عن قرار ضم الصناديق الخاصة للموازنة المصرية.. وارتباطه بأجندة صندوق النقد

السيد شبل
2016 / 10 / 18

ضم الصناديق في ظل سياسات الحكومة النيوليبرالية يصب مباشرة في صالح القطاع الخاص، ومعناه تراجع في الإنفاق على الخدمات وتخفيض مُدخلات الموظف الحكومي

قرار البرلمان ضم الصناديق الخاصة للموازنة (والذي كان مطلبًا استثواريًا على مقياس أجندة التمويل)، جزء لا ينفصل عن قواعد "الشفافية" ومعاييرها الموضوعة من قبل صندوق النقد الدولى، وعليه فلم يخطيء اقتصاديون حين تنبأوا بحتمية صدروه من البرلمان، كإلزام لا كخيار!، حيث لا تسمح قواعد "السيّد الصندوق" بالإنفاق خارج الموازنة إلا فى حدود 2%، وهي الحدود التي تتخطاها الصناديق الخاصة!.

القرار متناغم مع سياسات تخفيض الدعم (جزء من حزمة السياسات)، وتسليم السوق كاملًا لرأس مال العالمي ووكلائه المحليين، ودهس الفقراء بلا رحمة.

بداية، وبحسب تصريحات رسمية، فإجمالي حصلية الصناديق الخاصة، بناءًا على لجان شُكلت بعد صياح متكرر من المستثورين الجدد واستحلاب للقضية في المواقع الخاصة، هي 40 مليار جنيه، ولا نعرف بالضبط ماذا ستفعل هذه المليارات الأربعين، في عجز موازنة يتخطى الـ 250 مليار جنيه ؟!.

لكن ما هي الصناديق الخاصة؟، الصناديق الخاصة ليست لغز، هي ببساطة صناديق الزمالة والصناديق التي تخرج منها مكافآت المعاش أو منح الوفاة، أو عند زواج أحد الأبناء.. وإلخ. وهذا يعني أنها مصدر للأمان الاجتماعي، شيء إيجابي، المفروض إجبار القطاع الخاص عليه، وتكثيفه في كل الهيئات الحكومية، لتكون بمستوى الداخلية مثلا، وهي من أكفأ المؤسسات في خصم جزء من مرتبات أفرادها (ادخار جبري)، وردها لهم مجمّعة -بعد تنميتها ودعمها- عند نهاية الخدمة مثلًا.

صحيح هناك فساد (ليس استثنائيًا) في إدارة هذه الصناديق وأموالها (بالمناسبة، هي تخضع لمراقبة الهيئة العامة للرقابة المالية، ولا يمكن إنشاءها أو التصرف فيها بعيدًا عن رقابة وزارة المالية)، بل والصحيح أكثر أن هناك تمييز في إدارة صندوق عن آخر أو أفضلية تابعة لحجم المرتب، وهذا كله يمكن علاجه (بتحسين التجربة، وتشديد الرقابة إلى الحد الأقصى، وتقليل الهوة بين المرتبات)، لكن تظل الصنادق في حد ذاتها شيء إيجابي.. هناك صنف آخر من الصناديق مثل صناديق المنشآت الصحية، وهي تجمع ايراداتها من نسبة من حصيلة بيع تذاكر الزيارة، مثلُا، وتستخدم فى شراء الأجهزة الطبية التى تعجز ميزانية الوزارة عن توفيرها، يعني، تسهم في توفير خدمة في مستشفيات الحكومة، وهناك صناديق لخدمة البحث العلمي فى الجامعات والمراكز البحثية، وهناك صناديق تابعة للأجهزة المحلية تستخدم حصيلة ما يتم تجميعه في أعمال النظافة أو صيانة المرافق.. وهكذا.

الصناديق بالأساس، بوابة لتوفير موارد بعيدُا عن موازنة الدولة، واستخدامها لتقديم خدمة للمواطنين أو دعمهم اجتماعيًا أو توفير حصيلة نقدية في حالة الوفاة أو المرض.

