-المشاغبون-

عبدالله عبدالله
2016 / 11 / 13

إن الاحتجاجات من مظاهرات واعتصامات التي كانت قد بدأت في فرنسا في 9 مارس/آذار الماضي، وإن كانت موجّهة من حيث الأصل ضد قانون العمل الجديد الذي أُقِر بحكم الدستور الذي يجيز لرئيس الجمهورية وحكومته أن يصدر القوانين والمراسيم دون العودة الى التصويت عليه في المجلسين الجمعية الوطنية والشيوخ، بحيث يدوس على نيل الأكثرية النيابية، إلا أن هذه الاعتصامات والمظاهرات سرعان ما تحولت الى اعتصامات مستمرة ليلاً نهارا منذ التاسع من شهر مارس/آذار الماضي. السبب من وراء هذا التحول الشكلي، ظهور مضمون ثوري من قلب هذه الاحتجاجات ينادي باسقاط الحكومة "الاشتراكية"، وإرغام رئيس الجمهورية "الاشتراكي" فرانسوا هولاند على الاستقالة من منصبه. إن هذه الاحتجاجات السياسية ماتزال لغاية اليوم تتسع في صفوف العاطلين عن العمل، والعمال والطلاب. يواكب هذا التحول من حيث الشكل والمضمون، أن هذه الحركة الاجتماعية السياسية صارت عمليات سياسية واجتماعية تتضمن نواة ثورية تناضل من أجل تغيير جذري، كامل وشامل، للنظام البرجوازي السياسي والاقتصادي المهيمن في فرنسا. هذه الحركة اجتماعية أولا قبل أن تكون ثورية هي حالة لم تشهد فرنسا مثيلا لها منذ العام 1968؛ بل، وإن كانت تشبه ثورة الشباب والطلاب للعام 1968 إلا أنها تختلف عنها من حيث أن الأولى كانت ذات مضمون ثقافي، أما حركة مارس/آذار2016 فانها طبقية دافعها الصراع الطبقي.
فالحركة الاجتماعية السياسية هذه، تحتوي مختلف مسارات الصراع السياسي الاجتماعي ما بين اليسار الجذري الذي يشهد سيرورة صريحة في ما يتعلق بمناهضته للايديولوجية السائدة، بما في ذلك رفضه لليسار المنبثق عن الأممية الثانية، وقطيعته مع أشكال من اليسار مرتبطة دستوريا بالدولة البرجوازية. فضلا عن ذلك، فان حركة آذار 2016 تحدّت أيضا الدولة البرجوازية، ولا سيّما في ما يتعلق بمؤسستها القمعية من جهة، والنظام السياسي البرجوازي من جهة ثانية، والذي يزعم أنه يدافع عن "الجمهورية" و "الديمقراطية". فاليسار الجذري الجديد يحمل اليوم عصاه وأحجاره وقنابل مولوتوف ليواجه بها الأدوات القمعية للدولة؛ لاسيّما وأن الحكومة بعد ما لجأت الى المادة الدستورية 49/9 ، سارعت الى فرض حالة الطوارئ لمواجهة "حالة الشغب" التي انبثقت من صميم مناهضة اليسار الثوري لقانون العمل الجديد الذي يمنح البرجوازية مزايا ما كان لها أن تحوذ عليها بمثل هذا اليسر تحت ظل أية حكومة برجوازية. غير أن اليسار الخائن للطبقة العاملة، والصراع الطبقي فرض قانونه بقوة الدرك والجيش والشرطة. لذا، فان حركة آذار/مارس تشكل بالمقام الأول احتجاجا ضد هذه الدولة البرجوازية القمعية، ضد الاجراءات والقوانين الأمنية التي تعمل حكومة اليسار على تشريعها منذ إعلانها لحالة الطوارئ في 13 نوفمبر/تشرين الأول 2015. كما تشكل أيضا صداما عنيفاً أقرب ما يكون الى حرب طبقية ضد قوى القمع المجهزة والمدججة بأحدث أسلحة القمع والتي لم تتوانَ أو تتردد في استخدامها كما فعلت سابقاً في قمعها لانتفاضة الضواحي في الأحياء الشعبية في العام 2005، أو في مقتل "ريميه فريس- سيفن" وهو من مناضلي الحركة الفوضوية.
وهنا لا بدّ من تأطير إجتماعي سياسي للأزمة من حيث أنها أزمة مرتبطة بالسياسة الطبقية للبرجوازية الحاكمة والتي تعاقبت أحزابها على استلام السلطة بجناحيها اليميني واليساري. فلقد تصاعدت بقوة وتصميم، عبر مسار حركة آذار/مارس وبسيرورتها الواقعية الملموسة، في صفوف الشبان من اليسار الجذري، أطروحات تفنّد نظام الديمقراطية البرجوازية وتدافع عن ديمقراطية اجتماعية وسياسية جديدة، تتسع أمام ممارسة الطبقات الشعبية لسلطات واسعة تشريعية وتنفيذية وتقف حائلاً أمام انفراد البرجوازية، بمختلف شرائحها، بالحكم.
ثمة أيضاً ظاهرة جديدة ملفته للنظر وهي ما يلحق بالعنف من تحوّل سياسي تكتيكي من جهة وآخر ايديولوجي. ظاهرة تصاحب حركة آذار/ مارس وتكشف عن تطور هام لتكتيك المظاهرات وتعبّر عن وعي جديد للعنف. إذ أن ما يميز الوضع الجديد الحالي نشوء تحالف غير رسمي بين المناضلين "المشاغبون" ، بحسب تسمية وسائل الاعلام لهم، وبين المتظاهرين أو المحتجين غير النقابيين.
