الشراكة العربية الأفريقية إلى أين

مصطفى مجدي الجمال
2016 / 11 / 13

الشراكة العربية الأفريقية
من أين.. وإلى أين؟
(مسودة)
- ورقة مقدمة إلى ندوة الاتحاد الأفريقي ومركز البحوث العربية والأفريقية عن "الشراكة العربية الأفريقية

الشراكة العربية الأفريقية
من أين.. وإلى أين؟
(مسودة)


مقدمة
رغم كثرة الاتفاقيات والوثائق الرسمية والخطابات والبرامج السياسية المحبذة للتجمعات الإقليمية في أفريقيا والتجسد الفعلي للعديد من تلك التجمعات، هناك اختلاف بين الباحثين حول مدى إدراك السياسيين قبل المواطنين لأهمية التكتلات الإقليمية في زمن العولمة النيوليبرالية. وربما كان وراء هذا بالدرجة الأولى غياب الإرادة السياسية المجتمعة والمنفردة في قيام تلك التجمعات على أسس سليمة تحقق الصالح العام المشترك في القارة، وليس مصالح أقطاب إقليمية، أو الرضوخ لضغوط العولمة أو بالأحرى المراكز الرأسمالية العالمية، رغم تبلور "هامش للمناورة" أمام جُل الدول الأفريقية يتمثل في القوى الصاعدة مثل الصين والهند وروسيا والبرازيل.
مع ذلك، إذا كانت النتائح المحققة لاتزال أقل من المتوقع، فلا بد عند التقييم من مراعاة عامل الحداثة النسبية للدول الأفريقية عامة (حيث نشأ معظمها منذ الستينيات) وبالتالي حداثة التجمعات الاقتصادية نفسها، فضلاً عما اعتورها من نقائص عديدة.
فلم يكن هناك مناص من مرور بعض الوقت لإدراك أهمية التجمعات الإقليمية للقارة ككل وللدول الوطنية، وهو الإدراك الذي اتضح للجميع بشكل خاص مع مخاطر إنشاء منظمة التجارة العالمية، وقبلها: أزمة خطط التنمية، وأزمة الديون الأفريقية، وبرامج التثبيت والتكيف الهيكلي التي فاقمت من مستويات الفقر وتردي نوعية الحياة بشكل عام، والاختلالات الاقتصادية العالمية، وتدهور البيئة..
استلزم الأمر بعض الوقت كي تدرك الدول الأفريقية أنه ليس بإمكان أي منها حل مشكلاتها من خلال التعامل بمحض قوتها الذاتية مع التطورات الأخيرة في الاقتصاد الدولي التي تعمق من عدم التكافؤ على كل المستويات، وكذلك كي تدرك أيضًا أن الحماس للوحدة الأفريقية لا يكفي وحده لإنجازها في ظل السياقات الداخلية والقارية والدولية المعنية. وكانت الأزمات الكبرى الأخيرة للنظام الرأسمالي العالمي جرس إنذار مهم للدول الأفريقية بالاعتماد الجماعي على الذات.
هنا برزت الحاجة إلى تكتلات إقليمية- فرعية، تستفيد من عوامل القرب الجغرافي والتاريخ المشترك والتجانس الثقافي والوشائج التجارية والاقتصادية، فضلاً عن أن الحدود المشتركة في الإقليم الواحد كثيرًا ما تكون مصطنعة بفعل التقسيم الاستعماري. لذا كان من المأمول أن تنجح هذه التجمعات في رفع معدلات التبادل التجاري داخل الإقليم وجذب التدفقات الاستثمارية من الخارج، ومن ثم تحسين معدلات النمو وخفض التضخم وعجز المالية العامة والتركيز على قطاعات تنموية في مقدمتها ربط وتطوير البنية التحتية(1).
وإذا كانت بعض الدول الأفريقية (وكذا العربية) قد حققت معدلات نمو مشجعة في العقد الأخير، فلم يكن العامل الأساسي فيها نجاح السياسات الاقتصادية، ولا حتى نجاح التجمعات الإقليمية، وإنما كثافة استخراج الموارد الطبيعية وارتفاع أسعار السلع الأولية.
فعلى مستوى البلدان العربية، تكاتفت الأزمات الاقتصادية وتباين مستويات النمو ومدى إشباع حاجات المواطنين، تكاتفت مع التأزمات السياسية الصعبة بين البلدان العربية وداخل كل بلد، لتصعب من عمليات التكامل. فاكتفت الدول العربية لفترة بإقامة مشروعات مشتركة تعثر معظمها لأسباب تتعلق بصعوبات التسويق والمنافسة والتطوير وغيرها، ثم كانت اتفاقية إقامة منطقة التجارة الحرة العربية التي دخلت حيز التنفيذ عام 2005 وتعاني من نقائص جمة. ورغم قِدم فكرة السوق العربية المشتركة فإنها ظلت سرابًا لأكثر من أربعة عقود، وهو ما كان من أسباب قيام ثلاثة تجمعات عربية، مجلس تعاون دول الخليج واتحاد المغارب العربي ومجلس التعاون العربي. وقد تبخر الأخير بعدما اتضحت الأغراض البراجماتية لنظام صدام حسين من ورائه. ويكاد الشيء نفسه ينطبق على اتحاد المغارب بسبب الخلاف الجزائري المغربي ثم سقوط نظام القذافي الذي كان بمثابة عراب المشروع.
إذا كان هذا هو الحال في النطاقين العربي والأفريقي.. فكيف يمكن تصور شراكة بينهما، حيث يتعثر التكامل داخل كل نطاق؟
تحاول هذه الورقة القيام بقراءة موجزة لمسيرة ومصاعب التجمعات العربية والأفريقية، ثم تتطرق لمسيرة التعاون العربي الأفريقي (دون إفراط لأن هناك الكثير عن هذا الموضوع في المكتبة العربية), وأخيرًا رؤية مستقبلية.
ولا يتسنى التناول السليم لتجارب التكامل الإقليمي دون فهم ضرورة التكامل الجنوبي، وبخاصة العربي الأفريقي، في السياق الدولي الراهن.

عن السياق الدولي
عاش العالم منذ سقوط القطبية الثنائية محاولات مستمية لتأكيد الانتصار النهائي للنظام الرأسمالي العالمي، ومن ثم نشأت في الجنوب المشروعات الإقليمية وتبلورت مشروعات جديدة للأقلمة، بفرض ما تسمى الإقليمية الجديدة التي تُدخل أبعادًا استراتيجية وسياسية وأمنية وثقافية إلى جانب الأبعاد الاقتصادية في الاندماجات الإقليمية، وبهدف أساسي هو تطويع هذه الكيانات الإقليمية في النهاية للدخول في العولمة النيوليبرالية. كما تسمح الإقليمية الجديدة لوجود دول أقوى بكثير من بقية الدول الأعضاء، وتكون بمثابة القاطرة لعملية الاندماج في العولمة. وقد دخل الكثير من الدول "النامية" في هذا النوع من الاندماجات أساسًا بأفق ضمان الحماية السياسية وتعظيم مكاسب النخب المحلية والحصول على الاستثمارات والمساعدات والتكنولوجيا، وكان أقصى جهدها هو تحسين شروط الاندماج في العولمة متعددة الأبعاد. وينطبق هذا أيضًا بدرجة أقل على بعض التجمعات التي تحاول "القوى الصاعدة" إنشاءها (مثل كمنولث الدول المستقلة ومعاهدة شنغهاي، وبدرجة أقل مجموعة العشرين والبريكس).
