خلايا داعش النائمة ... هل هي نائمة فعلاً ؟

صادق إطيمش
2016 / 11 / 10

خلايا داعش النائمة ... هل هي نائمة فعلاً ؟

يكثر الحديث خلال حرب تحرير ارض وطننا من عصابات الدولة الإسلامية والتي يخوضها الشعب العراقي وكل القوات المسلحة المشاركة في هذه الحرب الدائرة اليوم على مقاتلي هذه الدولة الساقطة، والتي سيخوضها غداً على ما يسمى بالخلايا النائمة التي قد يتركها الدواعش خلفهم لتمارس العمليات الإرهابية التي اصبحت العلامة الفارقة لهذه التنظيمات الدينية الإجرامية. وقد يجرنا الحديث عن هذه الخلايا إلى التقصي عن ماهيتها الحقيقية وهل هي حقيقة داعشية فقط ، وكيف تعمل ومن يدير تنظيماتها المسلحة ويضع مخططاتها الإجرامية ويمدها بالمال والسلاح اللازم لكل ذلك، إلى السؤال عما إذا كانت صفة " النائمة " التي طالما اقترنت بها، تنطبق حقاً على واقعها الذي هي فيه الآن ، اي هل انها حقاً في حالة السكون التي طالما تصاحب حالة النوم، او على الأقل في حالة السكون والترقب انتظاراً للعمل؟
من يراقب الأحداث التي ترافق معركة التحرير من عصابات الدولة الإسلامية عن كثب، محاولاً استجلاء ما قد يكون عليه المستقبل بعد التحرير، قد يرصد كثيراً من الوقائع القابلة للحضور في المشهد العراقي القادم والذي يتطلب تدخل وفعالية الحكماء من اهل العراق ومن ساسته المؤمنين بالهوية العراقية اولاً وآخراً، لا بالهويات التي جاء بها تجار الدين من احزاب الإسلام السياسي الحاكمة الآن ورفاقهم من ادعياء القومية الشوفينية ومتخلفي الفكر المناطقي والعشائري.
فالمشهد العراقي الداخلي ينم عن توجهات دينية وقومية ومناطقية وحتى عشائرية تسعى لوضع اكاليل النصر على رؤوس اتباعها باعتبارهم شكلوا رأس الرمح في عملية التحرير، متناسين دور الجيش العراقي وكل القوات المسلحة النظامية والمتطوعين الذي عكس وجهاً ايجابياً يكاد يختلف عن ذلك الوجه الذي خلفه الإحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 وكل ما تبلور عنه من واقع جديد للتشكيلات النظامية العراقية التي سبق وان استغلتها البعثفاشية المقيتة ووجهتها لقمع الشعب العراقي والتسلط على مقدراته ومجريات حياته اليومية طيلة سنين حكمها البغيض. ولم تكن اصطفافات هذه القوى التي تريد حصاد النصر لها بمعزل عما يسود الساحة السياسية العراقية، منذ ان وضع الإحتلال الأمريكي لوطننا شلة احزاب الإسلام السياسي وشركاءهم على قمة هذه الساحة وما نتج عنه من استمرار التمحور الطائفي وسياسة المحاصصات التي اصبحت الجرثوم القاتل الذي ينخر بوطننا والذي سيأتي على هذا الوطن إن لم يتم التخلص منه ومن مسببيه وما هم إلا شلة تجار الدين ورواد التعصب القومي الشوفيني وكل من ساهم بإذلال المواطن العراقي في مجرى حياته اليومية منذ سقوط دكتاتورية البعث ولحد الآن. وحينما يتم استئصال هذه الجراثيم من جسد وطننا لابد وان يظل التوجه القاضي بجعل القوى الأمنية النظامية هي الوحيدة المخولة بادارة الملف الأمني، لا غيرها ، مهما تعددت وتقدست اسباب هذا البعض للتأثير على العملية الأمنية وبالتالي تنشيط خلايا ارهابية حية تجول وتصول وتنشر الفساد والرعب والخوف بعيداً عن سيطرة الدولة واجهزتها الأمنية النظامية. وهذا ما يشجع بالطبع الخلايا الإرهابية الأخرى التي ستصحوا من نومها ، إن كانت نائمة فعلاً، لتساهم بنصيبها من الإرهاب وبالتالي السعي إلى المزيد من الفتنة الإجتماعية التي تشكل الغذاء الرئيسي لإستمرارية وجود احزاب الإسلام السياسي وشركاءهم في الحكم والتي لا تروق لها اجواء السلام الإجتماعي وعيش المواطن العراقي بامن ورفاه.