بداية ظهورها، كان جزء من "ترشيد الانفاق الحكومى"، وليس العكس، باب لتوفير خدمات وأمان اجتماعي للعاملين، دون تكليف الدولة أو ميزانيتها مليمًا.. وهذا يفسر إن بدايتها جاءت بعد يونيو 67، بشكل محدود، ثم تكثفت ضمن سياق مختلف في السبعينات.. يعني هي نشأت كبدائل تعوّض عدم تمكّن الدولة من توفير الدعم اللازم للموظف أو للخدمة، لكنها تطورت ضمن خطة الانسحاب العام للحكومة في السبعينات، معنى تغييبها اليوم في ظل سياسات الحكومة الرامية نحو حزمة أجندة البنك والصندوق الدوليين (تخفيض الدعم وإقرار قانون الخدمة المدنية وتعويم العملة)، معناه أنها لن تكون ملتزمة بسد "الخانات" التي أدت لنشأة الصناديق من الأساس، وهذا يؤدي بالضرورة لتراجع فيما يحصل عليه الموظف الحكومي "صاحب الصندوق"، وتغييب سبل كان يُنفق منها على الخدمات الطبية والعلمية والمحليات.. وإلخ.. وهذا كله متناغم مع سياسات "الليبرالية الجديدة" التي تتسابق الحكومة في تطبيقها!.

الواضح أن الاحتكاريات العالمية، التي تدير مؤسسات المال الغربية، يزعجها -جدًا- أن يوفر القطاع الحكومي ما لا تستطيع أن توفره لموظفيها (مكافأة المعاش مثلُا، لضابط الأمن الحكومي، قد تثير غضب وثورة لدى ضابط الأمن الخاص، عند مقارنة حاله بشبيهه الحكومي)، كذلك يغضبها -على ما يبدو- أن يتمتع المواطن بأي صورة من الأمان الاجتماعي تجعله يعلّق أملًا على سلطته المحلية أو على أساليب إدراة "غير رأسمالية" في عصر تفرض فيها الكارتلات الغربية نفسها على العالم فرضًا، وتدفع نحو عولمة اقتصادية صريحة لا تكون فيها للسلطات المحلية وزن ولا تكون لغير "الرأسمالية" كلمة، كذلك هي مستاءة من أن تكون هناك أي وسيلة لتوفير خدمة في محليات أو مستشفيات حكومية، بعيدًا عن عيونها ورقابتها التي تمتد للموازنة.. وهذا هو الأصل، في توجيه البنك الدولي، نحو التحفظ على الصرف خارج الموازنة، وتُسمى "شفافية"!!.

"المستثورون الجدد / خونة النضال الشعبي / خريجي دكاكين التموّل الأجنبي"، أول من أشعلوا نيران الجدل بخصوص الصناديق الخاصة، وكأنها المنقذ السريع والفوري للاقتصاد!، والحقيقة أن هناك تعاضد بين المستثورين والنظام فعلا في التخديم على أجندة اقتصادية بعينها، وشركات الأمن الخاصة (الأجنبية أو المملوكة لبنوك أجنبية) أحد هذه الأمثلة أيضًا.. والارتباط بين هيمنة "فالكون للأمن" الممولكة للبنك التجاري الدولي على الجامعات، وتراجع حدة المظاهرات فيها، لم يعد هناك شك في أنه داخل ضمن هذه العباءة، بغض النظر عن وعي أو عدم وعي صغار الشباب المتحمسين؛ كذلك تصريف النضال الشعبي في حواري وأزقة بعيدًا عن ما تفعله "أبراج كابيتال / متعددة الجنسيات" في القطاع الصحي وتوسعها في امتلاكه، وخطر ذلك الذي يمتد للأمن القومي نفسه، في سياق موازي مع مساعي لتهميش المستشفيات الحكومية من برامج التأمين الصحي.. خطوة خطوة نحو نفيها تمامًا، أو ما فعلته "أوبر" المشارك فيها ديفيد بلوفي مستشار أوباما، في سوق النقل المحلي، وحجم الضرر لسائقي التاكسي.

مرة ثانية، الصناديق الخاصة تخضع لرقابة حكومية صارمة، وفي وقت سابق تكونت هيئة لإدراة الصناديق واستثمار أموالها.. وحصيلة ما فيها، لا يتجاوز 40 مليار جنيه، يعني أقل من 3 مليار دولار!!.

فما الذي يحدث بالضبط؟!