ولعل الأقلمة التنموية والتضامنية الحقيقية هي تلك التي يجب أن تقوم في مواجهة العولمة النيوليبرالية، بتعميق التكامل الجنوبي الجنوبي (مجموعة الـ 77- مجموعة الـ 15- تجمع ميركسور وألفا في أمريكا اللاتينية). لكن هذا التوجه نحو أقلمة مقاومة لم يحقق اختراقًا بعد لأسباب عديدة لعل أهمها غياب حامل دولي كبير لهذه الفكرة، إلى جانب انتظار موجة تحررية جديدة في العالم النامي، تقوم على الملكية الوطنية للقرار المحلي، والتنمية الشاملة المعتمدة على الذات الجماعية (وطنية ومحلية وجنوبية)، وتعميق الديمقراطية السياسية وقيم العلم والاستنارة.

التكامل العربي
تزامن إنشاء جامعة الدول العربية مع تشكيل اللجنة الدائمة للشئون الاقتصادية والمالية، ثم قرر مؤتمر وزراء المال والاقتصاد العرب (بيروت 1953) الأخذ بالمعاملة التفضيلية بنسبة إعفاء المنتجات الصناعية من التعريفة الجمركية تصل إلى 50% ، والإعفاء الكامل للمنتجات الزراعية والحيوانية والثروات الطبيعية، وكذلك وقعت دول عربية (لبنان، الأردن، مصر، السعودية، العراق، الكويت) في العام نفسه اتفاقية تسهيل التبادل التجاري وتجارة الترانزيت. وصدقت الدول نفسها (فيما عدا الكويت) على اتفاقية لتسديد مدفوعات المعاملات التجارية وانتقال رؤوس الأموال(2) .
تلا ذلك محاولات متعددة على طريق التكامل، فمع صعود الموجة القومية العربية في الخمسينيات ارتفعت أيضًا الدعوة إلى "الوحدة الاقتصادية" فصيغت اتفاقية بذلك عام 1957 غير أنها تعرضت للتعثر بسبب الصراعات السياسية بين الدول العربية. ثم تعددت المبادرات مثل السوق العربية المشتركة لكنها لم تحقق الأهداف المرجوة منها في تنمية التبادل التجاري، وأخيرًا إقرار إنشاء منطقة تجارة حرة عربية عام 1997 بهدف تحرير التجارة البينية على مراحل (10 سنوات). وكما هو معروف فإن التجارة البينية العربية ظلت دائمًا تحت حاجز الـ 10% (مقارنة بأكثر من 60% في آسيا، وقرابة 40% في الأمريكتين).
ومن أهم أسباب ذلك (إلى جانب العوامل السياسية السلبية): التوسع الهائل في قطاعي الخدمات والاستخراج على حساب القطاعين الصناعي والزراعي، فمثلاً لم يتجاوز متوسط نصيب الصناعات التحويلية حاجز الـ 15% من الناتج المحلي الإجمالي (باستثناء الجزائر ومصر والمغرب)(3) . كما أن الموارد الهائلة التي تحققت لبعض الدول العربية نتيجة تصدير المواد الأولية للبلدان الصناعية قد أُهدِر معظمها في مشروعات ضخمة ليس لها أولوية تنموية (مشروعات "الفيل الأبيض") والاستهلاك الترفي والحروب.
ويلاحظ أن مجلس التعاون الخليجي كان أكثر مشروعات التكامل الإقليمي الفرعي العربي نجاحًا، لأنه يقوم على دول متماثلة في طبيعة الحكم والتوجه السياسي والتحالفات الدولية، والبنية السكانية، والوفرة المتحققة من عائدات النفط والغاز. أما التجمعان الآخران فقد تعثرا أو وصلا إلى طريق مسدود كما أسلفنا. وقد حاولت الدول العربية أيضًا الاعتماد على اتفاقيات التعاون والتكامل الثنائية فيما بينها، إلا أنها كانت تتأثر في الغالب بالتقلبات السياسية (كمثال: مشروع التكامل المصري السوداني).
وإلى جانب تبعية معظم الدول العربية لقوى عظمى خارجية (بما فيها حتى ذات الدول التي سبق أن استعمرت البلد المعنيّ) فقد ازداد التكامل العربي صعوبة مع محاولة فرض تكتلات إقليمية "جديدة" من نوع الشراكة الأورومتوسطية ومشروع الشرق الأوسط الكبير. وبدا من الواضح أن من أهداف هذه المشروعات تعميق التبعية للغرب الرأسمالي بالدرجة الأولى، وأن المكاسب الرئيسية منها تصب في أيدي نخب محلية كمبرادورية فاسدة ومستبدة.
عمومًا يمكن القول بوجود عوامل كثيرة تحول دون التوجه نحو التكامل الاقتصادي بين الدول العربية، أو تتسبب في فشل أو جمود ما يقوم منها. يرى الكاتب أن من أهمها حداثة تكوين بعض الدول العربية تاريخيًا، وهو ما يجعلها تتردد في الاندماج مع الدول الأخرى، حتى لو شاركتها في التوجهات السياسية والاجتماعية... يضاف إلى ما سبق صراعات الزعامات العربية وما يتبعها من انقسامات سياسية (ومذهبية أخيرًا)...
كذلك تعتمد الدول العربية غير النفطية على الإيرادات الجمركية في تمويل موازناتها العامة، الأمر الذي يجعلها تتردد كثيرًا في منح إعفاءات جمركية يمكن أن تتسبب في زيادة العجز لديها، وهو ما قد يستدعي في نظرها التمهل في الاندماج لحين تبلور ثمار التكامل.
كما تعاني معظم الاقتصادات العربية من هشاشة وجمود وتشابه الهياكل الإنتاجية، حيث يعتمد معظمها على تصدير المواد الأولية والإيرادات الريعية (كالسياحة وقناة السويس في مصر) وأيضًا تحويلات الأيدي العاملة في الخارج. بينما يعتبر من دوافع التكامل الأساسية ومقوماته: حدوث تحول جذري نحو بناء قاعدة إنتاجية صناعية وزراعية وطنية (غير تابعة للمراكز الرأسمالية) ومتطورة نسبيًا، ومن ثم تحتاج إلى التكامل كي تصبح مستدامة. أضف إلى ذلك حالة التخلف (بل والتدهور) في البنية التحتية ووسائل النقل ومراكز التصدير والاستيراد، فضلاً عن تفشي البيروقراطية والفساد والهدر .
