ظاهرة ترامب

ابراهيم الحريري
2016 / 11 / 6

هل آن الأوان للحديث عن ظاهرة ترامب في السياسة الأ ميركية، بل في الحياة الأميركية؟
يمكن التوقف عند بعض الأحداث التي تستوقف النظر.
* لدى إلقاء اوباما كلمته في تأييد هيلاري قاطعه جمهور من مؤيدي ترامب. لم يطلب اوباما، وهو الرئيس الأميركي، من البوليس او من حرسه التدخل لإسكات انصار ترامب، بل ظل يناشد الفريق الآخر السكوت وسماعه.
* في نفس الوقت كان ترامب يتحدث لجمهوره في ولاية اخرى عندما لاحظ صحفيا من انصارهيلاري بين الجموع، طلب من الحاضرين اخراجه (!Get him out)، وكرّرها مرتين. ولا اعتقد ان جمهوره "قصّر"! في تنفيذ اوامر الزعيم.
* صرح ترامب، اكثر من مرّة، ان الأِنتخابات اذا لم تسفر عن فوزه فانه لن يعترف بها، فأيده حمهوره في زعيق حماسي، بل انه جرى التهديد، علنا، باللجوء الى"وسائل اخرى"! قد يكون من بينها العصيان...
* بينما لجأت هيلاري الى تعبئة ماكنتها الحزبية، فان ترامب تجاوز حزبه، بل استهان بقيادنه اكثرمن مرة، لأن اعضاء بارزين في الحزب تخلو عنه، علنا، بسبب فضائحه، ومواقفه الإرتجالية، فيما آثر الآخرون الصمت.
* ألمح ترامب، اكثر من مرة، انه سيلجأ الى تكوين "حركة" جديدة تتجاوز الحزبين...
لنتذكر الظروف التي نشات فيها الحركة النازية في المانيا:
* جمهور متدني الوعي، ساخط على اذلال المانيا بمعاهدة فرساي (التعويضات الخانقة، القيود السياسية والعسكرية التي فرضت عليها الخ...) ما ادى الى افقار المانيا، و انعكس على الحياة اليومية للفرد الألماني.
* زعيم ديماغوغي (هتلر)، استغل مشاعر السخط، ووجهها ضد اليهود، وضد المؤسسات "الديمقراطية البورجوازية" (إذا صح التعبير) القائمة (جمهورية فايمر). وأسّس حركة جديدة (الحزب القومي الإشتراكي الألماني) "النازي" اختصاراً، (حزب البعث العربي الإشتراكي)! كلهم قوميون وكلهم اشتراكيون! (ليس هنا مجال الخوض، بالتفصيل، في الظروف التي ادت الى ظهور الحركة النازية وزعيمها هتلر، في المانيا، وهي اكثر تعقيدا وعمقا).
* من الجهة الأخرى فانه بدا يتكون مثل هذا الجمهور الساخط (مع الفارق التاريخي، الثقافي الخ...) في اميركا.تتنوع اسباب السخط: من الإحتجاج على مفاسد الفئة الحاكمة، الخوف من الإسلام و المسلمين (الإسلامفوبيا) الإحتجاج على تدفق المهاجرين المكسيكيين وغيرهم، الشرعيين وغير الشرعيين، وتأثير ذلك على سوق العمالة، الى المتدينين الذي تستفزهم التشريعات التي تعترف بحقوق المثليين وتبيح الإجهاض، الى المتمسكين بإسلحتهم الفردية (تدعمهم احتكارات صناعة الأسلحة) الى الناقمين على مواقف اوباما "الواقعية"، اذا صح التعبير، في السياسة الخارجية، محملين اياها مسؤولية تدهورقوة وسمعة اميركا في العالم، المشدودين الى زعامة اميركا للعالم (أميركا اولا!)، تقف وراءهم اجنحة من المؤسسة العسكرية واحتكارات صناعة الأسلحة (تحالف المؤسسة العسكرية و الصناعية الذي نبّه الى خطورته حتى ايزنهاور، وهو ظل يلعب ادوارا هامة، تترواح قوة وضعفا، في السياسة الأميركية (ضغط الحركة الشعبية ضد الحرب في فيتنام الخ..، دور الجالس خلف المكتب البيضاوي) احتكارات صناعة الأدوية و"صناعة" الطبابة.
* يضاف الى كل هذه العوامل "ظهور" الزعيم الديماغوغي، الذي انتجته هذه العوامل ذاتها، ويعرف، من الجهة الأخرى، كيف يستفيد منها ويستغلها الى الحد الأقصى.
لا يعني، كل ما تقدم، ان اميركا تسير، حثيثا، على طريق الفاشية، مع ان ثمة جذور لها (الكوكوكس كلان، المكارثية، المافيات الخ...) لكن ينبغي الترقب واتخاذ التدابير الضرورية تحسبا (وهذا امر يعود الى الداخل الأميركي، والى مقاومة شعوب العالم وقواها التقدمية، بالنظر لتأثير السياسة الأميركية في اوضاع العالم بأسره).
لكن يمكن القول، ربما بتحفظ ، ان اميركا، بعد ترامب، فاز ام لم يفز، لن تكون اميركا قبله.
ذلك ان الترامبية (إن جاز الإشتقاق) ليست ظاهرة عارضة، عابرة، في الحياة والسياسة الأميركيتين...
هاملتون - كندا
5/11/2016