هذا العنف يعبّر عن مشاعر الظلم التي تعتري الطبقة العاملة وحلفاءها حيال قانون العمل الجديد الذي يُفرض بالارهاب الايديولوجي لتشريعات الطبقة البرجوازية الحاكمة. هنا أيضا يظهر ما يرافق الحركة اللاجتماعية من عنف بصفته مضاد للارهاب ويتطور على مسار من العنف الثوري. إذ أن تحالف الغضب في حالته الراهنة الجديدة يربط بين ألوف المتظاهرين وبين حركات الدفاع الذاتي وفئات من الشيوعيين الراديكاليين الذين يرفضون الخضوع لهذه الطبقة الساسية الحاكمة ووسائل إعلامها الخاضعة لسلطة رأس المال.
وهنا تجدر الاشارة الى التذكير ببعض المواقف المشبوهة لقوى اليسار الرسمي كموقف "فيليب مارتينيز" – أمين عام CGT (الكونفدرالية العامة للعمال) كبرى النقابات العمالية- يهاجم " المشاغبون" فيقول لا مكان لهؤلاء في المظاهرات.
وأيضا وفي نفس السياق صرّح الناطق الرسمي باسم الحزب الشيوعي الفرنسي "أوليفيه داتيغول" لبرنامج Politique Matin حول حركة Nuit Debout (وقوف الليل) وعلاقاتها بما يسمّى "المشاغبون" فقال: "إني قلق ومنشغل حيال مواقف شرطة المحافظة لأن عملهم واضح ولهم قدرة على التمييز بين شباب لهم هدف تغيير العالم والمجتمع وبين مشاغبين مولعين بالتخريب. يجب اعتقال هؤلاء "المشاغبون" ومحاكمتهم، ويجب على الشباب التفكير بهدوء وبالاحتجاج السلمي في الأماكن العامة، إن هذا ممكن طبعاً. إن شرطة المحافظة لديها معرفة بالتمييز بين فريقين فلماذا لا تفعل؟".
لا بد من تسجيل ما يرافق العنف السياسي الطبقي لحركة آذار/ مارس من تطور كيفي أو نوعي. ذلك أن حركة التظاهر السياسي والنقابي في فرنسا تُعتَبر من خصائص الصراع الاجتماعي بين الرأسمالية والطبقات الشعبية. الجديد في الأمر أن هؤلاء "المشاغبون" يحتلون اليوم الخطوط الأمامية للمظاهرات، أو يتواجدون بصورة منظمة على رأس كل المظاهرات التي تنظمها النقابات. إنهم يستطيعون الآن إدارة المواجهات والتصدي لعنف قوى القمع بشكل قوي، منظم وحقيقي. وجه الجدية في ظاهرة العنف هذه أنها كانت حتى وقت قريب أشبه الى عصابات الصبية في الحارات والمناطق السكنية للمحرومين. هؤلاء كانوا في الماضي القريب والبعيد يندسون الى المظاهرات فرادى أو على هوامش المظاهرة، ثم يعتدون على المخازن بتحطيم واجهاتها الزجاجية ومن ثم نهب بضائعها. إن مشاغبي الأمس أصبحوا مع حركة مارس / آذارقادة لعنف منظم يسير على مسار من العنف الثوري إذا ما هو أضحى من مكونات الاستراتيجية الثورية والبرامج السياسية لليسار الجذري؛ أما اليوم فانهم يدافعون عن حرية التظاهر في "بلاد الديمقراطية" ، والتصدي لارهاب الدولة، وحماية المتظاهرين من فرق الدرك المدججة بأسلحة القمع الوحشي، والتي لا تتوانى في أغلب الأحيان عن استخدام كثيف للقنابل المسيلة للدموع والقنابل الصوتية ناهيكم عن الهراوات والاستفراد بالمتظاهر للدوس عليه تحت جزمات مجموعة من الارهابيين الدرك.
وهنا ينفع التذكير بأن الدور الايجابي الفعال لجنود المظاهرة، أو مشاغبي الأمس، أملى على الحكومة تأجيل إصدار القرار المتعلق بقانون العمل لمرات عديدة من أجل احتواء هذه الحالة وإخماد حركة Nuit Debout. إن هذه الظاهرة التي استقر مقامها ليلا نهارا في ساحة الجمهورية حالة استثنائية في تاريخ فرنسا، لكن التحطيم والتخريب إذ هو الذي يتحول الى قنبلة مولوتوف مع اشتداد الغضب العام ضد سياسة المصارف وسياسة الحكومة في مواجهة الأزمة الرأسمالية، إنما دفع ويدفع ببعض المناضلين السلميين الى الانخراط بحركة "المشاغبون" لأنها الأقدر على توفير جو من التوازن مع قوى القمع في الشارع.
​بعيداً عن الحماسة الثورية، فان هذه المظاهرات وما تحمله من تجديد هي رد طبقي على أعراض أزمة اجتماعية ما بين الطبقة الحاكمة وباقي مكونات المجتمع. إن الصراع السياسي في فرنسا ذو محتوى طبقي وسيشهد لا محالة تطورا على مسار من ثورة ترفض مكونات الدولة البرجوازية. هذا، وإن كان المجتمع يبدو الآن في ظاهر الأمور وكأنه بدون مستقبل، فإن ما يستجد من مكونات سياسية اجتماعية في حركة آذار/مارس يحمل معه فرضيات تشير بقوة الى أن بلاد الكومونة لم تتخلَ عن شيوعيتها.