كما تعاني معظم المنتجات العربية (القابلة للتبادل البيني) من انخفاض قدرتها التنافسية (سعرًا وجودة وابتكارًا) أمام السلع المستوردة في ظل "التجارة الحرة" وفتح السوق الوطنية.
من ناحية أخرى، كان يمكن للإيرادات الهائلة التي تمتعت بها بعض الدول العربية أن تكون من أهم عوامل تنمية عربية شاملة، إلا أنها لم تجد طريقها في هذا الاتجاه، وإنما اتجهت بالأساس إلى مصارف الدول الكبرى وسندات خزائنها والمضاربات المالية وتكديس السلاح....
كما حدث تراجع في الاستثمارات العربية البينية بعد الاضطرابات السياسية في السنوات الخمس الماضية، وقد قُدرت التكلفة الإجمالية لمشروعات الاستثمار العربية البينية بأنها بلغت في أبريل 2016 حوالي 310 مليارات دولار مقابل 370 مليار دولار في أبريل 2015 ، توجه قرابة 27% منها للعقارات، 20% للفحم والنفط والغاز الطبيعي، 28% للطاقة المتجددة والبديلة، وحوالي 5% للخدمات المالية(4) .
وبالنسبة للجهود الرسمية للتكامل الاقتصادي العربي على مدى العقود الماضية فقد اتسمت بطابع شكلي مبالغ فيه وتتحكم فيها رغبات وتقلبات الحكام، وتأثيرات وتدخلات القوى الخارجية. كما تباينت وتناقضت التشريعات المنظمة للتبادل والحركة عبر الحدود (للسلع ورؤوس الأموال والأيدي العاملة). ومن ثم فإن الكثير من المقررات والمشروعات لم يجد طريقه للتنفيذ أو تعرض لمعوقات كثيرة في التطبيق.

التكامل الأفريقي
مثلما هو حال التكامل العربي، مضى التكامل الأفريقي في مسارات ثلاثة: ثنائي، إقليمي/ قاري، إقليمي/ فرعي.
في البداية يجب مراجعة بعض البيانات. يبلغ عدد سكان القارة قرابة 1,2 مليار نسمة، منهم حوالي 200 مليون نسمة في البلدان العربية الأفريقية(5) . وتعتبر أكبر اقتصاداتها (الناتج المحلي الإجمالي): نيجيريا 465 مليار دولار، مصر 311 مليار دولار، جنوب أفريقيا 308 مليار دولار، الجزائر 173 مليار دولار (بانخفاض حوالي 30 مليار عن عام 2015) تليها أنجولا (الغنية بالنفط وسكانها 25 مليون نسمة) 108 مليار دولار. بينما نلاحظ أن الناتج المحلي الإجمالي لبلد مثل إثيوبيا (100 مليون نسمة) 63 مليار دولار فقط. ومن ثم نجد تفاوتًا كبيرًا من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي سنويًا. فيبلغ في جنوب أفريقيا 5662 دولار، الجزائر 4371 دولار، مصر 3407 دولار، نيجيريا 2553 دولار، ولكنه يبلغ في بلد كبير مثل إثيوبيا 653 دولار. ويقفز الرقم نفسه في بلدان غنية بالنفط ومتوسطة أو محدودة السكان إلى 4318 دولار في أنجولا، و8030 دولار في الجابون، بل وحتى 18306 في غينيا الاستوائية. أما المتوسط العام في أفريقيا فهو 1932.
وبوجه عام يسيطر قطاع الخدمات على الناتج المحلي، حيث يبلغ المتوسط الأفريقي 52,8% عام 3014، بينما يقترب منه قطاع الزراعة في بعض البلدان ليبلغ 41,9% في إثيوبيا و50,5% في سيراليون. أما نصيب الصناعة التحويلية فهو ضئيل للغاية فيبلغ في الجزائر 4,2% من الناتج المحلي الإجمالي، إثيوبيا 4,2%، نيجيريا 9,8%، جنوب أفريقيا 13,3% ، تونس 16,2%. كما يتضح من الإحصائيات الثقل الكبير للصناعات الاستخراجية (خاصة النفط والغاز) حيث تشكل 50,5% من قيمة الناتج المحلي الإجمالي في أنجولا، 43% في الجابون، 41,4% في الجزائر، 95,3% في غينيا الاستوائية.
يتضح من مختلف الأرقام والمؤشرات الأفريقية أن القارة تعاني من وضع متخلف بوجه عام، سواء على مستوى التصنيع، أو الاعتماد الزائد على تصدير المواد الأولية، أو نوعية الحياة، أو التبعية للخارج (بما فيها الديونية الكبيرة)، أو ما ينتج عن هذا من اضطرابات اجتماعية وعدم استقرار سياسي.
كانت الدول الأفريقية قد ووجهت بعد نيل استقلالها السياسي بسؤال التنمية، وهو السؤال الذي يضمن النجاح في الإجابة عليه ضمان وحدة المجتمع وارتقائه، وضمان الحفاظ على الاستقلال نفسه. لكنه كان بدوره سؤالاً يثير الكثير من الأسئلة الأخرى حول نمط وأهداف التنمية. وكان من أهم الإجابات التي توصل إليها الأفارقة هي ضرورة الوحدة الأفريقية. لكن المنظمة الإقليمية/ القارية التي نشأت لبناء الوحدة الأفريقية لم تكن كافية لتحقيق الهدف، وخاصة في العجز عن وضع ومتابعة تنفيذ استراتيجية أفريقية موحدة ومرنة للتغلب على التخلف والتحرك صوب التنمية الجماعية(6) .
فاتفق القادة الأفارة على إعلان مبادرة الشراكة الجديدة من أجل تنمية أفريقيا، وتمثل أهدافها العامة في :
(أ) تهيئة شروط التنمية المستدامة عن طريق: الحفاظ على السلم والأمن، وتحسين الححوكمة الاقتصادية والسياسية وحوكمة الشركات.
(ب) تشجيع الاستثمار وإصلاح السياسات في المجالات ذات الأولوية مثل البنية التحتية وتنمية الموارد البشرية والزراعة والبيئة والعلم والتكنولوجيا
(ج) حشد المزيد من الموارد بوسائل منها على سبيل المثال زيـادة المـدخرات المحلية، إضافة إلى المساعدة الإنمائية الرسمية وتدفقات رؤوس الأموال الخاصة، وخفض الـدين الخارجي، وتنويع الإنتاج والصادرات(7).
