الجيل الجديد بين الأهل والمجتمع الأبوي والأنظمة الرأسمالية

ريم شطيح
2016 / 10 / 30

تلعب البيئة والأهل دوراً مهماً في عملية تكوين شخصية الإنسان، وفي حين يعمل الأهل جاهدين لتربية أولادهم ورعايتهم وتأمين معيشتهم؛ يعملوا أيضاً وعن تعمُّد على صناعة جيل نسخة عنهم بفرض أفكارهم ومعتقداتهم عليهم غير معتبرين اختلاف الأجيال والمعرفة والانفتاح الذي يعيشه جيل اليوم، فالوصول للمعلومات بوجود التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة اليوم أصبح سهلاً مقارنةً مع الأجيال السابقة، وهذا ما يدعم سرعة الاطلاع والمعرفة وكميّتها وقيمتها أيضاً؛ حيث لا ننسى أنّ المعرفة أسيرة أدواتها.

تكلّلت علاقة الأهل والأولاد بكثير من الجدل والصراع ولا شك من الحب والرعاية أيضاً. إلاّ أنّ الصراع القائم بين القديم والحديث؛ بين أفكار الأهل وأفكار الأولاد أدّى لخَلق فجوة بين الجيلين، هذه الفجوة نتيجة النِّزاع والأحكام والاتهامات التي يوجّهها كل منهما للآخر.

من هنا، لا بدّ من الإشارة إلى القمع والتبعية التي مارسها الأهل والأجداد على الفئة الشبابية المُتطلِّعة لغدٍ أفضل وحياةٍ حُرّة بمفهوم مختلف أكثر حداثة وليونة فِكرية فيها نزوع للحرية والتطوّر والانفتاح. أسلوب الأهل ناشئ من فكرة المجتمع الهرمي، والذي يعتبر بمقولة (أكبر منك بيوم أفهم منك بسنة)، وهي لاشك نظرية غير دقيقة وغير مقنعة ترافقها المئات من الأقوال والأمثال الشعبية غير المفيدة والتي تُعزّز التبعية والانهزامية وتساهم بدعم الأفكار التي تمنع حركة التطوّر.

عمل الأهل والكهول بشكل خاص على كبت الشبيبة وفرض الطاعة عليهم لكلّ كبير في الأسرة سواء للأب أو العم أو حتى الأخ الكبير، وهناك مَن سُمِي بكبير القوم أو كبير القبيلة والذي يقدّم (يفرض) حلولاً على أهوائه مُتمسِّكاً بالموروث الثقافي للقبيلة ليُبقي النهج كما هو؛ ما عمل على زعزعة اندفاع الشباب بأفكارهم الجديدة وطاقتهم وإبعادهم عن نهجهم المختلِف وعن مشروع تغييري قد يُطيح بالمجتمع القديم وبأفكار موروثة وعادات وتقاليد لم تقدّم شيئاً إيجابياً للبشرية.

تُفرَض أفكار الأهل على الأولاد بالقوة والعنف حيناً، وبالإقناع حيناً آخر سواء من خلال الدين أو استخدام العلم أو بالحيلة على أنّ هذا لصالح الأسرة وحمايتها وغيرها من الأساليب، تماماً كما عبّر عبد الله القصيمي في قوله (كل الشعوب تلد أجيالاً جديدة، إلاّ نحن نلد آباءنا وأجدادنا، وذلك بغرس طبائع آبائنا وأجدادنا بهم وحثّهم ومطالبتهم بالتمسك بها والحفاظ عليها؛ ولذلك فشعوب العالم تتطوّر ونحن نتخلّف).

