الموصل بين الادعاء التركي والحق العراقي

جاسم محمد كاظم
2016 / 11 / 3

خضع العراق لأكثر من 500 عام لحكم بني عثمان ولم يكن العراق اليوم يعرف بتسميته الحالية "العراق الحديث" بل مناطق متناثرة وثلاث ولايات متباعدة عن بعضها البعض الموصل وبغداد والبصرة تقع تحت الحكم العثماني الممثل للخلافة الإسلامية في العصر الحديث .
تحكمت بغداد ببقية المناطق لأنها مقر الحاكم واليها تجبى الضرائب والمركز الرئيسي للجيش العثماني ولازالت أكثر مقرات الجيش اليوم تحمل أسماء تركية مثل القشلة وهي المتحكمة ببقية الولايات أداريا واقتصاديا وعسكريا .
يقطن هذه الولايات خليط عجيب من السكان يتمثل بسكان المدن وعلى مبعدة منهم سكان القرى القريبة من الأنهار وهم الأكثرية الساحقة من الفلاحين والعشائر المتجمعة مع بعضها إضافة إلى البدو الرحل الذين لا يعرفون للوطن من معنى بل يتبعون الماء والكلأ مثلهم مثل عرب الجاهلية قبل 2000 سنة .
أرادت الدولة العثمانية بدعم من ألمانيا القيصرية في نهاية القرن التاسع عشر لهذه الأرض قبل اكتشاف النفط أن تكون مصدرا لزراعة الحنطة ليكون سلة الرغيف المصدرة إلى دول أوربا بسبب وجود الأنهار والتربة الخصبة لذلك بادرت بإنشاء خط بغداد برلين الحديدي والمرتبط بميناء البصرة بعد أن اتفقت ألمانيا مع بريطانيا وتوقيع هذه الاتفاقية قبل الحرب العالمية الأولى بشهر واحد .
اكتشفت بريطانيا النفط قبل غيرها من الدول في هذه المناطق وأنة يتواجد بكثرة في شمال وجنوب هذه الأرض فكان الأمر بالغ السرية في بدايته لعدم استثارة ألمانيا أولا .
ومع بداية الحرب العالمية الأولى أدركت بريطانيا أن أحلامها الذهبية قد تحققت فاندفعت قواتها الاحتياطية المتواجدة في الهند وغير المشاركة بالحرب الدائرة في أوربا لاحتلال العراق الحالي بكاملة بقيادة الجنرال مارشال أولا,ومود بعد ذلك .
كانت موازين القوى أولا في صالح العثمانيين لامتلاكهم ثلاث فيالق من الجند وبطاريات مدفعية ميدان وبعض فرق الخيالة إضافة إلى أعداد كبيرة من العشائر العراقية التي لبت نداء المراجع بقتال البريطانيين لأنهم كفرة على حد زعم تلك المراجع .
متفوقة بالعدد على البريطانيين الذين هاجموا العراق بفيلقين من المشاة المعزز بفرق الخيالة التي لم تستطع المشاركة في الحرب العالمية الأولى بسبب ظهور الأسلحة الحديثة والمدافع الرشاشة والعربات المصفحة التي أوقعت بفرق الخيالة الأوربية خسائر فادحة وتلقت الخيالة الفرنسية حصة الأسد من تلك الخسائر على يد الألمان .
خاضت القوات البريطانية معارك عديدة على طريقة الارتال النابليونية مع القوات العثمانية المتخلفة بالتسليح بدئا باحتلال البصرة عام 1914والناصرية ثم العمارة إلى تطويق الكوت والاندفاع غربا لاحتلال الفلوجة وهيت والرمادي فخاضت معارك ضارية مثل معركة الخالص وخان بغدادي ودورة الخضيري ومعركة الكوت وعبور جسر ديالى ومعركة منطقة شمران حتى دخول بغداد في عام 1917.
ثم اندفعت شمالا لتدمير ما تبقى من الفيلق العثماني ال18 والفيلق ال3 القادم من إيران بسبب الضغط الروسي .
أعلن البريطانيون على لسان الجنرال مود أنهم جاءوا محررين لافاتحين ليزيلوا نظرة الشك التي لحقت بهم بسبب فتوى مرجعيات النجف بأنهم كفرة يتوجب قتالهم وطالبوا بإرجاع العراق تحت حكم الأتراك حتى بعد جلوس فيصل على العرش كما يقول اسحق نقاش في كتابة شيعة العراق .
