تركيا و حربنا ضد داعش الارهابية 1

مهند البراك
2016 / 10 / 16

بعيدا عن صراعات قرون تاريخية مضت . . شهدت العقود الثلاث الماضية تطورات دولية و اقليمية عاصفة ، اضافة الى التغييرات الهائلة التي حصلت و تحصل في بلادنا ذاتها . . من كشف مخزونات ثروات العراق المعدنية بالبحوث الجيوفضائية، التي بيّنت ان العراق يقع في المرتبة الاولى من اغني دول العالم، بثرواته الارضية من الزئبق الاحمر و اليورانيوم و الذهب و المعادن النادرة عالمياُ من فصيلة التيتانيوم و غيرها ذات الطلب العالمي المتكالب عليها في الزمن الحاضر لأهميتها في الصناعات الالكترونية و الالكتروكهربائية في عصر الانترنت و لندرتها في العالم . . اضافة الى غنائه المعروف بثروات النفط و الغاز، اللذين كُشف عن مواقع عملاقة هائلة لهما لم تكن معروفة.
و الى اعلان الولايات المتحدة الحرب و احتلال العراق، و ظهور و تفشي عصابات الارهاب التي لم تستطع ايقافها الجيوش المشاركة في احتلال البلاد و حتى الانسحاب الاميركي الذي ترك البلاد نهباً لأنواع العصابات و المشاريع الإرهابية و لحكم المحاصصة الطائفية بسياسيي الصدفة، التي يرى فيها خبراء بكونها لم تكن مصادفة و انما كثير منها هدفت الى اعادة بناء البلد و الدولة على اساس ثرواته الموزعة، و هددت و تهدد البلاد بالتمزق و بفرض اجندات ارادتها قوى دولية عابرة للجنسيات و قوى اقليمية . .
و فُتح الباب عريضاً لأنواع القوى الايرانية الساعية الى فرض اجندة حكم ولاية الفقيه، التي يرى فيها ستراتيجيون بكونها محاولة لإيقاع ايران في مستنقعات الحروب في المنطقة و بالتالي تكبيد ايران و دول المنطقة باعلى الخسائر بالارواح و بالاموال الفلكية، بشعارات الحرب الطائفية المقدسة و المظلومية الطائفية التي صارت حكماً ظالماً يشكو منه الملايين من ابناء الطائفة ذاتها اضافة الى ابناء الطائفة المواجهة، بعد ان طفح الكيل بالحكم الطائفي .
في وقت تكالبت فيه دول الجوار الاخرى و في مقدمتها الدوائر السعودية و القطرية و التركية بإسم الراية الطائفية المواجهة، بلغات الارهاب و القتل الجماعي للمدنيين من كل الطوائف . . اضافة الى تكالب القوى و العسكرتاريا و البيوتات المالية العالمية الغربية و الشرقية و الاسرائيلية و المتشابكة ، لتوظيف مايجري بانواع الوسائل و التشكيلات لتحقيق اعلى الارباح و الصفقات، في اللعب على الاطراف المتصادمة و التنقل على اوتارها ، و العمل على اعادة بناء او تقسيم دول المنطقة بضوء ثرواتها المكتشفة حديثاً و تزايد طلب المراكز الصناعية الدولية العابرة للجنسيات عليها . . حتى صارت البلاد مسرحاً للارهاب و للموت الجماعي المتواصل بلانهاية تلوح، و صار اهلها بكل الوانهم ضحايا لمايجري . .
و صارت الصراعات تتمحور على محورين : محور السعودية، تركيا ، قطر، بالراية السنيّة . . و الثاني : محور ايران، الحكومة العراقية، سوريا ، حزب الله اللبناني بالراية الشيعية، في وقت كأنما لم تعد فيه لبلدان المنطقة و حدودها من معنى ، وفي وقت برز فيه قطب اقليمي ـ و ليس دولتي داخلي ـ جديد في المنطقة هو القطب الكردي بقواه و تكويناته فيها، و الذي لعب بيشمركته و مقاتلوه ابرز الادوار في محاربة داعش براً ، و وصل القمة التي هزّت اعدائه الاقليميين في كوباني (عين العرب) البطلة التي هزّت الدنيا بصمودها . .