إنّ واقع التربية الأسرية في المجتمع التقليدي هو واقع مهزوز وغير سليم، حيث يقع الجيل الجديد بين مَطرقة الأهل والمجتمع الأبوي وسندان الأنظمة الرأسمالية والاستبدادية من سياسية ودينية، هذه الأخيرة- سياسية ودينية -التي كرّسَتْ القمع والديكتاتورية في المجتمع لمحاربة أي فِكر تحرري ينزع نحو الحرية والديمقراطية والعيش الكريم. إنّ العلاقة بين الآباء والأبناء (من الجنسين) التي تختصرها مقولة صراع الأجيال ليست إلاّ نتاجاً للعلاقة بين المواطن والدولة؛ بين الإنسان والسلطة الدينية، فالكل محكوم بمن فيهم الأهل بأفكار السالفين تحت وطأة عباءة المجترّ من الفِكر بشِقَّيه اللاهوتي والإنساني، لهذا فالمجتمع بأسره يمارس القمع على الآخر سواء ضمن الأسرة الواحدة أو في العمل وباقي مناحي الحياة.

من الضروري أن يفهم الأهل أنهم يُخطؤون بحق أولادهم عندما يُقحِمون أفكارهم بالقوة وعاداتهم وتقاليد زمنهم على أولادهم الذين يمثِّلون الجيل الجديد. لهذا، في المجتمعات التقليدية، نرى حركة التطور على الصعيد الاجتماعي بطيئة جداً وفارغة من المضمون بسبب وقوع الأفكار التقدمية بين كفَّيّ كماشة الأهل والمجتمع، يدعمهم في هذا هزالة القوانين وقبضة الأمن العشوائية وسيطرة السلطة الدينية وتدخّلها في كافة مناحي الحياة.

الإنسان هو مَن يبني المجتمع، وهو مَن يقود التغيير نحو الأفضل، ولهذا، فبناء الإنسان يتطلّب مجهودات عالية مؤمنة بضرورة التحرر من الأفكار الموروثة من أجل التطور، بفتح الباب أمام الجيل الجديد ليوظّف أفكاره التقدمية في المجتمع من دون قمع وبرفع وصاية الأهل الاستبدادية وضرورة تعريف الأهل أنهم ليسوا دائماً على حق، وأنّ المحبة واحترام الأهل ليسا متساويَين مع الطاعة، الطاعة تخلق نفساً انهزامية؛ الطاعة ليست دليلاً لمحبة، كما التمرد لا يعني عدم المحبة والانتماء. إذا كان الأهل على خطأ فالطاعة لهم هنا ليست إلاّ خطأً أكبر، وليس احتراماً على الإطلاق أن تطيع مَن يقودك إلى الطريق الخاطئ. قول كلمة لا هي ثقافة مهمة على الأهل استيعابها وتعزيزها من أجل أن يقولها الأولاد للظلم والاستغلال من أي جهة.

من هنا أوجِّه نداءً للأهل وأقول: أيها الآباء والأمهات، علّموا أولادكم وبناتكم ألاّ يستسلموا للظروف أو الأشخاص العِدائيين. ازرعوا فيهم حِسَّ التمرُّد؛ علّموهم أن يقولوا (لا) في وجه أيّ حاقدٍ شرّير. الأخلاق والمحبة من دون القدرة على اتّخاذ قرار تَفشل، حيث إنّ أي قيمة إنسانية بحاجة لدعمها وتعزيزها كي يستطيع الإنسان تطبيقها، وإلاّ ما نفع الأخلاق إذا لم نستطِع أن نقول لا للشر، لا للظلم، لا للانتهاكات؟!

كي نصل لمجتمع إنساني وديمقراطي؛ علينا إعادة تقييم لمفاهيم كثيرة سائدة غير دقيقة وغير سليمة كمفهومي الطاعة والاحترام وربطهما الدائم بالمحبة والانتماء فيما يخصّ علاقة الأهل بالأبناء وتسلسُل هذه العلاقة في المجتمع. إعادة التقييم والتغيير هو التحرر من كل هذه الانتماءات مع إبقاء المحبة هي الرابط الأساسي والضامن لأي علاقة.
ريم شطيح - كاتبة وباحثة سورية