المعارضة السورية و أياديها البيضاء على الثورة السورية 2

مازن كم الماز
2016 / 11 / 15

أحد مصائبنا مع المعارضة السورية هو أنها تفكر تماما بنفس طريقة النظام , أنها منشغلة تماما بدراسة مشاكل السوريين و "محاولة حلها" , ليس على أنهم هم أيضا سوريون , فقط , بل كممثلين عن السوريين و متحدثين باسمهم , كمرشدين لهم , كقادة .. لا يوجد تصور أو مشروع حل قدمته المعارضة بكل أطيافها من مجلس وطني و ائتلاف و هيئة تنسيق و هيئة مفاوضات الخ لا يبدأ بعقد "مؤتمر وطني للقوى الوطنية أو للقوى الفاعلة على الأرض" أو قوى أخرى تضيق و تتوسع حسب الظروف و حسب أصحاب الاقتراح لتشمل أحيانا "من لم تتلطخ أيديهم بالدماء" من جماعة النظام الخ , يفترض بهذا المؤتمر أن يقرر مصير السوريين , أن يضع الأساس لسوريا مدنية ديمقراطية و علمانية أو ديمقراطية بمرجعية إسلامية الخ من الأوصاف الشائعة بين المعارضين .. دور السوريين هنا لا يتجاوز التصفيق , المديح أو الصمت و الامتناع عن النقد , و عند الضرورة : الموت أو الاستشهاد بصمت .. مقابل ذلك قد تستشير هذه القوى السوريين كل عدة سنوات أو تمنحهم فرصة الذهاب إلى صناديق الاقتراع "ليختاروا" "ممثليهم" أو "مندوبيهم" من بينها .. بالنسبة للمعارضة يبدو هذا ديمقراطيا جدا .. أيضا تعرف هذه المعارضة ديمقراطيتها بمعارضة النظام الأسدي , لم تشعر المعارضة يوما إلى أكثر من الحاجة لأن تعلن أنها ديمقراطية كي تكون كذلك , حتى لو كانت "أحزابها أو مؤسساتها" صورة مصغرة عن سوريا الأسد .. و هي تفترض أيضا أنها تتمتع بتفوق أخلاقي , ساحق , على النظام الأسدي , الذي يقتل السوريين بالآلاف , و يدمر كل شيء فعليا , حتى الأبنية الخ .. و أيضا أمام "عالم خارجي" يتفرج على مأساة السوريين , أو يشارك فيها .. و هي تعتبر صراخها و ندبها المستمر على السوريين دليلا على هذا التفوق أو ممارسة له , ألا يكفي أنها حتى و هي في المنفى , ما تزال مهمومة بهموم السوريين العاديين الذين يموتون و يقتلون , بحل مشاكلهم و قيادتهم إلى بر الأمان , من الواضح أن السوريين العاديين لن يفلتوا من أيديها مهما فعلوا أو فعلت .. كم هم محظوظون هؤلاء السوريين العاديين , الجميع يفكر بهم و يتحدث عنهم , آلامهم تنغص على الكثير من سادة هذا العالم هناءهم و رغد حياتهم , لقد أطبق عليهم النظام الأسدي و لا يريد أن يفلتهم , إنه يستمر "بالدفاع" عنهم , حتى لو كان ذلك ضدهم بالذات , حتى لو أدى ذلك إلى فنائهم , و تستمر المعارضة بالتفكير فيهم و الحديث باسمهم دون أن تيأس منهم , حتى لو يئسوا هم , أو تتخلى عن مسؤولية قيادتهم إلى بر الأمان , حتى وسط المجازر و الجحيم , إلى سوريا ديمقراطية مدنية الخ , حتى عندما لا يبقى شيء اسمه سوريا فعليا على الأرض , و يدافع عن سنتهم زعماء السنة في الشرق و العالم , و عن شيعتهم أو أقلياتهم زعماء تلك الطوائف في العالم و في كل مكان , يدافع عنهم العلمانيون و الإسلاميون , أعداء الإرهاب و حماته و الإرهابيون أنفسهم , و