اما العامل الخارجي الذي لا يقل خطورة عن العامل الداخلي اعلاه والذي ظل وسيستمر يساهم في خلق خلايا ارهاب جديدة نشطة، بالإضافة إلى تنشيطه لخلايا ارهابية قديمة في حالة التأهب، فسوف يشكل العامل الأساسي الآخر في معالجة الوضع الأمني الذي لابد من معالجته بعد التحرير من ظلام قوى الدولة الإسلامية وارهابها. وهذا العامل الخارجي موجود فعلاً، شئنا ام بينا، ووجوده يتفاعل بكل وضوح مع جميع معطيات العملية السياسية في وطننا العراق، بما في ذلك العملية الأمنية ، طالما استمرت في الحكم عصابات الإسلام السياسي وسراق قوت الشعب وناهبي اموال الدولة من سياسيي الصدفة.
فالسفارة الأمريكية التي تشكل مؤسسة عظمى في قلب العاصمة العراقية وما يتبعها من مؤسسات اخرى في كوردستان والدول العربية المجاورة تمتلك اليد الطولى في توجيه العملية السياسية وبالتالي الأمنية داخل وطننا. وليس ببعيد على المطلعين الدور الذي تنفذه السفارة الأمريكية تمشياً مع مجمل السياسة الأمريكية في خلق مقومات الشرق الأوسط الجديد الذي ستظل سمته الفراغ الأمني الدائم المفضي إلى الشعور بالحاجة إلى الوجود الأمريكي، ليس في العراق وحسب، بل وفي كل منطقة الشرق الأوسط. واستناداً الى هذه السياسة فإن وجود خلايا ارهابية جاهزة ويقظة، وليست نائمة، للقيام بمهماتها الإرهابية متى اقتضت الضرورة التي قد تتجلى احياناً ببعض ملامح الإنفراج على الساحة السياسية او بتقلص العمليات الإرهابية، حيث لا يصب ذلك في تنفيذ المهمات الموكلة للمنظمات الإرهابية التي ستمثل بدورها واجهات دينية او قومية او مناطقية او غير ذلك من واجهات الارهاب الذي يرافق سياسة الاحزاب الحاكمة في العراق اليوم.
وما ينسجم مع السياسة الأمريكية في تنفيذ مخططات الإرهاب في وطننا وبين اهلنا، يتجلى في مواقف وسياسات خنازير الجزيرة العربية وحكام الخليج الذين لم يكتفوا بنهب اموال وخيرات شعوبهم واغتصاب حقوقها في الحرية والعدالة الإجتماعية، بل عملوا ايضاً على ان ينشروا قذارات حظائرهم على المجتمعات العربية الاخرى بما وظفوه من اموال وامكانيات للمنظمات الإرهابية التي لم تكن تشمل القاعدة او داعش فقط، بل اتسعت لتضم فصائل وقوى مسلحة تبنت اسماءً دينية او قومية ايضاً، ظاهرها الدفاع عن مذهب او قومية معينة وباطنها تنفيذ مخططات السياسة الأمريكية فيما يسمى بالشرق الأوسط الجديد. وفي هذه الحالة لا يستطيع اي مراقب جيد للأمور ان يصف مثل هذه النشاطات الإرهابية لهذه الدول بانها تتعلق بخلايا نائمة او غير فاعلة في الوقت الحاضر. انها خلايا معدة إعداداً جيداً وتجري تدريبات يومية على مهماتها الارهابية المستقبلية.
