رؤية نقدية في قصائد الشاعرة عائدة الخطيب

عمر عتيق
2016 / 10 / 27

رؤية نقدية في قصائد الشاعرة عائدة الخطيب
د. عمر عتيق
تمثل قصيدة (خطاب القلب ) احتقانا عاطفيا ينتظر البوح ..هي قصيدة أمنية سجينة في خلجات القلب ، فالشاعرة ترسم صورة للأشواق التي تتمنى أن تتفتح براعمها على شرفات اللقاء ، لكن الخوف والترقب والمخاطر تحول دون تفتح تلك البراعم ، وهي الصورة تشكل قضية انسانية وجدانية ، فكم من الناس يضطرون إلى حبس أمنياتهم في قوارير الانتظار ، وكم من الأشواق تتحول أشواكا تدمي وجنات القلب . نحن بحاجة إلى ثقافة تطلق سراح أمنياتنا وتحرر وجداننا دون خشية من رقيب يكره لغة الحب ، ودون أن نخفي مشاعرنا وكأننا نخفي عيوبنا . فقول الشاعرة (ومناي أن ألقى الحبيب/ برغم إعصار المخاطر) يكشف أن لقاء الأحبة أضحى في ثقافة بعضهم إعصارا يهدد استقرارنا وسعادتنا على الرغم أن المعادلة عكسية ؛إذ إن الأصل أن يكون لقاء الأحبة تتويجا للسعادة وتحقيقا لإنسانيتنا ، لكن التلوث الثقافي يجعل عاطفة الحب مقامرة في قول الشاعرة(يا قلب ماذا لو تقامر) قد تكلف صاحبها ثمنا باهظا . وعطفا على ما تقدم أرى أن القصيدة تتجاوز فضاء الأشواق وخفقات القلب إلى الدعوة إلى إعادة صياغة مفهوم الحب في مجتمعنا .. الحب الذي يسكن محار قلوبنا ويُشرق في عيوننا لكننا لا نجرؤ في الغالب على البوح به وممارسة طقوسه كما تقتضي طبيعتنا الإنسانية . وعلى الرغم من أن التلوث الثقافي يحاول إجهاض براعم أشواقنا في أعماقنا فإننا لا نرفض دائما هزيمة قلوبنا وهذا الرفض يتجلى في إلحاح الشاعرة على التمسك بحلم قادم ونبض يُسمع صداه ولو بعد حين ، وهدا الإلحاح أو الإصرار تعبر عنه سين المستقبل في قول الشاعرة ( سأظلّ أحيا حبّه/ سأظل أطرق بابه/ سأحبّه ما دمت قادرْ .)
وللشاعرة قدرة لافتة على تكثيف المعنى واختزال الصورة بكلمات معدودات ، وهو ما يُعرف بشعر التوقيقة أو التوقيعات التي تشبه ومضة سريعة لكن قدرتها على الإضاءة والكشف والتأثير والإثارة تفوق قدرة القصيدة الطويلة ، نحو الومضة في قولها :( يفتح ذراعيه ليضمني/ أهرب... ألتفت ورائي/ فأرى الفرح يمدّ لسانه/ ويهرب ...) فالومضة مفعمة بالدلالة من خلال مسهد حركي متوتر يتوزع على فتح الذراعين والهروب والالتفات ثم الهروب ثانية . وتختزل هذه الصورة المتعددة الأبعاد حركيا إشكالية علاقة الإنسان بما يسمى الحظ ، فقد يأتينا الحظ طارقا أبوابنا فنوصد الباب في وجهه ، وقد يمضي العمر ونحن نبحث عن عنوان سعادتنا دون أن نجده . هذه إشكالية وجودية يتصارع فيها العقل مع القلب دون جدوى .
وتميل الشاعرة في قصائد التوقيعات إلى الدعابة ورسم الابتسامة على شفاه قلوبنا نحو توقيعة (اشتراكية أنا) في قولها :( أحب الاشتراكية/ على أنواعها/ إلا واحدة/ أن تشاركني / أخرى في هواك ....) فالقلب الكبير الذي يتسع لعذاب الإنسانية جمعاء يضيق عن استيعاب امرأة أخرى .وكأن الشاعرة تعيد صياغة مشروعية الأنانية في الحب وفق الخطاب الثقافي السائد ، فمن البدهي أن يكون الإنسان أنانيا في حبه ، وإنسانيا عطوفا رؤوفا في تعامله مع الآخرين .
ويتحول الحب من إحساس مألوف إلى هوية في توقيعة (جواز سفر) إذ إن الحب ليست حرارة مشاعر ولا خفقات قلب ..بل هو وطن يُجسد لنا السكينة والفرح حينما يتحقق تفاعل بين الطرفين . وتوقيعة (جواز سفر ) تطرح إشكالية وجدانية وتثير سؤالا : لماذا يعجز الإنسان عن نسيان الحب ؟ ولماذا لا يقبل البديل ؟ سؤالان يعجز العلم عن الإجابة عنهما ، ولا يجد تفسيرا للتمسك بشعور نبيل ولو أدى هذا الشعور إلى الدمار .
في قصائد الشاعرة تقنيات فنية لافتة وبخاصة الصور الاستعارية التي تحول المعنى المألوف إلى معنى استثنائي ... وهذه هي الوظيفة الأساسية للشعر ..الوظيفة التي تعمق إحساسنا بالحياة ، وتفتح لنا نوافذ للتأمل ..كنا نظنها لا تُفتح .