خيال الذات وتحولات الهاجس في قصص الهمبول: حوار مع الروائي عماد البليك

حكمت الحاج
2016 / 10 / 26

حاوره: حكمت الحاج

إلى الباحثين عن معنى للعالم وإلى الغارقين في التيه وغياب الكينونة يهدي الكاتب السوداني عماد البليك مجموعته القصصية الجديدة والتي هي كولاج كتب في أزمنة متفاوتة يجمعها هاجس واحد هو الانتماء للحقيقة إن وجدت ولفكرة الأنا العارفة. في هذه المجموعة يمكن للأزمنة أن تتطاحن وللأمكنة أن تتداخل وللذات أن تنشطر دونما مردود.
يقول المؤلف انه قد كتب الهمبول ككتاب يقرأ مرة واحدة وليس كنصوص قصصية منفصلة،.لكن الهمبول ليس رواية كما يؤكد البليك، بل هي نصوص قصصية قامت على عدد من الركائز في وعي الكاتب لفن القص. ان هذا هو ما فكر فيه في كتابة الهمبول فولدت أول مجموعة قصصية له، بعد سبع روايات.
هذا وجدير بالذكر ان كلمة الهمبول التي جاءت عنوانا للكتاب تعني بالدارجة السودانية خيال ألما-آتا أو فزاعة الطيور المستعملة في الحقول، وهو عبارة عن عيدان تربط وتغطى بالقماش لتصبح في شكل إنسان ويوضع في الزراعة لتخويف المعتدي من طير وصبرة وغيرها.
ولمناسبة صدور الهمبول عن مومنت للكتب والنشر في لندن بالتعاون مع "بي فور بي سايت" السويدية، بطبعتين، ورقية وإلكترونية، كان لنا مع المؤلف هذا الحوار:

- على العكس مما يفعله معظم الكتاب العرب فقد ذهبت أنت من الرواية الى الفن الأصعب وهو القصة القصيرة بعد سبع روايات ناجحة، ترى ما الموجب لذلك؟ وهل سنشهد استراحة سردية لك على سبيل المثال؟

- أولا، ليس عندي فن صعب أو فن سهل. بالنسبة لي هي كلها فنون. وما يصعب على أحد قد يسهل على آخر. المسألة تتعلق بفكرتك أنت عن الفن المعين، وقدراتك ودائرتك الذاتية المعرفية. كتبت الهمبول ككتاب يقرأ مرة واحدة وليس كنصوص قصصية منفصلة، بمعنى انه ثمة بناء هيكلي متكامل. وهذا قد يشبه، أو يتقاطع مع الفن الروائي. لكنها ليست رواية. كما أنه يمكن هنا أن تبدأ من أي موقع وتنطلق للخلف أو للأمام، ليس من إشكال. أنت كقارئ من سيقرر. وهي نصوص قصصية أو مجموعة قصصية. قامت على عدد من الركائز في وعيي لفن القصص. القصة القصيرة والأطول والأطول جدا ومن ثم ما يشبه "الرواية القصيرة جدا" وكل نوعية منها تأخذ مسارها باتصال مع مضمون مختلف. من حيث الحركة والشخوص ولعبة الزمن ومن ثم الأهم الفضاء الفلسفي الذي تنمو من خلاله القصة. وهذا في النهاية هو لعبة القارئ، قبل أن يكون تجريبي أو لعبتي التي انتهت. إذن لم يكن لجوئي إلى القصة في الهمبول هروبا أو تحديا من أي نوع لفن عصي – كما ذكرت – كالقصة، بل هو التجريب المفتوح في النصوص الأدبية، وإزالة الحواجز. كيف لمجموعة قصصية أن تقرأ كرواية كاملة أو كيف لرواية أن تقرأ كنصوص قصصية بل وتعالج موضوعات نقدية في صميمها. وهذا لا يدل على أنني كتبت رواية ولا يشفع له، بل كتبت قصصا بطريقتي. إنه إغواء الفن والكتابة وكسر الأنماط والأشكال ومحاولة رؤية الأشياء بزاوية جديدة.

- ما معنى هذا التفسير؟

- انه تفسير آخر عملي، فإنني قد أغوى بكتابة رواية معينة، ثم أجدها في النهاية قصة محددة. يكون الفضاء كذلك. ولهذا لا أقلق نفسي. أغلق المسألة، أتوقف حيث أنا، وأمضي في غيرها. إلى أن يتركب الكل من خلال فسيفساء الأجزاء وعلى مراحل زمنية، وفي النهاية يكون هناك عمل عصي وشاق. لكنه ممتع، يقوم على تركيب التشكيل النهائي أو اللوحة. هذه طريقة في العمل على بناء فنون قصصية قائمة على نسيج متصل، وليس مجرد حقول منفصلة. فأنا لدي نظرية بأن القصص حتى لو كانت ذات مضامين مختلفة، هي في النهاية ولو تنوعت تقنيات الكتابة تظل ذات إطار كلي. وهذا ما فكرت فيه في الهمبول التي هي أول مجموعة قصصية لي، بعد سبع روايات.