اما السياسة الإيرانية التي وجدت في وطننا لقمة سائغة قدمتها لهاعلى اطباق كبيرة تلك السياسة الطائفية المقيتة لقوى واحزاب وتجمعات الإسلام السياسي فقد اتضحت وتبلورت منذ سنين، تقودها وتنفذها تلك الجهات التي ترى في ايران دولة المُثل الإسلامية، حتى وإن لم تتفق مع نهج ولاية الفقيه في العراق. إن مثل هذا التدخل السافر في الشأن العراقي والمستند على اطروحة وجود الشيعة في العراق، اي اطروحة طائفية بحتة، شجع ويشجع التوجهات الطائفية لدى تجار السياسة اللصوصية في وطننا ولجوء بعض احزابهم المتسلطة على شؤون الدولة العراقية لتحقيق اجندتها الطائفية بقوة السلاح الذي ستهيؤه وتنشره الأموال والمساعدات الإيرانية لهذه الجهات. وهذا يشكل بدوره بؤرة عميقة وهوة واسعة لشق المجتمع العراقي وبالتالي يخلق المحفزات لوجود فرق مسلحة تمارس الإرهاب ضد مخالفيها. ومثل هذه الممارسات سوف لن تتوقف عند الأطراف المختلفة مع بعضها البعض ، بل ستنعكس سلبياً على مجمل الأمن العراقي الذي تتصدى لزعزعته كل الخلايا الإرهابية الأخرى. ومثل هذه الأعمال الإرهابية تمارسها قوى لا يمكن القول عنها بانها خلايا نائمة وهي التي تمارس يوميات العملية السياسية في وطننا من خلال احزابها وتجمعاتها الدينية التي تنضوي جميعاً تحت مظلة الإسلام السياسي واحزابه الفاشلة في العراق.
اما مخاطر العثمانيين الجدد المتمثلة بسياسة الحزب الإسلامي التركي، العدالة والتنمية، والتي كشر فيها اردوغان ورهطه عن انياب اطماعهم التوسعية، فإنها تتفاقم بمرور الزمن وطيلة الفترة التي بدأ فيها هذا الحزب الدكتاتوري الحاكم في تركيا بالتدخل في الشأن السوري كوسيلة من الوساءل التي وظفها لقمع الشعب الكوردي وثورته التحررية ضد هذا النظام العنصري البغيض. لقد حملت السياسة الأردوغانية العثمانية الجديدة في طياتها كل ما يفكر به رواد الإسلام السياسي من هيمنة وسيطرة واستحواذ على الدول التي يتحكمون بمصير شعوبها ومدى استعدادها لإستعمال القوة التي ستفضي إلى الصراعات المسلحة التي تنشأ عنها المنظمات الإرهابية التي تسعى لمواجهة مخالفيها ، كما يفعل الطائفيون والعنصريون الآخرون ، بقوة السلاح وبالتالي في المساهمة في تشكيل وتسليح وتمويل الخلايا الإرهابية التي سيعاني منها وطننا ايضاً طالما ظلت السياسة الأردوغانية الدكتاتورية تنظر بعين الإستحواذ والهيمنة على اجزاء كثيرة من العراق وتسعى من خلال ذلك إلى وأد ثورة الشعب الكوردي في عموم كوردستان والقضاء على تطلعاته القومية والأممية التحررية التي تقودها قوى الثورة الكوردية.
مجمل القول يمكننا الخروج بواقع يشير إلى ان الخلايا الإرهابية العاملة في وطننا اليوم لا تزال تمارس نشاطاتها وتهيئ نفسها لممارسة العمل الإرهابي وإن هذه الممارسات تجري علناً وهي غير نائمة كما يتصور البعض. وستطل هذه الممارسات الإرهابية العلنية قائمة على قدم وساق طالما إستمر وجود القوى الطائفية المقيتة المتمثلة باحزاب وتجمعات الإسلام السياسي والقوى القومية الشوفينية والإصطفافات العشائرية والمناطقية المؤازرة لها على قمة السلطة السياسية في حكومة وبرلمان العراق وفي كل المؤسسات الحكومية والتي تمارس سياسة المحاصصات البدائية التي يعاني منها وطننا واهلنا. وليس امامنا كشعب مغلوب على امره إلا التوجه لكنس كل هذه الحثالات المتحكمة بشؤون وطننا وذلك من خلال الحراك الجماهيري الساعي لبناء دولة المواطنة والهادف إلى جعل العراق وشعب العراق، كل شعب العراق، وهوية العراق في مقدمة اولويات الحياة .
الدكتور صادق إطيمش