سياسة التتريك الجديدة

صادق إطيمش
2016 / 11 / 13

سياسة التتريك الجديدة
أفرزت سياسة التمحور الطائفي والقومي الشوفيني في وطننا العراق بعض القوى التي تنظر إلى الدولة التركية وكأنها المنقذ لهذه القوى التي تتبنى نظرية التهميش التي يمارسها حكام العراق الجدد بعد سقوط دكتاتورية البعث وحكمها الفاشي في العراق . إن مثل هذا الموقف يشير بوضوح إلى مدى جهل هذه القوى التي تسعى للإصطفاف مع العثمانيين الجدد من رهط اردوغان وعصابات حزبه الإسلامي، حزب العدالة والتنمية، بالتاريخ وهي تنحاز لسليل العثمانيين هذا الذي لم يفكر جدياً بالمصير الذي حاط باجداده حينما سعوا للهيمنة على الشعوب، وما لاقوه من هذه الشعوب التي ظلت تدافع عن وجودها الوطني والقومي التحرري حتى مرغت رؤوس آل عثمان بالوحل ورمت بقاياهم في مزابل التاريخ. فحينما اعلنت الدولة الكمالية الجديدة بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى بانها تبني كيانها الجديد على مخلفات الدولة الساقطة، فإنها كانت تعي ما اقترفته هذه الدولة من جرائم بحق الشعوب التي كانت تستعبدها قومياً ودينياً مشرعنة ذلك بقوانين دينها الذي مارسته طيلة فترة تسلطها على مختلف الشعوب والذي فسرته على اساس ان الأمة الإسلامية هي خير امة أخرجت للناس ليحق لها بهذا التوصيف ان تأمر وتنهى ما شاء لها الأمر والنهي والتحكم برقاب الشعوب وابتزاز خيرات اوطانها، بما فيها شعوب المجتمعات الإسلامية التي اراد لها القدر ان تكون ضمن مستعمرات هذه الدولة العثمانية الظالمة.
وحينما يحاول اردوغان بسياسته العنصرية الدكتاتورية ان يعيد امجاد اسلافه بكل ما مثلوه من سقوط وتخلف وعنصرية فإنه ينسى ان هناك شعوباً تتحلى بإرادات لا تُقهر ستحيل احلامه هذه إلى كوابيس يظل ينوء تحتها ما امتدت به الحياة. واطماع العثماني الجديد اردوغان باحياء سياسة التتريك العثمانية اصبحت مادة استهزاء كل من عرف تاريخ الدولة العثمانية الذي لم ينفع البشرية قيد انملة، بل بالعكس فقد سبب لها كثيراً من الويلات والمآسي، ناهيك عن ان الدولة العثمانية بسنينها الخمسمئة لم تقدم للبشرية ما يمكن ان يُسجل لها كأكتشاف او اختراع ، اللهم إلا اذا اعتبرنا قصور الحريم والغلمان انجازات حضارية لصالح البشرية.
لقد تناول الإعلام العالمي السياسة الأردوغانية العثمانية هذه مبيناً مدى انحطاطها وتخلفها عن مسار السياسة الحضارية للدول التي تدّعي دولة الإسلام السياسي هذه الإنضمام اليها. فقد نشرت مجلة (شبيغل اونلاين) الألمانية بتاريخ العاشر من شهر تشرين الثاني الحالي مقالاً تناول هذه السياسة الخرقاء تحت عنوان : رجب طيب اردوغان يريد توسيع حدود بلاده ، جاء فيه:
"" مرة اخرى يضع اردوغان علامة استفهام حول حدود تركيا اليوم . في يوم الإحتفال بذكرى وفاة مؤسس الدولة التركية اتاتورك نوَهَ عن رغبته بالتوسع. هذه مقولات تدعوا إلى التوسع في التحليلات. الرئيس التركي رجب طيب اردوغان يرغب، كما يبدو، ان يشير إلى المساحة الكبيرة للدولة العثمانية. فقد قال ,, نحن لا نريد ان نكون سجناء بين 780.000 كيلو متر مربع ,, قال ذلك في الإحتفال بمناسبة مرور 78 عاماً على وفاة مؤسس الدول مصطفى كمال اتاتورك، وهذا ما نشرته وكالة انباء (أب) . ثم قال الرئيس ,, اخوتنا في القرم ، في القوقاس، في حلب، وفي الموصل يشكلون الحدود في قلوبنا,, اردوغان يضع الإشكال دوماً حول حدود اليوم. ففيما يتعلق باليونان فقد اعلن قبل فترة وجيزة ,, في اتفاقية لوزان اعطينا بعض الجزر القريبة لنا بحيث اننا نسمع اصوات سكانهاحينما ينادوننا.لقد كانت هذه الجزر جزرنا، هناك جوامعنا,, كثير من مؤيدي اردوغان لا يخفون رغبتهم بالعودة إلى المساحة القديمة.