- تنادي بنهاية عصر الرواية وتضع تاريخا لذلك في بحر العام القادم، لكنك ما زلت تنتج الروايات، ولربما كانت لديك رواية في العام القادم. كيف ترى الى ذلك؟

- ما أفعله لا يعني نهاية التاريخ. لا يعنى أن الرواية قد وصلت حدودها القصوى وإن كانت قد ماتت فعليا من خلال الأشكال الراهنة، لكنه نوع من التحريض المعلن لاكتشاف طاقة جديدة لفن الرواية، لما وراءها. أي الاشتغال على مناطق جديدة من الـ "ميتا سرد". وبظني أن المسألة ليست رواية أو لا رواية. بل هي إنتاج فنون أو نصوص لها القدرة على التماهي مع الزمن والتقاطع مع الأسئلة الأكثر حيوية في الحياة الإنسانية المعاصرة. فالفنون إذا لم تكن لها الطاقة على المساءلة والتعايش مع المتحرك في استفهام الوجود، تصبح جامدة وتتخثر وفي النهاية تموت. وبالتالي فحديثي على شاكلة "اقتربت الساعة.." في حين أن هذا الخطاب القرآني لا يعني تحديدا لغويا يعطي معنى تاريخيا. إذ يعطي فقط الإنذار والهاجس أن تحس بخطر ما وترتب الأمور بشكل أفضل. وسواء في عام 2017 العام المقبل كحد ظني، أو في سواه، فالبداية مطلوبة لدورة جديدة من الاكتشاف لآفاق هذا الفن الذي لن يموت، بل يتبدل ويدخل في روح أخرى، سواء من خلالي أو من خلال آخرين غيري وهناك الآن تيار عالمي منذ عدة سنوات يبشر بمدارس جديدة، كـ "جوع الواقع" التي تعني برواية أو فن غير مُعرّف يحكي عن وقائع وجودنا بمباشرة وبلا تريث. أو غيرها من الواقعية القذرة أو ما شئت من ابتكارات مقبلة. فالتاريخ لا يعبر هنا عن حقيقة بقدر ما يعكس التحفيز والرغبات والإلحاح بميلاد آخر متوقع لهذا الفن، إذ لم تعد الرواية بمضامينها وأشكالها الراهنة قادرة على استيعاب الأنا الجديدة، لقد سقطت البطولة والشخصية النمطية كما لم يعد للمكان ولا الأزمنة ذات حضورها الكلاسيكي. أما ما سيعقب موت الرواية المعاصرة، فهو لا يزال في مخاض التجريب والاكتشاف. وينبغي فقط الإشارة إلى أن مفهوم الأدب والفنون عموما مع الملتيميديا والوسائط الأكثر حداثة، بات معقدا، وربما يتطلب إعادة الاكتشاف أو التخليق للفن الروائي، بحيث يصبح له أكثر من ثلاثة أبعاد أو أربعة، ويدخل في حيز ما تشير إليه الفيزياء الحديثة كما عند ستيفن هوكينغ بـ "الزمن التخيلي"، أي القدرة على ابتداع أكوان موازية داخل حيز النص، أي جعل النص نفسه مفتوح الاحتمالات ليس للتأويل أو القراءة فحسب، بل يشارك اللاعب أو القارئ في تكييفه كما يحدث في الألعاب الإلكترونية أو البوكيمون أو غيرها. لنكون أمام أكثر من احتمال ونتيجة وبنائية للحدث والشخصية والانفلات. أما شكل هذا الفن الجديد، الروائي فهو يتطلب عملا كبيرا وسيتبلور كما أراه مثالا من على البعد.

- ضمن اطار الوعي بالفن القصصي الذي اشرت اليه آنفا في حديثك، ما هي رمزية الهمبول في مجموعتك ولماذا استعنت بمفردة مغرقة في محليتها بينما على الجانب الاخر داخل المضمون تتم الاستعانة بأنطوان تشيخوف؟

