ما بين دعاوى اغتيال الشخصية ومحاولات نحر الحزب الشيوعي

تيسير حسن ادريس
2016 / 10 / 30


المبتدأ:
عندما تعصف الأهواء الذاتية تزلزل منصات ارتكاز المناضل وتفقده الحصافة والمنطق فلا يعود يرى إلا من منظور تلك الأهواء، فمن الحكمة والرشد أن يراجع الثوري في كل حين ومرة منطلقاته المبدئية، ويحاول ما استطاع تجنيبها شر السقوط في فخ تلكم الأهواء.
والخبر:
(1)
في المنعطفات التاريخيةِ الحادة، وحينما يحمى وطيس الصراع الطبقي على الثوري الماركسي، أن يكون باردَ الذِّهنِ طويلَ النفس وصبورَ؛ فدروب نضال الشيوعي ليست سهلة وليالي كدحه ليست حالمة، وهو طريق يختارُه الفردُ طوعًا منفردًا، وعليه تحمل تبعات هذا الخيار سقوطا ونهوضا وتدافعا بمناكب الرؤى الفكرية، وأحيانا بسنان ما تيسَّر من مقدرات وقدرات أخرى، المهم في الأمر هو الإيمان بأنَّ كيانَهُ الثوري وُجِدَ ليبقى، وقد فرضت وجودَهُ ظروفٌ موضوعيةٌ قائمة، وستظلُ حتى زوال الواقعِ الذي منحه مشروعية الوجود.
(2)
غَادَرَتْ قبل أيام مجموعةٌ من الأطباءِ الشيوعين مضاربَ حزبِهَا مغاضبةً، وإلى هنا فالموضوعُ عاديٌّ ويحدثُ من حين لآخر داخل الكِيانات الماركسية، خاصة عند المنعطفات الحادة في مسيرتها، وهي التي تتخذُ من مبدأ الصراع الفكريِّ مرتكزًا أساسيًّا لتنظيم شؤون حياتها الداخلية بَيْدَ أنَّ الغريبَ والجديدَ في أمر خروج ثلةِ الأطباءِ كانت الطريقة التي اختيرت لهذا الخروج، والتي تخالف النهجَ المتعارف عليه لحد خرقها المباشر لدستور الحزب الذي أسهم الكثير من المغادرين في تأسيس وإجازة بنوده، ففي صدر قائمة الأسماء المغادرة تربع اسم البروفسور مصطفى خوجلي الذي عاصر تاريخيا وطوال ما يناهز الخمسين عاما مسيرة إعداد وإجازة دساتير الحزب الشيوعي السوداني في مختلف مراحل تطورها، ويعلمُ بكلِّ تأكيدٍ - خيرًا من كاتب هذه السطور- أنَّهُ ينصُّ على أنَّ الانتماءَ للحزبِ مثلما هي مغادرته تحدثان بصورة فردية، فَمَا الْجَديدِ الذي دفعَ البروفسور لنقض غزلٍ من نسج يَدَيْهِ، وتصدَّرَ قائمة استقالة جماعية منافية للدستور والتقاليد المتبعة، رفعت لقيادة الحزب الشيوعي، ووُجِّهَتْ صورة كربونية منها – حسب منطوق خطاب الاستقالة - إلى الشعب السوداني ؟؟؟!!.
(3)
وعلى إثر الاستقالة الجماعية التي أريدَ لها أنْ تكونَ لافتةً للنظر إعلاميًّا زادَتْ وتيرة الحملة الشرسة الموجهة ضد الحزب الشيوعي وقيادته إسفيريا، ومن أعلام النظام الذي أوردت بعض قنواته التلفزيونية خبر الاستقالة في صدر نشراتها الإخبارية، رغم حرج المرحلة التي تمر بها البلاد، والتي تزامنت مع اضراب أطباء السودان الذي هز هيبةَ النظام المتغطرس ولا يجد المرء مُبررًا مقنعًا لنهج هذه الاستقالة سوى أنه لم يُرَدْ لها أنْ تكونَ مجردَ استقالةٍ والسلام؛ بل أريدَ من وراءِ نَهْجِهَا المستحدثِ إعلان موقفٍ متكامل، والانتقال كليا من محطة الحزب الشيوعي إلى محطة جديدة تتسق والتوجهات الفكرية لأصحابها؛ خاصة ومنهم من ظل ينادي منذ زمن ويغرد خارج الأطر التنظيمية بضرورة التجديد والعصرنة، وتخفيف قبضة اللائحة الخانقة، بما يتلاءم ودعاوى تخفيف الحمولة الفكرية التي اجتاحت بعض التيارات الماركسية التي لم تستطعْ احتمال احباط انهيار التجربة الاشتراكية نتيجة اهمالها البحث وتقصي الأسباب التي أدت لذلك وركونها لسهولة قرار ركل جَمَلِ الماركسية بما حمل، والاكتفاء بحمل نتف من أشواق برنامج العدالة الاجتماعية لعلها تجد له قالبا جاهزا من قوالب الليبيرالية الجديدة يصب فيها لتريح وتستريح من رهق طريق النضال الثوري الراديكالي.
