أسطورة الحرية

سعود سالم
2016 / 10 / 15

ما فائدة الدنيا الواسعة، إذا كان حذاؤك ضيقاً، حكمة قديمة مفادها ما فائدة الحرية إذا كنت جائعا، وما فائدة الحياة ذاتها إذا لم يكن في إمكانك الحصول على رغيف من الخبز. ولكن سيرد علينا من الجهة المقابلة، ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان. فالحرية ضرورية كالخبز والهواء والماء.
" الحرية " هذه الكلمة السحرية المخبأة في قلب كل إنسان، يحتضنها ويغذيها بأحلامه وآلامه ودموعه ودمائه في كل دقيقة وكل ثانية من وجوده. هذه الكلمة البسيطة التي تغنى بها وحلم بطيفها كل عبيد الأرض، منذ سبارتاكوس حتى يومنا هذا، ينشدها ويتوق إليها معذبوا الأرض، من عمال المناجم في بطن الأرض في شمال أوربا، إلى العمال المهاجرون من آسيا وأفريقيا، يجتازون البحار الهائجة في ظلمة الليل في قوارب خشبية مهترئة وممتلئة حتى الحافة بالبشر، ينشدون الحرية. هذه الكلمة السحرية - السرية التي مات من أجل حروفها النارية آلاف البشر، وما يزالون يموتون ويسجنون ويعذبون بالمئات كل دقيقة في كل بقاع الدنيا، ما هي هذه الحرية؟ وما هو لونها وشكلها وحجمها؟ وكيف تتواجد وأين تنبت وتنمو وأين تصنع وأين يمكن شراؤها؟ يبدو أن أقرب سوبر ماركت هو ما يسمى أمريكا وفرنسا وبريطانيا ودول الغرب عموما، وأن "الديموقراطية" هي الماركة المسجلة لمنتجات "الحرية"، حسب ميثولوجيا الثقافة السائدة في الغرب والشرق والشمال والجنوب. وفرنسا هي التي قدمت تمثال الحرية (Statue of Liberty) لصديقتها أمريكا وهو عمل فني نحتي قامت فرنسا بإهدائه إلى الولايات المتحدة الأمريكية في 28 أكتوبر عام 1886 كهدية تذكارية، بهدف توثيق الصداقة بين البلدين بمناسبة الذكري المئوية للثورة الأمريكية (1775-1783). الاسم الرسمي لهذا التمثال هو " (Liberty Enlightening the World)، " وهو تعبير عن الديموقراطية أو الفكر الليبرالي الحر. ويمثل إمرأة تحررت من سلاسل قيودها - التي ألقيت عند إحدي قدميها. تمسك في يدها اليمني مشعلا يرمز إلي الحرية، بينما تحمل في يدها اليسري كتابا نقش عليه جملة "4 يوليو 1776"، وهو تاريخ إعلان الاستقلال الأمريكي، أما علي رأسها فهي ترتدي تاجا مكونا من 7 أسنة تمثل أشعة ترمز إلى البحار السبع أو القارات السبع الموجودة في العالم. ومنذ ذلك الوقت يحرس تمثال "الحرية" نيويورك وتضيء أمريكا بكاملها بشعلتها الحديدية. وأمريكا مركز الحرية ومنجمها، تواصل بدورها العمل الإنساني القديم، فحطمت دولة العراق وأحرقتها، جعلتها رمادا. واستعبدت الشعب العراقي وأحالته ظلا لا يعرف نفسه، وأهدت له بدورها "الديموقراطية"، وجلبت له أطنانا من الحرية المعلبة مثل "الكتشب" على متن بوارج وحاملات طائرات وطائرات حربية، وقد نفذت نفس السيناريو في ليبيا وغيرها. ولكن إذا أردنا تتبع الوقائع، بعيدا عن الخرافات والأساطير فلابد أن نتسائل عن ماهية هذه الحرية التي يتغنون بها ليل نهار، ويعرضونها أمامنا في كل مناسبة ويذبحوننا من أجلها؟ فهل حرية المواطن العادي، في كوخه وبين أفراد عائلته هي نفسها حرية الحاكم في قصره وسط حاشيته وعبيده وجواريه؟ هل حرية الإنسان الفقير والمعدوم، العامل المحكوم عليه بالأعمال الشاقة مدى الحياة هي نفسها حرية الغني المالك للقصور والمصانع والبنوك وكل صور رأس المال؟ هل حرية الرجل هي نفسها حرية المرأة؟ نضطر للإجابة بالنفي على كل هذه التساؤلات الطفولية، فالإنسان الذي في جيبه مئة دولار لا شك في أنه أكثر حرية ممن في جيبه دولار واحد. ومع ذلك، لا بد من القول بأننا أخطأنا الطريق، وأن التساؤل على هذا النحو يفضى مباشرة إلى جواب ضمني في ثنايا هذا التساؤل، وهو نوع من التضليل الذي نريد تحاشيه وعدم السقوط فيه. فالحرية ليست كعكة أو بطيخة يمكن تقسيمها إلى أجزاء متساوية أو غير متساوية ثم مقارنة هذه الأجزاء. الحرية مفهوم كلي شامل لا يحتمل القلة والكثرة الكمية، مثل مفهوم العدالة الإجتماعية أو حقوق الإنسان. الحرية ليست شيئا ماديا يتواجد في المكان والزمان ويمكن قياس شكله ولونه وحجمه ووزنه، الحرية ليست بضاعة تباع وتشترى مثل المكرونة أو البطاطا. ولكن في عالمنا المزدحم بالسحر والشعوذة، يمكن لأي صحفي أو كاتب أو رجل سياسي من الدرجة الثالثة أن يهدي لقرائه أو لشعبه، حكمة من نوع "الحفاظ على الحرية أصعب من نيلها"، حيث، في فهمه القاصر، يعتبر الحرية مثل غنيمة، يمكن الحصول أو الإستحواذ عليها بقوة السلاح، ويمكن أيضا أن نفقدها وتتسلل من بين أصابعنا، أو يسرقها الأعداء الغزاة، إذا لم نخبئها في خزينة آمنة ولم نبن حولها الأسوار والقلاع. إن تحويل الحرية إلى هدف وغنيمة و"تشيء" هذا المفهوم، هو الذي يجعل الأمم المتقدمة والمتخلفة، الكبيرة والصغيرة، تبني الجيوش والأساطيل والأسلحة المدمرة الذرية والنووية لحماية هذا "الشيء" العجيب الذي لم يره ولم يلمسه بشر، والذي لا يعرف أحدا مخبأه أو موضعه. فكيف نفهم ذلك؟ من الواضح بالنسبة لنا الآن، أن مفهوم الحرية المضيء، البراق، اللامع، بل الشديد اللمعان في فترات الغسق وقلة الضوء، هو ذاته مجرد أسطورة، خرافة مزركشة وصورة ملونة نبيعها للفقير كي يلوكها كما القات أو أوراق الكوكا، بينما يواصل تجار الحرية إمتصاص دمه وعرقه، ويواصلون عصره حتى لا يتبقى في جسده وفي عروقة قطرة واحدة من الحياة. الحرية إذا ليست سوى الإنسان ذاته، وليست شيئا إضافيا لاحقا لوجوده. وبالتالي الحرية لا يمكن أن تسلب أو تسرق، ولا يمكن إعطائها أو نيلها أو شرائها أو الحصول عليها هدية من "الأصدقاء" الذين يهرعون بطائراتهم ودروعهم الفولاذية لإنقاذنا من العدو الشرير الذي سلب هذا الكنز الثمين. الإنسان يوجد حرا أو لا يوجد على الإطلاق.