وفيما استطاع الكرد بمختلف فصائلهم كسب الرأي العالمي و تعاطفه و نالوا دعمه العسكري و المالي في الحرب الدولية ضد الارهاب ، ارتعبت انظمة المنطقة منه وفي مقدمتها نظام اردوغان التركي الذي يرى في الكرد، الخصم الداخلي الاكثر عناداً و مراوغة و خطورة عليه، و صار يتربص بالفصائل الكردية و يعمل على ضربها بقساوة و في المقدمة منها (ب ك ك) ، حزب الشعوب الديمقراطي في تركيا، و وحدات حماية الشعب، و حزب الاتحاد الديمقراطي في شمال سوريا(روج آفا) . . التي يرى فيها نموذج خسارته الجسيمة بعد مهادنتها و التعامل معها سلمياً في اوقات سبقت، حتى صار يحاول بتشجيع و دعم من قوى دولية و اقليمية متنوعة، الابقاء على داعش لاطول وقت لالهاء المنظمات الكردية في المنطقة بها، على هذا الصعيد ( اضافة الى الاهداف المتنوعة الاخرى للقوى الدولية و الاقليمية). . وفق تقديرات اوساط محايدة .
من جهة اخرى، و بعد اعلان حقوق كرد العراق اثر نضالهم الدموي ضد الدكتاتورية، باقامة فدراليتهم في عراق اتحادي . . فان اختلافات الاحزاب و خاصة الحاكمة منها في اقليم كردستان العراق . . و التي تزايدت مؤخراً بفعل الضغوطات المالية و المعيشية لشعب كردستان و لأسباب متنوعة يضيق بها المقال، و محاولات اوساط حاكمة عراقية و ايرانية توسيع تلك الاختلافات و زيادتها، حتى صار فريق المالكي رئيس ائتلاف دولة القانون الحاكم و الاقرب الى ولاية الفقيه الايراني، صار يعمل على جعل (ب ك ك ) الكردية التركية منظمة شرعية في البلاد، تتمتع بمقرات و مسلحين بضوابط في عموم العراق، كما أُعلن . . الامر الذي اطار صواب اردوغان اكثرمن السابق، و صعّد النفس الطائفي في التعامل اكثر .
و يرى مراقبون انه بضوء المتغيرات السريعة آنفة الذكر الصاعدة النازلة و المتغيرات العالمية و التغيّر السريع للمواقف و العلاقات بين نظام اردوغان و الاتحاد الاوربي و الولايات المتحدة و الناتو و روسيا . . اضافة لسياسة اردوغان الطامحة الى اعادة (امجاد العثمانيين) في المنطقة و بالتالي فشل اجزاء كبيرة من ذلك الطموح في تونس و مصر و ليبيا . . اضافة الى اوضاع العراق الكثير التعقيد، تركت آثاراً واضحة على تذبذب و صعود و نزول العلاقات التركية مع الحكومة العراقية، التي تركت ملفات و قضايا عالقة و سائبة كما لو لفّها النسيان . .
فإضافة الى تمديد العمل عام 2007 بالاتفاقية التركية ـ العراقية التي وُقّعت في زمن صدام، و التي يُسمح لتركيا بموجبها ملاحقة مقاتلي منظمة ب ك ك الكردية التركية داخل الأراضي العراقية ضمن مسافة تبلغ 15 كم، تملك تركيا قاعدة عسكرية كبيرة في بامرني (45 كم شمال دهوك)، و 3 قواعد صغيرة في كل من ديره لوك (40 كم شمال العمادية)، كاني ماسي (115 كم شمال دهوك)، وسيرسي (30 كم شمال زاخو) على الحدود العراقية التركية، وفق البيانات المعلنة.
حرصت الاوساط العسكرية التركية على تواجد لها في " بعشيقة " ذات الغالبية الايزيدية المسيحية القريبة من مدينة الموصل، بل و عززت ذلك التواجد بعدئذ بآلاف جديدة من الجنود و العسكريين ( و من القوات الخاصة من ذوي القبعات الحمراء و الزرقاء، و من الاستخبارات العسكرية التركية من ذوي العلاقات المتشابكة) طوال الشهور المنصرمة لأهميتها، في محاولتها السيطرة على ارياف الموصل من جهة سنجار، حيث ازداد تواجد مقاتلي و نفوذ ب ك ك فيها اثر تحرير سنجار، ذلك التواجد الكردي الذي تخشى دوائر اردوغان من تزايده خلال تحرير الموصل، و الذي قد يساعد على فرض و قبول اعلان الحكم الذاتي للكرد في روج آفا (شمال سوريا) و يدافع عنه في الظروف المؤاتية للكرد هناك و مايجرّ ذلك من امر مشابه على كردستان تركيا . . (يتبع)
15 / 10 / 2016 ، مهند البراك