كثير من منتقدي الرئيس يتهمونه منذ امد بعيد بانه من خلال سياسة الأسلمة التي يتبعها يبتعد عن سياسة علمنة الدولة التي اتبعها المؤسس. إذ ان اتاتورك قال مرة ,, الخلافة هي اسطورة الماضي التي لا مكان لها بيننا في وقتنا الحاضر، الدين والدولة يجب ان ينفصلا ,,.
كما قال اردوغان عند قبر اتاتورك بانه سيحافظ على استقلال تركيا الذي خلفه لنا اتاتورك، وإن تأثير تركيا يجب ان يتخطى حدودها الجغرافية.“"
ثم يتطرق المقال الى العلاقات المشوشة التي نشأت بين المانيا وتركيا بسبب السياسة القمعية الدكتاتورية التي تواجهها القوى المعارضة لسيطرة الحزب الإسلامي التركي ، العدالة والتنمية ، الساعية لأسلمة الدولة التي ينص دستورها على العلمانية.
وفيما يتعلق الأمر بنا وما احتوته هذه التصريحات الأردوغانية التوسعية التي اكدها رئيس وزراءه بعد يوم من ذلك، فلا ادري مَن يعني اردوغان باخوانه في حلب والموصل. فهل يعني تلك التجمعات التي تعشعش في تركيا وتعقد مؤتمراتها برعاية وتمويل تركي لتخرج بقرارات تزعم انها تمثل المعارضة السورية لنظام البعث الدكتاتوري في سوريا؟ وهل تتفق هذه الجهات مع سياسة التتريك الجديدة التي يتبعها نظام دكتاتوري آخر بقيادة حزب اسلامي متخلف هو الآخر لتقع في براثن دكتاتورية اخرى باسم الدين هذه المرة؟ ومَن يقصد اردوغان باخوته في الموصل؟ إذ اننا نعلم بأن العراقيين التركمان قد فندوا تصريحات اردوغان التي ادعى فيها بانه بسياسة التتريك الجديدة التي يتبعها انما يريد بها الدفاع عن التركمان في العراق ، ألامر الذي رفضه التركمان العراقيون المتمسكون بعراقيتهم وارتباطهم بوطنهم العراق وليس بتركيا. كما تنصل العراقيون الآخرون من تصريحات اردوغان التي دعاه اليها البعض للدفاع عن السنة العراقيين الذين رفضوا هذه الأطروحة التي تتبناها شلة من الطائفيين والبعثيين الذين يجدون انفسهم المريضة اقرب إلى تركيا منها الى العراق، الوطن الذي عاشوا وتربوا وعملوا فيه.
الجرائم البشعة التي ارتكبتها جراثيم العثمانيين القدامى والجدد ضد الشعوب كثيرة جداً ولا يبرر اختلاف شدة وطأة هذه الجرائم وحدَّتها وطريقة ارتكابها وعدد ضحاياها من تخفيف شدة إدانتها التي لا يمكن وصفها بغير القتل وجرائم ضد الإنسانية. ونفس هذا القتل ونفس هذه الجرائم يمارسها اليوم سليلو اولئك المجرمين من العثمانيين الجدد يقودهم العنصري الطائفي رجب طيب اردوغان وحزبه الإسلامي، لقتل الشعوب واستغلالها ونهب ثرواتها والسيطرة على آليات مسيرتها في عالم الحداثة، ومحاولةالعودة بها إلى عهود السلاطين وقصور الحريم واسواق الإماء والعبيد.