أصدقائهم السلطويين من كل صنف و جنس و لون يبكون و يصرخون و يتشاتمون دون توقف , كرمى لعيونهم , لا أحد من هؤلاء يريد أن يفلتهم أو يطلقهم من قبضته تحت أي ظرف , مضحين بهنائهم و راحة بالهم , و أحيانا بما هو أكثر من ذلك , في سبيلهم , لكن السوريين العاديين رغم كل ذلك الحب و كثرة أصدقائهم و حماتهم و المتحدثين باسمهم و المدافعين عنهم و المنشغلين بهم , يستمرون بالموت أو الحياة بلا أمل , ناهيك عما يمكن تسميته بالحرية .. لنعد إلى التفوق الأخلاقي للمعارضة الذي كان حقيقيا بالفعل عندما كانت تلك المعارضة في السجون , لأنها كانت تعارض النظام , سواء فعلت ذلك من مبدأ منافسته أو كرمى لعيون السوريين حقا كما تقول .. لكن كل شيء بدأ يتغير عندما بدأ جزء من تلك المعارضة , الإسلاميون تحديدا , يقتل هو أيضا السوريين و يقمعهم , وسط صمت الجزء الآخر , الليبراليون , و سكوته التام عن ذلك القتل و القمع و حتى تبريره .. لا تجد المعارضة وقتا للدفاع عن ضحايا النصرة ( فتح الشام ) و إخوتها و شركائها و لا فصائل الجيش الحر المختلفة و سائر أمراء الحرب .. رغم أن هؤلاء في الأغلب "سوريون" أيضا , "سنة" , و مؤيدون للثورة , بل في بعض الأحيان مؤيدون للنصرة نفسها .. حتى أنها لا تكلف نفسها عناء مقارنة سجون النصرة و أخواتها بأقبية الأسد المرعبة و لا مقارنة سكاكينها ببراميل النظام , في مقارنة يفترض أن تكون لصالح النصرة و شركائها , باعتبار أن قتل السوريين بالمئات أو العشرات هو تقدم حقيقي بالمقارنة مع نظام الأسد أو أن جلادي النصرة لم يبلغوا بعد المستوى الاحترافي لجلادي الأسد , الأمر الذي يفترض أيضا أن يكون لصالحهم... يمكن لنا أن نقدر المسافة الطويلة التي قطعها السوريون إذا تذكرنا مشروع عمر عزيز لإقامة المجالس المحلية في ريف دمشق في بدايات الثورة , عندما بدا أن السوريون على وشك أن يحكموا أنفسهم بنفسهم من خلال منظمات قاعدية أفقية لا مركزية و لا هرمية .. لكن الذنب ليس ذنب المعارضة في الحقيقة .. المعارضة هي مجموعة قوى سلطوية , نخبوية , تعتقد مثلها مثل النظام , و مثل كل نظام , أنها تحقق مصالح الشعب إذا حكمته , و تعتقد أن حكمها هذا هو الحكم المثالي المنشود , و أن خصومها أو معارضيها لا يمكن أن يكونوا إلا خونة أو عملاء أو مندسين , و أن قمع هؤلاء العملاء و المندسين ضروري و منطقي جدا , من الناحية الوطنية و الديمقراطية أيضا ... إذا كان من درس للسوريين اليوم فهو أن يخلقوا "ديمقراطية" لا يخلقها أو ينتجها مؤتمر "للقوى الفاعلة أو الحية" الخ الخ , "ديمقراطية" ينتجوها و يمارسوها هم مباشرة دون أن يمكن لأي شخص أو قوة , مهما كانت إيديولوجيتها أو "مرجعيتها الفكرية" أن تقمعهم و تقتلهم مرة أخرى , بكل "وطنية و ديمقراطية" , "سوريا" يملكونها هم , حقا .. تحرير الشأن العام , أو الفضاء العام يفترض أن يعني أنه سيصبح وظيفة كل سوري مهما يكن , لا وظيفة نخبة متخصصة تفترض أنها دون بقية السوريين المسؤولة و المخولة ببحث مصيرهم و تقريره ...