ويمكن القول إن من أهم التجديدات التي أدخلتها النيباد على المبادرات السابقة أنها قد رسخت فكرة الارتباط بين التنمية المستدامة والحكم الرشيد انطلاقًا من شعار "بدون ديمقراطية لا تتحقق تنمية"(8) . وخلال العقد الأول من تطبيق نيباد تم تبني "آلية مراجعة النظراء" APRM بهف تقييم المشكلات الكبرى للدول، والتوصل إلى الالتزامات المطلوبة منها تحت المراجعة في أربعة مجالات رئيسية مثل: الديمقراطية والحوكمة السياسية الجيدة، الحوكمة والإدارة الاقتصادية، حوكمة الشركات، والتنمية الاجتماعية- الاقتصادية. كما حققت النيباد نجاحًا في مبادرة المدارس الإلكترونية التي تسمح للتلاميذ الأفارقة بالتواصل مع العالم ومعارفه.
وتتعرض النيباد لانتقادات من المنظمات غير الحكومية بضعف التشاور والتواصل مع المجتمع المدني، كما تتهمها الأوساط الراديكالية بتبني التوجه النيوليبرالي. كذلك فشلت المبادرة في التعامل الحازم مع انتهاكات الديمقراطية وحقوق الإنسان، بسبب عدم القدرة على تحويل التعهدات إلى انصياع فعلي.
ويسري على مبادرة نيباد ذات الانتقادات التي اعتيد توجيهها لكل ماسبقها من مبادرات ومالحقها من خطط عمل. فعلى مستوى التجارة البينية الأفريقية مثلاً هناك انتقاد وجيه بأن التركيز كان دائمًا على إزالة الحواجز التجارية (وهو بالتأكيد يصب أكثر في صالح الدول المهيمنة قاريًا وعلى المستوى الإقليمي الفرعي) وليس على تنمية القدرات الإنتاجية الضرورية لتعزيز التجارة البينية(9) . ومن ثم تتبين أهمية بناء شبكات الإنتاج وسلاسل القيمة الإقليمية للارتقاء بالقدرة التنافسية ومعايير الجودة وتوسيع قاعدة التصنيع في البلدان الأفريقية، خاصة وأن أفريقيا تتمتع بميزة نسبية في المواد الأولية. ومن الممكن، بل من المستحسن النظر إلى الشبكات الإقليمية كجزء من استراتيجية أشمل على مستوى بلدان جنوب العالم. وفي مقدمة المطلوب في هذا الاتجاه: زيادة الاستثمار في البنية التحتية المادية وغير المادية.
وإلى جانب المبادرات على المستوى القاري، وقبلها وبعدها، كان لا بد من نشوء عدد من التجمعات الاقتصادية الإقليمية لكل مجموعة من الدول القريبة جغرافيًا (بشكل أساسي). ونتناول فيما يلي بعض المعلومات عن تلك التجمعات.
اعتمد الاتحاد الأفريقي ثمانية تجمعات إقليمية فرعية هي عبارة عن تكتلات تجارية بالأساس: الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا ECOWAS (تأسست 1975)، الجماعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا ECCAS (1983)، اتحاد المغارب العربي UMA (1989)، جماعة تنمية أفريقيا الجنوبية SADC (1992)، السوق المشتركة لشرق وجنوبي أفريقيا COMESA (1993)، السلطة بين الحكومية للتنمية IGAD (1996) تجمع الساحل والصحراء CEN-SAD (1998).
ويؤدي تعدد التجمعات الإقليمية بالطبع إلى تعقيد عملية التكامل على المستوى القاري(10) ، خاصة مع تعدد العضوية للدولة الواحدة في أكثر من تجمع إقليمي، والتشابه الكبير بين مهام التجمعات الإقليمية في المنطقة الواحدة. فمثلاً يوجد في غرب القارة تجمعان متنافسان هما إيكواس والاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا L’UEMOA. كما أن ثمانية من أعضاء التجمع الأخير أعضاء أيضًا في إيكواس. وللتجمعين هيئات متماثلة، الأمر الذي يتسبب في تعقيد كبير على مسار التكامل الإقليمي الفرعي(11) ، وكذلك فيما يتعلق بالتمثيل والتفاوض مع الخارج. ويتكرر الوضع نفسه بين إيكاس وسيماك CEMAC (التجمع الاقتصادي والنقدي في وسط أفريقيا) حيث يقتصر الأخير على بعض أعضاء إيكواس. بل إن بعض أعضاء إيكواس أعضاء أيضًا في كوميسا. وفي جنوب أفريقيا تتكرر الازدواجية والتداخل بين سادك وساكو SACU (الاتحاد الجمركي الجنوب أفريقي) وأيضًا مع تجمعات اقتصادية وأمنية في أقاليم أخرى، ومن بين 14 دولة أعضاء في سادك هناك 8 دول أعضاء في كوميسا أيضًا. وكذلك في شرق أفريقيا هناك التداخل بين كوميسا والجماعة الاقتصادية لشرق أفريقيا وإيجاد.
وربما يعكس هذا الموزاييك تبلور أقطاب أفريقية في كل إقليم فرعي مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا ونيجيريا وجنوب أفريقيا، أما في شمال أفريقيا فقد كان هناك تنافس بين مصر والجزائر، وأيضًا ليبيا قبل سقوط القذافي. وربما كانت التطورات السياسية في الدول الثلاث هي السبب الرئيسي وراء إخفاق التكتلات الاقتصادية الأفريقية.
إلى جانب ما سبق من مشكلات تكتنف التكامل الاقتصادي الأفريقي، هناك أيضًا بعض المشكلات الإضافية مثل انعدام الصلات الرسمية بين التجمعات المختلفة (على الرغم من ظاهرة العضوية المزدوجة)، وتزامن الشروع في بناء التجمعات الإقليمية مع تطبيق برامج التثبيت والتكيف الهيكلي التي تركز على زيادة الصادرات مما يشيع مناخ التنافس وليس التكامل، وتفاوت القوة الاقتصادية بين أعضاء التجمع الواحد بما يؤدي إلى هيمنة مصالح "القطب" الأقوى(12). كذلك هناك مشكلات النقل والاتصال حيث لا تزال الشبكات الموروثة من الحقبة الاستعمارية مصممة بحيث تتجه نحو التصدير للمراكز الرأسمالية الغربية وليس نحو التكامل بين البلدان الأفريقية المتجاورة، ناهيك عن تخلف الوسائل وارتفاع تكلفة النقل.
كما مازالت مشكلة تمويل التنموية الأفريقية تمثل عقبة كأداء(13) . فالمدخرات المحلية ضعيفة، ورأس المال الأجنبي يركز على قطاعي الخدمات والصناعات الاستخراجية، إلى جانب مشروطية جائرة للاقتراض من المؤسسات المالية الدولية والبنوك متعدية القوميات، فضلاً عن ما شهده أكثر من 38 بلدًا أفريقيًا من إجهاض وتفكيك متعسف للصناعات المحلية في الفترة من 1995 إلى 2012. وقد زادت نسبة الاستثمارات إلى الناتج المحلي الإجمالي زيادة بسيطة من 17% عام 2000 إلى 21% عام 2012. وهي زيادة لا تتناسب مع التحدي على المدى المتوسط آخذين في الاعتبار الفجوة الكبيرة التي تعانيها أفريقيا في مجالي التكنولوجيا والبنية التحتية. والأخطر من هذا كله تشير التقديرات الدولية(14) بأن التدفقات المالية غير الشرعية إلى القارة تصل إلى خمسين مليار دولار سنويًا تستخدم في أنشطة غسيل الأموال والتهريب والمخدرات وتجارة البشر والإرهاب.