النزعة السلطوية التي برزت بشكل جلي لدى العثمانيين، تجلت منذ استيلاء هؤلاء على مقاليد المجتمعات الإسلامية بعد تفكك الدولة العباسية والدويلات التي نشأت عنها. والإجراء السلطوي الأول الذي اتخذوه في هذا المجال هو تحويل الخلافة إلى سلطنة واستبدال الخليفة الحاكم بالسلطان الحاكم. نعم سلطان يامر وينهى بما يشتهيه ويراه باعتباره المرجع الديني الأعلى الذي يجب ان يُطاع وان مخالفته كفر يقود إلى الجحيم وطاعته عبادة ثوابها الحور العين وجنات النعيم. لا تختلف المآسي والجرائم التي اقترفها العثمانيون في وطننا العراق عن الجرائم التي ارتكبوها في المناطق الأخرى التي تحكموا برقاب اهلها. فكما كانت الدولة الصفوية تمارس القتل والإرهاب بكل اشكاله ضد الشعب العراقي الذي لا تروق عائديته القومية او طائفته الدينية لحكام هذه الدولة المسلمة ايضاً، وذلك حينما كان الصراع العسكري والسياسي مع الدولة العثمانية يقود إلى استيلاء الصفويين على العراق او على اجزاء منه احياناً، كانت كذلك ايضاً الدولة العثمانية بسلاطينها وجرائمها التي تمارسها ضد القسم الآخر من الشعب العراقي الذي لا ترى اسلامها في اسلامه ولا قوميتها في قوميته.
لم تفرق الدولة العثمانية في تنفيذ جرائمها ضد العراقيين المسلمين من العرب والكورد او من تابعي الأثنيات الأخرى إن وجدت ما يشبع غليل جريمتها في طائفة اسلامية اخرى غير طائفتها او في قومية اخرى غير قوميتها. وشواهد التاريخ كثيرة على ذلك وموثقة توثيقاً علمياً يستطيع كل باحث كشف ما أُخفي منها لحد الآن، وأبعد بذلك ورثة الدولة العثمانية عن حساب الشعوب التي اقترفت هذه الدولة الجرائم بحقها بالأمس والجرائم التي يقترفها الورثة تحت نفس الغطاء العثماني الأسود اليوم. والملفت للنظر ان هذا السكوت عن الجرائم الكثيرة لعثمانيي الأمس واليوم بحق كثير من الشعوب استمر وقد يستمر لعقود طويلة من الزمن دون ان يُثاراي جدل حقيقي جدي حوله، وإن لم تتم المبادرة لوضعه في قفص الإتهام.

ما نريد الوصول إليه في هذا الحديث هو محاولة جمع اكبر ما يمكن من اصوات الرأي العام العالمي شعوباً وبرلمانات وحكومات، تتبنى طرح جرائم العثمانيين القدامى والجدد على بساط البحث الدولي لمعالجتها ومناقشتها دولياً وإعداد اللوائح القانونية لتقديمها إلى محكمة العدل الدولية كي تقاضي بها رواد السياسة العثمانية وما ترتب عليها من قتل للشعوب وتحميل الورثة الشرعيين للمسخ العثماني كل تبعات هذه الجرائم التي اقترفها آباؤهم واجدادهم بالأمس إضافة إلى الجرائم التي يقترفها العثمانيون الجدد اليوم بحق مختلف الشعوب. لنسعى جميعاً إلى تفعيل هذه الفكرة ونتبنى آلياتها من خلال ورش عمل محلية واممية تمهد الطريق لذلك. وهناك الكثير جداً من الوثائق والشواهد التي تؤكد العلاقة الوطيدة بين العثمانيين الجدد والمنظمات الإرهابية والدول الخليجية وغير الخليجية الساندة لهذه المنظمات والتي تسهل لها التحرك بين مناطقها للنيل من شعوب المنطقة التي تسعى للعيش بسلام ووءام مع بعضها البعض.
الدكتور صادق إطيمش