(4)
وخلاصة الأمر أنه وبعد انجلاء غبار الاستقالة وتدقيق النظر فيما جرى نجد ألا شيء فيها يعتد به والقضية في جوهرها ضيق صغار البراجزة بأطر الضبط والربط اللائحية وهي ظاهرة ليست جديدة ولا مستحدثة في حياة الحزب كما أنها كظاهرة ملازمة لمكنيزم الصراع داخل الأطر الماركسية ليست حصرا على الحزب الشيوعي السوداني دون غيره وهو شيءٌ مفهوم ولكن ما لا يستطيع المرء استيعابه هو كيف يمكن أن يقود خلافٌ حول توجهات الحزب وسياساته أو حتى منهج إدارته الداخلية في مرحلة ما شيوعيا ملتزما مكتمل القناعات إلى ركل قناعاته على مؤخرتها والمغادرة عوضا عن الثبات والنضال من أجل تصحيح ما يراه خطأ وكيف يمكن تحويل صراع داخلي حول مناهج إدارة الحزب إلى صراع تناحري فالأصل في الصراع الداخلي من منظور ماركسي هو إعادة إنتاج وتراكم وعي جديد؛ ولكن فيما يبدو أن اختلال هذه المفاهيم تفقد الفرد تدريجيا البوصلة وتجعله تلقائيا منشغل بملاحقة التناقضات الثانوية انتصارا لذاته ومنصرفا كليا عن منافحة التناقض الرئيس لحد اهمال قضايا الجماهير التي يدعي الدفاع عنها والتضحية بالكيان المتصدي لحل همومها؛ بل ونحره إن اقتضى الأمر.
(5)
لا يستطيع احدٌ أنْ ينكرَ وجودَ تياراتٍ داخلَ الأحزاب الماركسية، والحزبُ الشيوعيُّ السوداني ليس استثناءً، فقد ظلت هذه التيارات تاريخيا وطوال مسيرته العاصفة موجودة وممثلة داخله، وهي ليست مشكلة متى ارتضى ممثلي هذه التيارات دستور الحزب والنظم الناظمة لحياته الداخلية ولم تهدد وحدة الإرادة والفعل وراعت في نفس الوقت ضرورة طرح توجهاتها داخل المواعين المتعارف عليها والصراع من أجل تحقيقها بأدوات الصراع التي تقرها لوائح الحزب ولكن تبرز المعضلة عندما تتضخم ذوات أفراد هذا التيار أو ذاك، ويعتقدون بأنهم قد غدوا أكبر من مؤسسات الحزب ودستوره فلا يعترفون بمخرجات المؤتمرات التي كانوا شركاء ممثلين داخل أروقتها ويشككون في ما أفرزته من وثائق وقيادات حينئذ يصبح وجه الحزب ليس وجههم ولا وجهته وجهتهم ويتم الفراق بمناجاة صريحة أو ذات ضميرٍ مستتر.
(6)
من الطبيعي أن تصطرع الآراء داخل الحزب ويحسم مؤتمره العام هذا الصراع ليخرج الجميع من بعد المؤتمر موحدى الفكر والإرادة وعلى أصحاب الآراء المخالفة الخضوع لمخرجات المؤتمر والعمل وفق الرؤية التي تم التواضع عليها ديمقراطيا وهذا ديدن الأحزاب الماركسية فالصراع الفكري ميدانه أروقة الحزب لأن عضوية الحزب هي فقط المعنية بتفاصيله والفيصل والمرجعية دائما وأبدًا بِيَدِ المؤتمر وحده والذي بعد اختتام مداولاته ولحين انعقاد المؤتمر التالي يبقى لزاما على الجميع العمل وفق الرؤيا والبرنامج الذي صاغته الأغلبية مع حق الأقلية المتحفظة أن تحتفظ بأفكارها ولا بأس من أن تعاود التبشير بها داخل الأطر التنظيمية وتحاول اقناع العضوية دون المساس بهيبة المخرجات المقرة في انتظار انعقاد المؤتمر القادم، وهذا هو المكنيزم الناظم لنشاط أي حزب شيوعي، وهو ما يميز الحزب الثوري عن بقية أحزاب اليسار الاصلاحية.
