شركات الدواء الأجنبية.. ودهس المريض

السيد شبل
2016 / 11 / 10

11 شركة أدوية قطاع عام، تحولت لقطاع أعمال، كانت تؤمّن احتياجات مصر الدوائية حتى مطلع التسعينات، شركات أغلبها تأسست بالخمسينات والستينات، وكان مستواها متقدّم جدًا تقنيًا وعلميًا.. تم إفشالها بتعمّد بالتدريج ضمن سياسات الخصخصة وتصفية القطاع العام كأصول وكدور، وتقلّصت حصتها من السوق لتنخفض من 65% في بداية التسعينات، إلى أقل من 8% حاليًا، بحسب تصريحات مركز الحق في الدواء.. الانخفاض في الحصة، كان لصالح الشركات الأجنبية متعددة الجنسيات وبعض الشركات الخاصة. الصنف الأخير من الشركات، اتّبع أقذر أسلوب لتهميش دور الأدوية إنتاج المصانع الحكومية، حيث تجنب منافستها في السعر، واستعاض عن ذلك برشوة الصيادلة والأطباء بـ"المؤتمرات والرحلات الترفيهية والهدايا والعيّنات المجانية المضافة لصفقة البيع لبيعها وتحصيل أرباحها كعلاوات bonus"، وعليه بدأوا -بعد كسر أعينهم وإسالة لعابهم نحو المكسب الأكبر- بكتابة وصرف الأدوية إنتاج الشركات الأجنبية والخاصة، لدرجة أن حاليًا 10 شركات أجنبية تستحوذ على 56% من حجم التجارة بالأدوية ومستحضرات التجميل. بقية سيناريو إفشال الشركات الحكومية، كانت بالابقاء على أسعارها منخفضة إلى حد غير منطقي، بحيث يكون سعر بيع الدواء يغطي بالكاد 50% من تكلفته، ويكون سعر الدواء الحكومي بجنيه ونصف مثلًا، في حين أن الدواء إنتاج الشركات الأجنبية والخاصة (المصنّع من ذات المادة الخام بالضبط) قد يصل إلى عشرة أو عشرين ضعف هذا السعر، وتخفيض أسعار الدواء الحكومي -بالشكل الحاد والمبالغ فيه- أدى إلى إجهاد الشركات الحكومية، خاصة إذا أضفنا ما سبق الإشارة إليه، من إغماض الحكومة عيونها عن الأساليب اللاأخلاقية التي اتبعتها الشركات الأجنبية لرشوة الصيادلة والأطباء على حساب المريض (شيء مشابه لما تفعله الشركات الأجنبية التي تنتج الشيكولاتة وبطاطس الشيبسي والبسكويت مع أصحاب محلات المواد الغذائية).

المهم جرت في الأنهار مياه كثيرة، غير أن ما أرّق المستثمرون في الدواء، هو قرار التسعير الذي تعمل به وزارة الصحة، منذ منتصف القرن الماضي، ورغم أنه صار مطاطيًا تمامًا وعلى هوى الشركات، إلا أنها ضغطت وضغط بنكها الدولي فحاولت وزارة الصحة التحرر منه في 2010 وقررت إلغاء قرار التسعير الجبري، وربط سعر الدواء بالسعر العالمي، في فترة الوزير حاتم الجبلي، إلا أن الحملات الصحفية المعارضة والدعاوى القانونية المرفوعة ضد الوزارة عطّلت من القرار.

هذا التسعير، تأخذ فيه الشركات الأجنبية والخاصة، حقها كامًلا مكمّلًا، وعندما لا يعجبها الحال، تقوم بتعطيش السوق، فتضطر الحكومة للتدخل ورفع الأسعار، بالضبط كما جرى في مايو الماضي، عندما تم رفع 20% لأسعار الأدوية أقل من 30 جنيه، وتحايلت الشركات ورفعت على الشريط لا العبوة فقط، وكانت المحصّلة ارتفاع أسعار 75% من الأدوية، كل هذا وشركات قطاع الأعمال لا ينتبه أحد إليها، وكان الأولى أخذها في الاعتبار ورفع أسعار أدويتها (المضيّق عليها، أصلًا) والمهمة، والتي يمكن أن تجدها بخمسين قرش، وبالطبع لم تستفد من الـ 20% رفع، لأن نسبة التأثير كانت محدودة جدًا.

ما الجديد اليوم؟

الجديد أن شركات الأدوية الحكومية بدأ يدور حديث، عن علاج أزمتها بطرحها في البورصة (التفاف للخصخصة)، دومًا إفشال متعمد ثم تخلّص حسب كتالوج "اقتصاد السوق والبنك الدولي" لا علاج لأسباب الفشل، هذا من جهة؛ من جهة أخرى، مع ارتفاع سعر الدولار، عادت شركات الدواء الخاصة لحديثها عن تعارض التسعير الجبري مع المادة العاشرة من قانون الاستثمار، والتي تحظر على أي هيئة أو جهة حكومية التدخل في تسعير السلع أو تحديد هامش الربح، ومستندة هذه المرة على حكاية ارتفاع سعر الدولار، وحاجتها لاستيراد 95% من المواد الخام، وغالبًا ما سيتم لي ذراع الجميع وتعطيش السوق حتى تضج الناس، فيكون رفع قرار التسعير الجبري تمامًا، وترتفع أسعار الدواء إلى حد جنوني أكثر مما هو الآن.

ولا عزاء للمرضى