور الفيصل , لا تعادي الأديان مطلقا , و العلمانية , لا العلمانجية , تعمل على احتواء الطوائف تحت منظومة الدولة , أما العلمانجيون العرب فلا هم لهم سوى التحريض على الإسلاميين , الذين يحرض عليهم هو شخصيا عندما يقول : هل كان لنظام ديني أيا كان نوعه ( و النظام الإسلامي من بينها طبعا ) أن يحكم بمثل عدالة العلمانية ؟ و يجيب الدكتور : لا أعتقد .. لكن بماذا يعتقد الدكتور إذن ؟ يجب ألا نيأس من محاولة فهم ما يقصده الدكتور , لأن وراءه رسالة تبدو هامة لشعوبنا .. إنه يريد من العلمانجيين العرب أن يتوقفوا عن التحريض على الإسلاميين , أن يتوقفوا عن مطالبتهم لهم بحلاقة ذقونهم .. و قد يتساءل أحدهم هنا : هل يخشى الدكتور القاسم على ذقنه من العلمانجيين ؟ بعد أن قام الدكتور القاسم بإلغاء أهم شيء في الإسلام السياسي , و هو أن الإسلام دين و دولة , يصاب فجأة بالهستيريا لأن العلمانجيين , تلك الكلاب المسعورة , يريدون حلاقة ذقون الإسلاميين .. أعتقد أن الإسلاميين سيفضلون خسارة ذقونهم على خسارة شعارهم الإسلام دين و دولة , على عكس ما يريده الدكتور القاسم .. لكن الدكتور القاسم لا يتحدث فقط عن الذقون , بل و عن اللباس المحتشم , فالعلمانجيون العرب يسمحون لك أن تمشي عاريا في الشارع , كما يقول , لكنهم يعتبرونك شاذا إذا ارتديت لباسا إسلاميا محتشما .. أعتقد أن الدكتور القاسم قد أخطأ مرة أخرى , لا أعتقد أنه حتى القرضاوي أو البغدادي أو الجولاني سيرفضون أن تسير إليسا عارية في الشارع , أو في غرف نومهم إذا حصلوا عليها كسبية مما تملكه أيمانهم .. قد يتغير موقفهم إذا أراد الدكتور القاسم شخصيا أن يسير عاريا في الشارع و سيفضلون فعلا أن يروه بلباس محتشم , بل شديد الاحتشام .. و قد يفاجئه أن يكون ذلك هو بالضبط موقف العلمانجيين العرب أيضا .. و يمكن التساؤل أيضا : ماذا الذي يزعج الدكتور فيصل من العلمانجيين العرب , الذين اكتشف شيخهم صادق جلال العظم أنه سني بن سني , الذين دافع أغلبهم مؤخرا عن النصرة أكثر من دفاعهم عن ضحاياهم على يدها , و الذين دافع بعضهم مؤخرا عن ابن تيمية أكثر من دفاعهم عن فرج فودة أو المعري .. و بفرض أنهم ينتقدون الإسلاميين فعلا , فلماذا يزعج ذلك الدكتور فيصل القاسم , هل يستكثر على الناس أن تطالب الإسلاميين بالبراهين و الأدلة على حقهم في حكم العباد و البلاد و قطع رؤوس مخالفيهم بالسيف و سبي نسائهم و أطفالهم , أن يثبتوا لنا أنهم الوكلاء الحصريون لله , خالق هذا الكون و خالق خصومهم و الحاكم عليهم بالموت في نفس الوقت على أيديهم .. يمكن للإنسان في أي مكان أن ينتقد أية فكرة , أية نظرية علمية , أية فرضية , دون أن يعني ذلك أنه داعشي , فلماذا يتغير الحال إذا قام أحدهم بانتقاد الدواعش .. صحيح أنه يفترض أن نملك جميعا حقوقا متساوية , لكن الإسلاميون يفسرون حقوقهم تلك على أنها تعني حقهم في منع الآخرين من ممارسة حقوقهم .. لقد توقف الإسلاميون مؤخرا عن الحديث عن المعجزات و الكرامات و الفقه و أصبحوا يتحدثون فقط عن حقوق الإنسان التي يرفضونها على أنها كفر و ردة عن الدين و مؤامرة عليه , في نفس الوقت يطالبون بكل هذه الحقوق لهم دون غيرهم من العالمين إن كانوا مستضعفين , و يدوسون عليها ما أن يصبحوا في السلطة أو يصبحون هم من يملك البنادق أو السكاكين .. الأكيد أن كل أفعال الإسلاميين هذه لا يمكن أن تكون حجة لانتهاك حقوقهم , كبشر , عاقلين , مستقلين , أحرار و متساوين , يختارون لأنفسهم بكل حرية , و يعيشون حياتهم دون إكراه أو قسر ... يمكن فهم الضغوط التي يتعرض لها الدكتور فيصل القاسم طبعا , التي تدفعه للتحريض على الإسلاميين و الدفاع عنهم في نفس الوقت .. الرجل اكتسب شهرته من شتم خصومهم و إسماعهم ما يرغبون سماعه , حتى أنه أطلق ذقنه كي يتناسب مع ذقونهم التي بقيت تفوق ذقنه بأشبار طويلة .. لكنه يبث من قطر حيث يبعد أمتارا فقط عن أهم القواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط , خاصة أن القادم الجديد إلى البيت الأبيض هو سوبر علمانجي استئصالي , رغم أنه ينصح أيضا بارتداء الملابس المحتشمة .. لذلك بعد أن يسلب الإسلاميين أعز ما يملكونه ( ربما حتى قبل شرفهم ) : أي شعار الإسلام دين و دولة , يضطر للدفاع عن ذقونهم و حشمتهم , كيلا يخسر لايكاتهم على مقالاته .. إن الدكتور قاسم يتقدم بالفعل ..