(7)
لقد ناصب العديد من مغادري الحزب الشيوعي ضمن القائمة قيادة الحزب الشيوعي بعد رحيل السكرتير السياسي السابق الأستاذ محمد إبراهيم نقد وقد اشتعل فتيل العداء مباشرة بعد اختيار السكرتير الحالي المهندس محمد مختار الخطيب وعلى الرغم من أن الاختيار لم يتم تعينا بل تم في اقتراع سري ديمقراطي إلا أن نهج الاختيار الديمقراطي لم يشفع أو يهدي من ثائرة البعض والملاحظ أن جلهم من الذين يكثرون البكاء على الديمقراطية ويلعنون صباح مساء المركزية الديمقراطية الذي يعدونها أم المعضلات الجالبة لكل شر وهم بهذا الادعاء إنما يتوارون خلف حقيقة تعظيمهم الفرد (الكاريزما) ويدخلون في تناقض حاد مع النفس وقد أهرق العديد منهم طوال الفترات الماضية بحور من المداد في تقريع القيادات التاريخية متبرمين من طول بقائها في القيادة حتى تجاوز تبرمهم حد المتعارف عليه من أدب النقد وشط ليدمغ تلك القيادات وينعتها بأشد الألفاظ قساوة (ديناصورات)!! ولما جاءهم رجلا من أقصى عمق القواعد يسعى واعْتَلى سدة القيادة ديمقراطيا استنكروا عليه ذلك؛ بل ركلوا الديمقراطية التي يتمسحون بها ويردونها مبرأة من المركزية وأخذوا يتخبطون بحثا عن كاريزما جديدة لا يرون لها ملمحًا في القادم من عمق الحركة النقابية غير مكترثين لخطورة هذا التوجه ولو أدى لنحر الحزب نفسه وتفكيكه قربانا على عتبات رغائب مستحيلة.
(8)
لقد سقطوا في فخ الترصد المقصود الذي يفقد صاحبه المصداقية فهؤلاء نفسهم الذين يثيرون عاصفة نقد القيادة الحالية ظلوا طوال ما قبل وبعد المؤتمرين الخامس والسادس يقتلون النفس بكاء على حلم القيادة الجماعية المتحررة من قبضة الزعيم ويتغنون بمحاسنها وبأنها هي المنجية للحزب والمنشطة لإيقاع رتمه الذي هوى في الرتابة وتقزَّم، ولكن يبدو أنهم قد نسوا أن يذكروا أن القيادة الجماعية المرادة يجب أن تكون على قياس تيار بعينه، كشفت مداولات المؤتمر السادس ما كان خافيًّا من مخططاته الرامية لاختطاف الحزب من أحضان هموم طبقته ونذره مفتوحا على مصراعيه أمام طموحات صغار وكبار البرجوازية وأحلام الليبيرالية الجديدة، ومن هنا كان لا بدّ لمعاول الهدم أن تطالَ أول ما تطال الدرعَ الوقائي للكيان الثوري وتحاول أن تصيبه في أعز ما يملك من عتاد مبدئي (مبدأ المركزية الديمقراطية والصراع الفكري المنضبط داخل الأطر التنظيمية) وكان لا بدَّ لهذه الهجمة المراد من ورائها التأثير في أكبر قطاع من العضوية لكي تنجح أن تكون مغلفة بغلالة ناعمة من عينة مواكبة عصر الثورة التكنلوجية وضرورة استغلالها لتوسيع مواعين طرح الآراء والنقد حتى لو قاد ذلك لبقر أحشاء الحزب ونشرها طازجة في الوسائط الإلكترونية أمام سرب ذباب الأجهزة الأمنية لتنهل منها كل منهل وتستغلها لنحر الحزب الشيوعي وهدم هياكله.
(9)
عموما ليس المقصود من هذا المقال الدفاعَ عن القيادة الحالية ولا مواقفها؛ فهي أقدر على فعل ذلك، كما انه ليس معنيٌّ بتبرئتها من الأخطاء، بقدر ما هو حريص على احترام مخرجات أعلى سلطة حزبية ممثلة في المؤتمر العام، الذي أتى ديمقراطيا بطاقم هذه القيادة التي لم تهبط من السماء، ولم تستولِ على زمام الأمر عنوة بانقلاب مسلح، وكما أنه حريص في الوقت نفسه بحماية واحترام الدستور والبرنامج والخط السياسي المجاز الذي تم التوافق عليه، أما محاكمة حصيلة كدح القيادة ومدى صلاحية البرنامج والخط السياسي وحتى الدستور المجاز، فلذاك ميقات معلوم ومحتوم ثبت أصله في لوائح الحزب التي تعلو ولا يعلى عليها من عضو، لاشك أن فقد الحزب لنفر عزيز كانت لهم إسهاماتٌ ونضالاتٌ مشهودةً هي خسارة فداحة إلاَّ أنَّه ومن صلب مخاض مثل هذه التجارب القاسية يتخلق واقعًا تنظيميًّا أفضل، تستعيد معه هياكل الحزب حيويتها، وهي تغادر محطة المشاكسات متوجهة بكل جهدها نحو التناقض الرئيس، وقطار الحزب يمضي حثيثا في اتجاه رحاب المؤسسية والقيادة الجماعية.
** الديمقراطية قادمة وراشدة لا محال ولو كره المنافقون.
تيسير حسن إدريس 29/10/2016م