على وجه الإجمال تصل الأكثرية الساحقة من الدراسات إلى استنتاج أن كل المحاولات التكاملية الأفريقية لم تتجاوز بعد مرحلة التعاون الاقتصادي النشط(15) . وقد أمل الاتحاد الأفريقي أن تعمل هذه التجمعات الاقتصادية على الإسراع بتطبيق أهداف الألفية الثالثة، ثم خطة 2063.
فبالنسبة لمدى نجاح الجهود القارية والإقليمية الفرعية في تحقيق أهداف الألفية(16) ، حققت أقاليم "أفريقيا جنوب الصحراء" انخفاضًا بطيئًا في معدل الفقر من 56,5% عام 1990 إلى 48,4% عام 2010. بالمثل حدث تقدم طفيف فيما يتعلق بنسبة السكان الذين يعانون من الجوع وسوء التغذية والتي انخفضت بنسبة 8% في الفترة من 1990 إلى 2013، ويرجع جزء من هذا التباطؤ إلى الأحوال المناخية السيئة في وسط أفريقيا وشرقها، وعدم كفاءة برامج التوظيف. أما في مجال التعليم فقد اقتربت أفريقيا من تحقيق الاستيعاب الكامل للأطفال في التعليم الابتدائي وكانت نسبة الاستيعاب قد بلغت 75% عام 2013 في 25 بلدًا أتيحت بياناتها، ولكن نسبة استكمال هذا التعليم مازالت 67%. وانخفضت وفيات الأطفال تحت 5 سنوات من 146 في الألف عام 1990 إلى 65 عام 2012. كذلك تحققت نجاحات في محاربة الإيدز والمالاريا والدرن. ولكن مازال هناك تخلف كبير فيما يتعلق بالأهداف البيئية، حيث يحصل أقل من ربع السكان على مصدر مياه محسن، ولم ترتفع نسبة نفاذ السكان إلى الصرف الصحي المحسن سوى من 24% عام 1990 إلى 30% عام 2012. وبالطبع كانت هذه المؤشرات في المناطق الريفية أسوأ بكثير من المناطق الحضرية. ومع ذلك تسجل المفوضية لاقتصادية لأفريقيا أن تحسنًا كبيرًا قد حدث بالنسبة لتحسين حياة ما لا يقل عن 100 مليون أفريقي يعيشون في العشوائيات، وهو الهدف الذي تحقق قبل عشر سنوات مما كان مخططًا له. غير أن عدد سكان هذه العشوائيات والمناطق المحرومة من الخدمات المناسبة قد ارتفع إلى 863 مليون نسمة عام 3013. ومازال كثير من سكان الحضر يعيشون في أحياء عشوائية تفتقر إلى البنية التحتية والخدمات وتأمين فرص العمل.
وبالنسبة لمدى التقدم في معايير النوع الاجتماعي والعرقية والمناطقية، فإن 23% من الفتيات الريفيات في أفريقيا جنوب الصحراء يكملن تعليمهن الابتدائي. وفيما يتعلق بتكاليف العلاج فإن الأسر المعيشية تتحمل أكثر من 90% منها الأمر الذي يفضي ببعض منها إلى الفقر المدقع. ومن المؤكد أن سكان العشوائيات الحضرية يعانون أكثر من سكان الريف فيما يتعلق بالحرمان من الصحة والتعليم.
بالنسبة لمعدل البطالة في أفريقيا جنوب الصحراء فقد بلغ حسب منظمة العمل الدولية 6,9% للذكور و8,8% للإناث(17) عام 2014، بانخفاض ضئيل 0,2% و0,1% على التوالي عن عام 2009. ولم ينتج نمو في فرص العمل يناسب النمو في القطاعات ذات رأس المال الكثيف مثل النفط والمناجم وتصدير المواد الأولية. وتبلغ البطالة مستويات عالية جدًا في بعض البلدان فتبلغ 31% في موريتانيا و26% في الجابون (الغنية بالنفط). وتزداد مشكلة البطالة مع العوائق القائمة أمام انتقال قوة العمل إلى المناطق الأكثر احتياجًا له. وجدير بالذكر أن معظم فرص العمل المتاحة أمام الشباب والمرأة توجد خارج الاقتصاد الرسمي، لتبلغ الأخيرة حوالي 90%، فالقطاع غير الرسمي يستوعب قرابة 70% من العاملين في أفريقيا جنوب الصحراء، و62% في شمال أفريقيا(18) .

التكامل العربي الأفريقي
فيما سبق تطرقت الورقة بإيجاز إلى حالة التكامل في كل من الإقليمين العربي والأفريقي. وفيما يتعلق بالتكامل بين الإقليمين تبدو الصعوبة أكبر. وإذا كانت العلاقات العربية الأفريقية أقدم بكثير من مجيء الإسلام إلى القارة(19) وترجع جذور هذا إلى الحقبة الاستعمارية التي عملت في إطار مخططها التقسيمي العام إلى تعميق العزلة- وربما الريبة- بين شمال أفريقيا وأفريقيا جنوب الصحراء، فما بالك بالعلاقات بين أفريقيا والشطر العربي في آسيا، حيث لم تتجاوز العلاقات الأخيرة وجود جاليات عربية آسيوية في البلدان الأفريقية (الفرنكفونية حاصة) والروابط التاريخية بين شرق أفريقيا وجنوب شبه الجزيرة العربية، وكذلك الدور الرابط الذي لعبته قبائل الصحراء الكبرى. غير أن موجة التحرر الوطني في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي وطدت الروابط بين الدول المستقلة حديثًا، وكان من ثمار هذا التلاقي المشاركة العربية النشطة في إنشاء منظمة الوحدة الأفريقية، حيث رأت الزعامات الوطنية في الشمال أن نجاح ثوراتها وتنمية بلدانها رهن بتمتين العلاقات مع القارة الأفريقية ومجمل العالم الثالث، وإن ظلت الأولوية عندها للتكامل العربي، رغم ما تعرض له الأخير من خسائر بسبب الانقسامات والمحاور السياسية.