- الهمبول ككلمة هي المقابل الدارج السوداني لكلمة خيال المآتة أو الفزاعة، تلك الخرقة البالية التي تعلق على عود لإخافة الطيور ومنعها الاقتراب من الزرع. لكن من خلال الثقافة السودانية وعبر تاريخ قديم فإن المفردة نفسها اتخذت دلالة أوسع خصوصا في ما أشار له الحكيم السوداني الذي عاش في القرن الثامن عشر الشيخ فرح ود تكتوك (1635– 1732م) الذي قال قولته ""يا الهمبول يا الخوف المجهول، يا البخوفو بيك الطيور، باكر يخوفو بيك العقول" وقد عاش معاصرا فترة سلطنة الفونج بوسط السودان، وكان هذا القول يعطي دلالة مستقبلية إلى المعنى الفلسفي للهمبول، في أنه تعطيل العقل، وبحيث أن الكلمة باتت مجازا يقصد به التخويف بغض النظر عن طبيعة المخيف، فهو قد يكون لا يملك أي أدوات للتخويف لكنه يظل مخيفا لأن الخوف الحقيقي يسكن عقل الإنسان، أو يعشش في الصور الذهنية التي يدمنها دون إعادة التفكير فيها أو رؤيتها بشكل أو بآخر، والشيخ فرح كانت له قراءات مستقبلية ونبوءات تشبه طريقة نوستراداموس وهذه واحدة منها، وهو يتحدث في "نبوءات" أخرى عن مدينة بين النهرين تغرق ذات يوم ومقصود الخرطوم – بظن الناس - التي لم تكن معروفة بعد وقتذاك، وغيرها من الحكايات. وقد استخدمت هذه المفردة المحلية إحياء لذكرى هذا الحكيم في محاولة لرد الاعتبار للفلسفة المحكية في السودان، إذ أعتقد بأن هناك تراث كبير لم يعط الانتباه اليه بالشكل الحقيقي من "أساطير" وأحجيات وقصص شعبية، منذ عصور قديمة وإلى الحاضر، وأنه لابد من وعي هذا التراث الشعبي وإعادة دمجه في صميم "ما بعد الحداثة" في المشروع الإبداعي لأن "الهمبول" كمجموعة قصصية تتقاسم ما بين التراث وتجليات المشروع الفني الكوني، كما في قصة فان كوخ، مثلا.. أو قصة تصوّر لنا مستقبل الكون بعد آلاف السنين عبر أحفاد البشر الذين ينتجون من تناسل مع كائنات تسكن كواكب بعيدة. عموما فقد أردت هنا بشكل مباشر أن أعيد استحضار "الهمبول" لكي يكون رمزية للوعي الجديد، التحرر من اغتيال العقل والنهوض من الموت الدماغي المخيم على العقل المهلوس، وأن ثمة ما هو ممكن في حدود ما نظنه أنه غير ممكن، كذلك فتح الأفق للتفكير بجدية في إحياء العقل والتخييل والإبداع والتحلل من سيطرة الأنا القاتلة للذات بحيث كلنا صرنا "همابيل". كان يمكن ببساطة أن أكتب خيال المآتة أو الفزاعة، لكنها لا تعطي التكييف الكلي والشامل للمفهوم المراد تحقيقه وراء كتاب "الهمبول".. إذ أن المفردة هنا وبما أوضحته وادخل سياق الثقافة السودانية تكون قادرة على إضاءة المتحقق. على الجانب الآخر فإن وجود الكاتب الروسي تشيخوف فهو معادل موضوعي وضروري لأننا نتحدث عن فن القصة القصيرة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن نتجاوزه كأب لهذا الفن، فحضوره يعبر عن البناء والفنية والتقنية، يعبر عن الهيكل واللحم في حين أن الروح والميثولوجيا هي سودانية في تقاطعها الثقافة السودانية مع حداثة الوجود والإنسانية.

- حدث أن فاز أحدهم بنوبل للآداب قبل أيام، وكانت الصاعقة وما زال الحدث ملتهبا.. ما رأيك؟
- أحب في هذا الصدد أن أقول بكل وضوح بأن أسعد الأنباء في الأيام الأخيرة كان ما سمعته من فوز الشاعر والمغني الأمريكي بوب ديلان بجائزة نوبل للآداب لهذا العام، ذلك لأن هذا الخبر- الحدث يعني الكثير في تكسير الحواجز ما بين الأجناس الأدبية وإنها لبداية مخترعة للأدب بوجه قديم متجدد.

المؤلف في سطور:
درس مراحل التعليم الأولي ببربر، وتخرج في كلية الهندسة بجامعة الخرطوم عام 1996. عمل في الصحافة داخل السودان وخارجها. يعمل في مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان في مسقط بسلطنة عمان. شارك في أعمال ميدانية لتغطية الحرب على أفغانستان في 2001 وسافر للحدود مع باكستان، ولتغطية مهام في جنوب أفريقيا والعديد من الدول الأخرى. أسس صحفا الكترونية عديدة منها (سودانيزبيبر) و(سودان بوست) و(الزراف الإلكترونية) و(صحيفة بربر الإلكترونية).
صدر له في الرواية: الأنهار العكرة، دنيا عدي، دماء في الخرطوم، القط المقدس، شاورما، ماما ميركل، قارسيلا.
وفي القصة القصيرة: الهمبول.
وفي النقد صدر له في الدوحة عن وزارة الثقافة القطرية كتاب الرواية العربية رحلة بحث عن المعنى.
التقاه: حكمت الحاج