جنة الديموقراطية

سعود سالم
2016 / 10 / 16

الصورة الأولى
تسقط الأقنعة، وتتجلى وجوه الحكام، أصحاب السلطة والثروة، قبيحة مترهلة مهترئة ومتهدلة. وتتجلى عيونهم الصغيرة الماكرة، يشع منها بريق العنف والكراهية والجشع والنهم والرغبة والشهية اللامحدودة لتملك العالم بأسره وكل ما يمكن الإستحواذ عليه، حتى قطعة خبز الجياع.
الصورة الثانية
تسقط الأقنعة ثانية، ويتجلى الخوف هذه المرة في العيون المنتفخة المذعورة، ونرى أعضائهم ترتجف من الذعر عندما يرى الحكام وأصحاب السلطة والثروة من نوافذ قصورهم وفيللاتهم الفاخرة تزاحم الجياع في الشوارع وهم يتدفأون على نيران صناديق الخشب والعجلات المطاطية. ينتابهم الفزع، ويلجأون إلى مخابئهم تحت الأرض، ويصلون ويتضرعون ويتصلون بالإنس والجن لحمايتهم، غير أن الناس يتوافدون بالمئات، يتكاثرون ويتجمعون في الساحات والميادين، وتتصاعد الإنتفاضة وتنتشر في كل الشوارع وفي كل المدن والقرى.
الصورة الثالثة
بعد الخوف والهلع، يأتي وقت العنف والإنتقام وإعطاء الدرس لهؤلاء الرعاع، فيعقد الملك وحاشيته مؤتمرا عاجلا لمعالجة الأزمة، ويعلنون حالة الطواريء ويخرجون هراواتهم ومسدساتهم ومدرعاتهم وقنابلهم وطائراتهم، ويجندون المرتزقة من الصحفيين والكتاب والشعراء والمثقفين، ويرسلون فرق مكافحة الشعب لإطفاء النيران وقمع الغضب الشعبي. وبعد المجزرة يلبس الملك المهزوم قناعه الجديد ويخرج في موكبه العظيم يزور الضحايا ويربت على أكتاف الفقراء ويواسي الأرامل والأهل والأقارب، ويبيع لهم رطلا من الأمل، غدا ستتحسن الأمور يقول لهم دون حياء، ويتب الأمن والإستقرار في وطننا الحبيب، وبفضل جيشنا الباسل، سنضرب بيد من حديد كل الخونة والعملاء، وسنعمل كل ما في وسعنا من أجل الأمن والإستقرار ورفاهية الشعب الأبي ..
الصورة الرابعة
يواصل الملك المسطول وأزلامه أصحاب السلطة والثروة والجاه خطابهم الطويل وهم يضحكون من وراء أقنعتهم القبيحة، يعرفون أن البسطاء لا يصدقون كلمة واحدة مما يقولون، ولكنهم مقتنعون بأن "الأمل" هو سلاحهم الوحيد المتبقى، مخدر قوي وسريع المفعول، حسب آراء العديد من الخبراء وأصحاب الرأى.
غير أن القصة قد تطول والمخدر يفقد قوته مع مرور الزمن، وينتاب الملك المتخم وحاشيته نوعا من الملل، والفقراء الجياع وصل بهم القرف واليأس الحد الذي يجعلهم يتجاوزون الخطوط الحمراء. فكيف يتصرف الحاكم بأمر الله، يقرأ عليهم آية قرآنية، أو قصيدة من الشعر الوطني؟ لا يكفي .. يلقي لهم بقطعة نحاسية أو بقطعة خبز جافة؟ الفقراء الملاعين لا يكتفون.. ويبكي الملك المأجور من اليأس ويتمنى لو لم يكن هناك فقراء في مملكته السعيدة، وفكر في لحظة مضيئة أن يتخذ قرارا أو مرسوما ملكيا بمنع الفقر ومطاردته وإلقاء القبض عليه وربما إعدامه إن دعى الأمر. ولكن أزلامه من أصحاب السلطة والثروة والجاه حذروه من العمل قبل التفكير، فماذا سيحل بالأغنياء في حالة إنقراض الفقر؟ كيف يمكن إبادة الفقراء دون القضاء في نفس الوقت على الأغنياء؟ مشكلة ميتافيزيقية، فكر فيها طوال الليل والنهار وطوال الأيام التالية دون أن يجد حلا.