لكن مع تغير طبيعة النظم العربية "التقدمية" في السبعينيات والثمانينيات، والميل المتزايد لتبني السياسات النيوليبرالية، أخذت الحكومات العربية تهتم أكثر بالشراكة مع شمال المتوسط والغرب بوجه عام. كما بدا للحكومات الأفريقية أن الدول العربية تريد منها التأييد السياسي في المحافل الدولية وحسب (خاصة في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية) على سبيل "رد الجميل" للمواقف العربية المناهضة للاستعمار والنظم العنصرية في أفريقيا. وعندما وقعت الصدمة النفطية الأولى تصاعدت إيرادات الدول العربية المنتجة بدرجة مهولة، بينما عانت كل الدول الأفريقية غير المنتجة من نتائج كارثية كانت من أسباب قدوم ما يطلق عليه "عقد الثمانينيات الضائع في أفريقيا". وهو ما أثار بعض الضيق المفهوم، وزاد منه محاولات الاختراق الإسرائيلية الناجحة في تقديم الخبرات الفنية والمهنية. أضف إلى هذا نشوب بعض الخلافات والتورط حتى في نزاعات عسكرية بين دول عربية وأفريقية (الحرب الليبية التشادية، النزاع الموريتاني السنغالي، النزاع الإريتري اليمني، الخلاف المصري الإثيوبي..).
وقد تسببت هذه الحالة في تصاعد اتجاهات (حتى في دوائر أكاديمية) تنفي عن عرب شمال أفريقيا الهوية الأفريقية، بتغذية غربية بالطبع. ولكن تصدى لهذا مثقفون وسياسيون وحدويون أفارقة، حيث كتب أحدهم على سبيل المثال: "إن عرب شمال أفريقيا أفارقة ليس فقط بمقتضى وجود بلدانهم جغرافيًا في القارة الأفريقية، وإنما أيضًا لأنهم أسهموا بفعالية في تشكيل العلاقات الاقتصادية والسياسية داخل القارة"(20) .
وبالطبع كانت هناك تيارات ونخب علمية وثقافية عربية لم تكف عن التنبيه إلى خطورة إهمال التكامل الأفريقي، أو التعامل الرسمي/ الشكلي معه بـ "نصف روح"، بل فضلت معظم الدول العربية التركيز على العلاقات الثنائية وليس التعامل مع كيان أفريقي موحد. بينما رأى المثقفون والبيروقراط الوطنيون في البلدان العربية(21) أهمية قصوى للتكامل العربي الأفريقي. فعلى مستوى الأمن القومي العربي هناك الأبعاد الخاصة بأمن البحر الأحمر، ومخاطر حروب المياه (خاصة نهر النيل)، والنشاط الإسرائيلي المحموم في القارة (خاصة بعد اتفاق كامب ديفيد). ناهيك عن الهجرات وسائر التفاعلات التاريخية بين الشعوب. ويمتلك الإقليمان مساحة أرضية وبحرية هائلة، حيث تتوسط رقعتهما العالم وتتمتع بقيم استراتيجية لا نظير لها تقريبًا في العالم. فضلاً عن تمتع القارة الأفريقية بموارد طبيعية غنية ومتنوعة وأيدٍ عاملة رخيصة نسبيًا، بينما تنقص تنميتها رؤوس الأموال والتكنولوجيا المناسبة.
كما شهد العقدان الأخيران دوافع إضافية للتكامل العربي الأفريقي(22) مثل بروز الظاهرة الانقسامية بعد انفصال جنوب السودان، وبوادر أخرى في موريتانيا والصومال، مما ينذر بانفتاح الشهية الانفصالية في قارة تعج بالاختلافات العرقية والدينية واللغوية، وكذا تصاعد التحديات الأمنية ممثلة في الإرهاب والاحتراب الأهلي. كما لاتزال الصورة الذهنية للعربي "كتاجر رقيق" عنصر تباعد بين الإقليمين. بالإضافة إلى التنافس العربي- العربي على الأدوار داخل القارة، وهو ما يضعف الإمكانيات العربية وينقل أجواءً غير طيبة للعلاقات بين الإقليمين. وكذلك تراجع دور العامل الإسلامي في التقريب بين الإقليمين، في ضوء انتشار الأعمال الإرهابية مؤخرًا على الأراضي الأفريقية (بوكو حرام، القاعدة، الدولة الإسلامية...).
وقد ظنت بعض الحكومات العربية الغنية أن جُل المراد منها هو تقديم المساعدات للإغاثة أو بعض المشروعات، لكن غلب علي المساعدات "منطق شراء المواقف الدبلوماسية"، وتقديمها في إطار العلاقات الثنائية بمعزل عن استراتيجية عربية منسقة، بل تم الكثير من المساعدات في إطار مشروعات غريبة لمؤسسات التمويل الدولية (وهو ما جعل المساعدات العربية نفسها غير منظورة). والأسوأ على الإطلاق كان تصور بعض النظم العربية أن بإمكانها تعظيم قوتها الناعمة من خلال توجيه مساعدات كبيرة لجماعات وطوائف مذهبية معينة، الأمر الذي أسهم في إنتاج المزيد من الإرهاب والصراعات الطائفية في القارة(23) .
تذهب كميات مهولة من "الاستثمارات العربية" إلى خارج أفريقيا بينما تنطوي الأخيرة على فرص استثمار كثير ومتنوعة في استخراج الثروات المعدنية، وفي الزراعة حيث تتوافر الأراضي الصالحة للزراعة والمياه (أنهار- أمطار- مياه جوفية) في وقت تستورد البلدان العربية عشرات ملايين الأطنان من الحبوب.
ولم يتوقف الأمر على الاستثمار، فعلى مستوى التجارة كان من نتائج تراجع الاهتمام العربي بأفريقيا أن ظل متوسط صادرات البلدان العربية إلى أفريقيا في الفترة من 1990 إلى 2006 يدور حول ثلاثة مليارات دولار وأن الواردات العربية لم تتجاوز نصف صادرات أفريقيا إلى أسبانيا(24) .
وقد أقرت القمة العربية الأفريقية في سرت (ليبيا) عام 2010 خطة عمل للشراكة الأفريقية العربية، تقوم على مبادئ التضامن والاعتماد المتبادل والمنفعة الثنائية، مع البناء على الإنجازات الإيجابية السابقة للنيباد والتجمعات الإقليمية. وقد تضمنت الخطة تعزيز الاستثمار في مشاريع التكامل الإقليمي القارية والإقليمية الفرعية، وتوسيع التجارة بين الإقليمين، والتعاون في تحديث البنية التحتية والنقل والاتصالات، والتعاون في بناء مجتمعات المعرفة، وتوجيه اهتمام خاص لمشروعات الطاقة، ومعالجة التحديات البيئية وصيانة الموارد المائية ومكافحة التصحر، والتعاون الزراعي بما يكفل سد الفجوة بين النمو السكاني ونمو الإنتاج الزراعي.
