لا للقصف الجوّي الهمجي في سوريا واليمن!

جلبير الأشقر
2016 / 10 / 14

ينقسم الجمهور السياسي العربي إلى فئتين رئيسيتين: فئة تندد بالقصف الوحشي والمدمِّر الذي يمارسه النظام السوري وسيّده الروسي على المدن والأرياف السورية، وتسكت عن القصف الوحشي والمدمِّر الذي يمارسه التحالف الذي تقوده المملكة السعودية على المدن والأرياف اليمنية، هذا إن لم تكن تؤيد هذا القصف الأخير؛ وفئة أخرى تندد بالقصف الوحشي والمدمِّر الذي يمارسه التحالف الذي تقوده المملكة السعودية على المدن والأرياف اليمنية، وتسكت عن القصف الوحشي والمدمِّر الذي يمارسه النظام السوري وسيّده الروسي على المدن والأرياف السورية، هذا إن لم تكن تؤيد هذا القصف الأخير.

ونكاد لا نسمع صوت الفئة الثالثة، أي فئة الذين ينددون بالقصفين، ويعتبرون أنهما إجراميان على حد سواء (حتى وإن صحّ أن قصف النظام السوري وسيّده الروسي قد تسبَّب بعدد أكبر بكثير من القتلى وبحجم أعظم بكثير من الدمار). لكنّ هذه الفئة الثالثة موجودةٌ، بل هي بالتأكيد أكثر انتشارًا واتساعًا مما يوحي به صمتها. إنها فئة الذين واللواتي يضعون مصلحة الشعوب وسلامتها فوق أي اعتبار سياسي ولا يقبلون بالمنطق البائس الذي يرى أن "عدوّ عدوّي صديقي" بصورة تلقائية، بصرف النظر عن طبيعة هذا "الصديق" والقِيَم التي يمثّلها والأهداف التي يسعى وراءها. والحقيقة أن القوى المضادة للثورة التي هبّت في وجه الانتفاضة العربية الكبرى لعام 2011، والمعروفة باسم "الربيع العربي"، قوى متعدّدة الأنواع والأشكال.

فالنظام السوري والنظام السعودي كلاهما ركنان رئيسيان من الأركان التي قام عليها النظام العربي القديم العَفِن، ذلك الذي هبّت الانتفاضة في وجهه حالمةً بأن تتمكّن من أن تكنّسه وأن تُحِلّ محلّه نظامًا يوفّر "الخبز" (أو العيش، كما يُقال بالدارجة المصرية) والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الوطنية"، وهي العبارة التي جرى تداولها في ساحة التحرير القاهرية وغيرها العديد من الساحات والتي لخّصت خير تلخيص أماني "الربيع العربي”. والغاية من القصفين، سواء ذلك الذي ينفّذه النظام السوري وسيّده الروسي أو ذلك الذي ينفّذه النظام السعودي ومن لفّ لفّه، إنما هي واحدة في جوهرها، ترمي إلى وأد السيرورة الثورية التي انطلقت شرارتها من تونس في 17 ديسمبر/ كانون الأول قبل ستّ سنوات.

إن دور النظام البعثي في سوريا وداعميه الإيراني (مع أتباعه) والروسي في مواجهة الثورة السورية، وقمعها بأبشع وأحقر الطرق وأكثرها فتكًا وتخريبًا دورٌ جليّ بأقصى درجات الجلاء، الّلهمّ إلّا في نظر المتعامين الذين ينكرون الواقع أو يجهدون لتبريره فيصوّرون الانتفاضة على أنها مؤامرة خارجية مردّدين الحجة المعهودة لدى كافة الأنظمة الرجعية في وجه الانتفاضات والثورات. أما دور النظام السعودي في تصدّر الرجعية العربية فدورٌ يشهد عليه تاريخ المملكة بأكمله، لا سيما منذ أن بدأت رياح التحرر من الاستعمار والإمبريالية تعصف بالمنطقة العربية. ولم يشذّ عن القاعدة التاريخية سلوك المملكة ومن لفّ لفّها من الأنظمة في مواجهة الانتفاضة العربية. فقد تراوح بين التدخل القمعي المباشر كما جرى في البحرين، ودعم النظام القديم بشتى الطرق كما جرى في تونس ومصر، وتشجيع وتمويل الجماعات السلفية في سوريا بغية إغراق الانتفاضة في إيديولوجية دينية طائفية تناسب المملكة، وتحاصر الخطر الديمقراطي الذي شكّلته الثورة السورية على الاستبداد العربي بكافة أوجهه، وليس على النظام البعثي وحده.

في اليمن، البلد المجاور الذي تخشى المملكة نتائج وانعكاسات ما يحصل فيه أكثر مما في أي بلد عربي آخر، تدخّلت لترعى اتفاقًا بين علي عبد الله صالح الرجعي بامتياز ومعارضة طغت عليها القوى الرجعية. وكان محتومًا ألا يصمد طويلًا ذلك الاتفاق البائس، فانهار وانهارت معه الدولة اليمنية ودخلت البلاد بدورها في جحيم الحرب. وليست الحرب اليمنية حربًا بين فريق ثوري وآخر مضاد للثورة، بل بين معسكرين مضادين للأماني الأساسية التي ثار من أجلها الشباب اليمني في عام 2011. فالتدخّل الذي تقوده المملكة السعودية هو انحيازٌ لطرف في حرب بين طرفين رجعيين ولاعتبارات تتعلق حصرًا بالأمن السعودي، وهو تدخّل تنسجم أداته الرئيسية مع طابعه الرجعي، ألا وهي القصف الجوّي على المناطق السكنية غير المبالي بقتل المدنيين، شأنه في ذلك شأن القصف الروسي في سوريا، ناهيكم بتعمّد النظام السوري قتل المدنيين.

لذا لا بدّ لكل الأوفياء للآمال التي خلقتها الانتفاضة العربية، الحريصين على إحياء السيرورة الثورية التي أطلقتها تلك الانتفاضة، وأصابتها انتكاسة خطيرة بعد سنتين من انطلاقها، لا بدّ لهم أن يحافظوا على انسجام الموقف في التنديد بالهمجية الرجعية المنهالة من الجوّ من أي مصدر أتت. وهذا وجه من أوجه بناء قطب تقدّمي في المنطقة العربية مستقلٍ عن كافة أقطاب ومحاور النظام العربي القديم ومعارضاته الرجعية، وهو الشرط الذي لا بدّ من توفّره إذا كان للثورة العربية أن تحيي من جديد وتواصل المسار الذي بدأته قبل ست سنوات، وهو الأمل الوحيد في الخروج من الوضع الكارثي الذي انحطّت إليه المنطقة.