الصورة الخامسة
وجاء الحكام وأصحاب السلطة والثروة بالخبراء والمتخصصين في أمور المجتمع وفنون الحكم والإقتصاد، جاؤوا بخبراء شديدي التخصص في فنون التحكم وإدارة الطبقات الخطيرة، وعقدوا الإجتماعات والدورات والمؤتمرات دون أن يجدوا حلا جذريا مناسبا للتخلص من الفقر والفقراء. حتى سمع الملك القلق ذات يوم عن حكيم ذائع الصيت وطويل الباع فيما يخص الأمور الشائكة والمسائل المستعصية وذو دراية في إخماد الحرائق الإجتماعية، فأرسل عملائه وزبانيته للبحث عنه وإحضاره ليدلي برأيه. ووجدوه قابعا في إحدى زنازن السجون العديدة في المملكة، مقيدا بالسلاسل،لايرى الضوء لا في الليل ولا في النهار ويبدو أنه كان مناهضا للسلطة في غابر الأزمان. وأتوا به مقيدا بين يدي السلطان الذي طرح عليه السؤال، كيفية التخلص من الفقر والفقراء؟ فقال له الحكيم وهوما يزال منبطحا على بطنه : أيها الملك العظيم وصاحب الجلالة والحاكم الجليل، أنت تعرف كما عرف من حكم من قبلك بأن ما أغتنى غني إلا بما أفتقر به فقير. الفقر ضروري لك ولكل الأغنياء، فلا تذبح الدجاجة التي تبيض لك الذهب. فقال له الملك مستاء : أعرف ذلك ولذلك أتيت بك لتجد حلا لهذه المعضلة، لأن هؤلاء الرعاع يأكلون ويشربون ويتزوجون ويلدون ويمرضون، يريدون بيوتا ومدارس ومستشفيات وملاهي وطرق وحدائق وكهرباء وهواتف وإنترنت .. وهذه مصاريف باهضة ندفعها نحن الأغنياء من جيوبنا. فقال له الحكيم وهو يحاول أن ينهض واقفا : إسمع أيها الملك العظيم، إنني حكيم ولكنني لست بساحر، الحل هو في التقشف وتقليص كل هذه المصاريف إلى حدها الأدنى، وهو الحل الوحيد المتاح لك، ولكن عليك أن تعطي لهم شيء ما في المقابل ليخل لهم إنك تعوضهم عما سيفقدونه من الخبز والدقيق. ونظر إليه الملك متسائلا، وأسرع الحكيم مقتربا من أذن الملك وخافضا صوته بعض الشيء : الحرية يا سيدي، الحرية هي الحل، أتركهم يتضاهرون ويصرخون ويكتبون ويغنون ويرقصون، أتركهم يسبون ويشتمون واعطهم الديموقراطية ليختاروا من شاؤوا من الأغنياء ليحكمهم، إنه الحل الوحيد الذي أمامك إذا أردت أن تحتفظ برأسك ورؤوس أفراد العائلة والحاشية والمقربين.
النهاية السعيدة
اقتنع الملك وكذلك بقية الحاشية نصف إقتناع بحل الرجل الحكيم، ولكنهم قرروا مع ذلك كتابة دستور جديد يسمح بحرية التنفس والسير والكلام في الشوارع والساحات العامة، وكذلك يسمح بحرية التجمع والتضاهر في حدود القانون. وقرروا إجراء إنتخابات ديموقراطية خلال عامين لإختيار من ينوب عن الشعب ومن له الحق في سرقة ونهب خيراته بطريقة قانونية. أما هذا الشعب فقد أكل الطعم ووقع في الفخ وصدق الخرافة وخرج إلى الشوارع هاتفا بحياة الدستور الجديد ومحتفلا بالحرية والديموقراطية التي منحها له السلطان. أما الحكيم الديموقراطي فقد أصبح مستشارا ثم نائبا ثم وزيرا .. ثم ..
عودة إلى الصورة الأولى، ثم الثانية ثم الثالثة .. إلخ