وانعقدت القمة العربية الأفريقية في الكويت عام 2013 وصدر عنها إعلان الكويت الذي تضمن 31 توصية، لكنه اتسم بعمومية العبارات المعتادة في مثل هذه المناسبات، مثل النهوض بالتعاون وتكثيف الزيارات والمشاورات وتنسيق المواقف الدبلوماسية ودعم السلام والتنمية بعد حل المنازعات ..الخ. ومع ذلك فقد وردت نقاط مهمة مثل دعوة مؤسسات التمويل الدولية لتخفيف عبء الديون ورفع العقوبات، وتنسيق جهود الجهات المتعددة المعنية بتنفيذ المشروعات المشتركة، وتنسيق المواقف في المفاوضات التجارية الدولية، وتشجيع مشاركة القطاع الخاص والمجتمع المدني، وتنظيم المعرض الأفريقي العربي كل سنتين بالتناوب، وضع برامج صحية متكاملة مع برامج التنمية، تعزيز قدرات مفوضية الاتحاد الأفريقي وأمانة جامعة الدول العربية بما يمكنهما من تنفيذ استراتيجية الشراكة وخطة العمل المشتركة، وإنشاء اللجنة الفنية المشتركة للتنسيق ودعم الاستراتيجيات، وترشيد إقامة المؤسسات الأفريقية العربية المشتركة لتجنب الازدواجية في الجهود والأعباء المالية...
وأهم آليات تنفيذ ومتابعة الشراكة:
- القمة العربية الأفريقية التي تعتبر سلطتها العليا التي يفترض أن تضع السياسات وتصنع القرارات. وتعقد كل ثلاث سنوات.
- لجنة تنسيق الشراكة، وتمثل الذراع التنفيذي لها للرصد والمتابعة والتقييم في الفترة بين اجتماعات القمة، وتضم ممثل عن الرئيس الحالي للقمة الأفريقية العربية والرئيس السابق والرئيس القادم، ورئيس مفوضية الاتحا الأفريقي والأمين العام للجامعة العربية، ويمكن لرؤساء المؤسسات العربية والأفريقية ذات الصلة حضور الاجتماعات كمراقبين.
- مجلس وزراء خارجية الدول العربيو الأفريقية، ويجتمع كل 18 شهرًا لتلقي تقارير الهيئات الفرعية ويجيز برامج عمل ووثائق اجتماعات القمة.
- الاجتماع السنوي بين مفوضية الاتحاد الأفريقي وأمانة جامعة الدول العربية للتشاور في مختلف قضايا التعاون.
- المنتدى الاقتصادي العربي الأفريقي، ويعقد على هامش اجتماع القمة، ويجمع بين المسئولين الحكوميين والخبراء والأكاديميين ومنظمات المجتمع المدني والغرف التجارية.
- المعرض العربي الأفريقي، ويعقد كل عامين بهدف المساهمة في تعضيد التعاون والتعرف على فرص الاستثمار.
- اجتماع وزراء التنمية الزراعية والأمن الغذائي كل سنتين.
- المعهد الثقافي العربي الأفريقي (باماكو- مالي) لتعزيز التبادل الثقافي.
- لجنة السفراء العربية الأفريقية وتهدف إلى تمكين الطرفين من تنسيق المواقف السياسية والدبلوماسية.
ويلوح مما سبق مدى التفاؤل والطموح عند الطرفين في تحقيق التفاؤل، لكن هذه البنية التنظيمية يعيبها التكوين البيروقراطي الثقيل.
...
يتضح من العرض السابق ضرورة التكتلات الجنوبية والإقليمية والإقليمية الفرعية والاتفاقات الثنائية للتغلب على التخلف والتبعية وتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة. غير أن هذا الاستنتاج العام يستدعي بعض الأفكار العامة "برسم الاستنتاج":
¶ التكامل الجنوبي والإقليمي مسألة حياة أو موت بالنسبة لقضية التنمية في أفريقيا كما في آسيا وأمريكا اللاتينية، فهو الضمانة حتى للبقاء بكرامة ورفاه في ظل العولمة النيوليبرالية.
¶ من المفهوم أن التكامل يمكن أن يكون تدريجيًا بسبب ضعف الخبرات السابقة، أو تشابه الهياكل الإنتاجية، أو العراقيل التي تفرضها الضغوط الخارجية، أو استرابة نظم الحكم في التنازل عن جزء من "سيادتها" لصالح قوة فوق الدولة الوطنية. لكن التدرج نحو التكامل لا يجوز أن يقتصر على جانب واحد مثل التجارة أو الاستثمار أو الأمن أو التضامن السياسي..
¶ إذا كان التكامل قرين التنمية فإن كليهما يجب أن يكون "مقاومة".. للمراكز الرأسمالية والمؤسسات المالية والسياسية للعولمة النيوليبرالية، وأيضًا مقاومة لقوى الاستبداد والتخلف في الداخل.
¶ لا تستحق التنمية مسماها مالم تتم بمشاركة شعبية حقيقية، وتصل ثمارها إلى الفئات المهمشة والضعيفة والعاملة قبل أي مصالح أخرى.
¶ لا يجوز أن تكون الاتفاقات الثنائية بين الدول النامية وسيلة للتهرب من الاندماجات الإقليمية أو على حسابها.
¶ يجب أن تكون عملية التكامل ذات فائدة لكافة أطرافه، وعدم السماح بهيمنة عليها من جانب قطب قوي من داخل الإقليم أو خارجه.
¶ يمكن أن تكون التجمعات الإقليمية الفرعية بداية لتكامل أوسع، شرط ألا تتضمن معوقات للتكامل على المستويين القاري أو الجنوبي.
¶ العامل الأهم في نجاح أي تجمع إقليمي هو أن تكون لدى كل دولة إرادة سياسية قوية لاتباع نهج تنموي مستقل وتقدمي وإنساني. بل إن عودة الدولة التنموية هي طوق الخلاص لكل بلدان الجنوب، شرط أن تكتسب هذه المرة طابع المشاركة الشعبية.
¶ على الدول العربية الراغبة في الاندماج أفريقيًا التحرر من الحيز الضيق للهم السياسي أو الأمني أو الثقافي وحده.
¶ على الدول الداخلة في اندماجات إقليمية احترام خيارات بعضها بعضًا.
...
بعد تلك المبادئ "المجردة" نوعًا ما يمكن للكاتب الإشارة إلى بعض التوصيات التفصيلية.
O إعطاء أولوية مطلقة في التعاون التكامل لمكافحة الفقر والأمية والأمراض المتوطنة والمجاعات والكوارث الطبيعية وتنمية المناطق التي ضربتها الحروب والنزاعات، .
O التوقف عن العشوائية في مخططات التكامل، وفي الوقت نفسه ضرورة تخليص الاتفاقات من الصياغات الشكلية والمبهمة وغير المشفوعة بإجراءات تنفيذية مرنة.
O التأكيد على أن مواجهة الإرهاب تتطلب إلى جانب التنسيق الأمني وجهود التنوير، توجيه الجزء الأكبر من ثمار التنمية للشباب والمهمشين ومناطق الفقر.
O الاهتمام بمشروعات البنية التحتية، وتعديل هياكل الإنتاج بما يعيد الاعتبار للتصنيع والاستفادة في ذلك من الثروات الطبيعية والموارد المحلية الأخرى بدلاً من تصديرها بصورتها الأولية.