ولقد تم تقسيم العراق بموجب الاتفاق السري بين بريطانيا وفرنسا تبعا لاتفاقية سايكس-بيكو السرية وموافقة القيصر الروسي وحصلت فرنسا على الجزء الأكبر من الجناح الغربي سوريا ولبنان ومنطقة الموصل في العراق.
أما بريطانيا فامتدت مناطق سيطرتها من طرف بلاد الشام الجنوبي متوسعا بالاتجاه شرقا لتضم بغداد والبصرة وجميع المناطق الواقعة بين الخليج العربي والمنطقة الفرنسية في سوريا.
انتهت الحرب العالمية الثانية رسميا باستسلام ألمانيا في 8-8 -1918وفي هذا الوقت لم تستكمل القوات البريطانية احتلال كافة الأراضي العراقية وبقيت ولاية الموصل ضمن الأراضي العثمانية .
وقّعت الدولة العثمانية مع البريطانيين معاهدة مودروس في 30 أكتوبر 1918بوقف جميع أعمال القتال والعداء بين البريطانيين والعثمانيين.
و بعد ثلاثة أيام من هذه الاتفاقية في 2 تشرين الثاني1918 قام الجنرال مارشال قائد الفيلق الأول باحتلال ولاية الموصل واستكمال احتلال كل الأراضي التي سميت لاحقا بالعراق في 15 تشرين الثاني من نفس العام .
وفي أغسطس 1920 تم التوقيع على معاهدة سيفر التي أنهت الحرب العالمية الأولى نهائيا وحددت تقسيم الأراضي تبعا للخارطة الجديدة وهنا اعترض العثمانيين على بريطانيا لسيطرتهم على الموصل بشكل غير قانوني بعد معاهدة مودروس التي أنهت القتال وكل الأعمال العدائية بين الطرفين وان هذه الأرض يجب أن تبقى تحت السيادة العثمانية تبعا لنصوص المعاهدة .
وظلّت تركيا تحتج أن بريطانيا سيطرت على ولاية الموصل بشكل غير قانوني وبعد الثورة التركية على دولة بني عثمان وتأسيس تركيا الحديثة بقيادة مصطفى اتارتوك اعتبرت تركيا الجديدة الموصل واحدة من القضايا الحاسمة .
وعلى الرغم من المقاومة المستمرة تمكنت بريطانيا من طرح هذه القضية في الساحة الدولية وتوسيع نطاق ذلك وصولاً إلى جعلها مشكلة حدود بين تركيا والعراق.
طرحت القضية على عصبة الأمم وعينت لجنة تحقيق دولية توصلت في النهاية بأن تعود ملكية الموصل إلى العراق بسبب التركيبة السكانية من الكرد والعرب فأُجبرت تركيا على قبول القرار على مضض من خلال التوقيع على معاهدة الحدود مع الحكومة العراقية في عام 1926على أن يدفع العراق بالمقابل إتاوة 10 في المائة من الودائع النفطية في الموصل إلى تركيا لمدة 25 عاماً.
و أرادت بريطانيا من هذا الإجراء امتصاص الغضب التركي على قرار عصبة الأمم، فقاموا بأعطاءهم جزءاً من عائدات النفط وبقيت سيطرة البريطانيين على موارد الموصل على الرغم من أنها أعطت سيادتها السياسية إلى فيصل الأول وتأسيس المملكة العراقية وترسيم الحدود بين العراق وتركيا تبعا لخط بروكسل عام 1926 وتوقيع تركيا على ذلك واعترافها رسميا بالعراق كدولة ذات سيادة بعد ذلك بعام واحد .
ومع تصريحات القادة الأتراك الجدد بإلغاء معاهدة 1926 وخط بروكسل والادعاء بأحقيتهم بامتلاك الموصل فان العراق الحديث يبقى علامة فخر تسجل بحق وزير المستعمرات البريطاني الشهير ونستون تشرشل فإلية يرجع الفضل بخلق هذا الكيان العراقي الحديث كما يقول اريك لوريان في كتابة حرب الخليج :-
"إن العراق لم يخلقه الله بل صنعة ونستون تشرشل أنة نوبة جنون أصابت عقل تشرشل فجمع بين مناطق للنفط وجمع ثلاث من الشعوب ليس بينهم جامع من الكرد والشيعة والسنة"
ليكون بالتالي مملكة العراق ذات النفط الهائل الصانع للتاريخ والمحرك لقلب البشرية للمئات من السنين القادمة .

///////////////////////////////////////
جاسم محمد كاظم