O ضرورة إعلاء قيمة التخصص لكل بلد في النشاط الإنتاجي أو الخدمي الذي يتمتع فيه بميزة نسبية، مع الحيلولة دون الازدواجية والمنافسة الضارة بين الدول أطراف التجمع المعنيّ. ولا يجوز اصطناع التناقض بين التخصص وبين التنويع الضروري لهيكل الإنتاج في كل بلد. فالتخصص عملية أكثر تفصيلاً.
O ضرورة التنسيق وربما الاندماج بين التكتلات القائمة بما يمنع الطابع الشكلي والازدواجية والتضارب، وكذلك تخليص هذه التكتلات من الهياكل البيروقراطية الثقيلة، وتنقية خططها ووثائقها من الصياغات البلاغية، وحيث يجب تحديد كل مهمة بعلامات زمنية.
O على الدول المنضمة للتكتلات المبادرة بحل مشكلات الهجرة والعمالة على أسس حضارية وتقدمية والمعاملة بالمثل.
O ضرورة أن تعمل الأجهزة الإعلامية والثقافية في كل البلدان على تصحيح الصور الذهنية السلبية لدى شعوب الإقليمين عن بعضها البعض.
O ضرورة بناء مواقف تفاوضية مشتركة قوية إزاء مؤسسات العولمة النيوليبرالية (صندوق النقد والبنك الدوليين، منظمة التجارة العالمي، البنوك والشركات متعدية الجنسيات..).


الهوامش
التكتلات الاقتصادية الافريقية، أفريقيا قارتنا، العدد 6 يونيو 2013، الهيئة العامة للاستعلامات.
2 انظر : محمد محمود الإمام (تحرير) (2005) ، منطقة التجارة الحرة العربية- التحديات وضرورات التحقيق، مركز دراسات الوحدة العربية ومعهد البحوث والدراسات العربية، ص 109 وما بعدها.
3 ابراهيم سعد الدين، "البديل العربي" في : محمد محمود الإمام (تحرير) (1997)، الوطن العربي ومشروعات التكامل البديلة، مركز دراسات الوحدة العربية.
4 تقرير مناخ الاستثمار في الدول العربية (2016)، المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات، الكويت.
5 الإحصائيات التالية مأخوذة من:
African Statistical Yearbook 2016, Economic Commission for Africa.
6 من أشمل وأدق الدراسات التي اطلع عليها الكاتب: عصموني خليفة، التكامل بين المنظمات الإقليمية الفرعية الإفريقية ودوره في تحقيق الوحدة الإفريقية، رسالة دكتوراة، جامعة أبي بكر بلقايد (تلمسان)، كلية الحقوق والعلوم السياسية، 2014/ 2015.
7 مجلس التجارة والتنمية، الدورة التنفيذية الخامسة والخمسون جنيف، ٢-٥ يوليه ٢٠١٢، البند ٢ من جدول الأعمال المؤقت الشراكة الجديدة من أجل تنمية أفريقيـا: الأداء والتحـديات ودور الأونكتاد، مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية.
8 انظر:
Morbi, Joseph (2011), Is NEPAD an effective development organisation?
http://www.e-ir.info/2011/10/26/is-nepad-an-effective-development-organisation/
9 انظر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية مجلس التجارة والتنمية، الدورة الستون ٢٧ سبتمبر ٢٠١٣ –جنيف، التنمية الاقتصادية في أفريقيا- التجارة بين البلدان الأفريقية. وتقرير الأمين العام للأمم المتحدة (2015)، دعم منظومة الأمم المتحدة للشراكة الجديدة من أجل تنمية أفريقيا.
10 انظر على سبيل المثال:
Yaya,Bappah Habibu (2015), "Exploring the Process of Socio-economic Integration in Africa", in: O. Olutayo, Akinpelu and Adebusuyi I. Adeniran, Regional Economic Communities, CODESRIA.
وكذلك: عبد الله الأشعل (2002)، الاتحاد الإفريقي والقضايا الإفريقية المعاصرة، مؤسسة الطوبجى للتجارة والطباعة والنشر، القاهرة. فرج عبد الفتاح فرج (2007) الاقتصاد الإفريقي- قضايا التكامل والتنمية، دار النهضة العربية، القاهرة. محمد عاشور، التكامل الإقليمي في إفريقيا (2007)، الضرورات والمعوقات، معهد البحوث والدراسات الإفريقية، جامعة القاهرة.
11 المصدر السابق ص 12 وما بعدها.
12 انظر: موسوعة التكامل الاقتصادي العربي الأفريقي، التجمعات الإفريقية.. مقومات النجاح ومعوقات التكامل:
http://www.enaraf.org/page/183
13 للتفصيل انظر مثلاً:
Hamdok, Abdalla, (2015), Innovative Financing for the Economic Transformation of Africa, Economic Commission of Africa.
14 المصدر نفسه.
Yongo-Bure, Benaiah, "Regional Development Poles and Self-Sustaining Development in Africa", in: O. Olutayo, Akinpelu, op cit.
وماجد رضا بطرس الاتحاد الإفريقي: الحاضر واستشراف المستقبل
15 https://www.researchgate.net/...African_--union--...Future/.55964a1a08ae99aa62c75d
16 نعتمد أساسًا هنا على:
Economic Commission for Africa (2016), Greening Africa’s Industrialization, Economic Report on Africa.
17 ILO (2015), World Employment and Social Outlook: Trends 2015. Geneva.
18 AfDB (African Development Bank) (2013), “Recognizing Africa’s Informal Sector.” Abidjan, Côte d’Ivoire:
African Development Bank Group. http:// http://www.afdb.org/en/blogs/afdb-championing-inclusive-growth-acrossafrica/post/recognizing-africas-informal-sector-11645/.
19 انظر:
Akinsanya , Adeoye A. (2010), "AfroArab Relations and North Africa", Paper Presented to the Conference on: Regional Integration in Africa: Bridging the North- Sub-Saharan Divide, 5-7 November, Cairo-Egypt. Africa Institute of South Africa and Partners in Development.
20 Eze, Osita C, (1978) ‘Black Africa and the Middle East Crisis,’ Nigerian Journal of International Studies, 2. April.
21 انظر مثلاً : محمد فايق (1999) ، "آفاق العلاقات العربية الأفريقية"، المستقبل العربي، عدد يناير.
22 انظر : أماني الطويل (2012)، العلاقات العربية الأفريقية- ملامح المشهد وتحديات التقارب، مركز الجزيرة للدراسات.
23 انظر أيضًا :
Mattes, Hanspeter (2010), Aftermath of the Sirte Summit: Arab-African Cooperation on the Upswing?, GIGA Focus, No 6, German Institute of Global and area Studies.
24 محمد أحمد المقداد (2009)، "واقع العلاقات العربية الأفريقية في ظل سياسات التنافس الدولي، (2006-1991)"، دراسات، العلوم الإنسانية والاجتماعية، المجّلد 36 ملحق. وانظر أيضًا:
Nyarko, Yaw and Silvana Melitsko, , "Africa and the Arab Gulf: A New Economic and Political Alliance", JAD Journal of African Development, Spring 2010 | Volume 12 #1.