ظواهر أسلوبية في مجموعة -مرآة وصور-

عمر عتيق
2016 / 10 / 10

تأسيس (1)

لا تعتني الدراسة بتعدد المصطلحات لهذا النوع الأدبي الذي يُسمى قصة قصيرة جدا ، أو أقصوصة أو ومضة . وبعضهم ذهب إلى تسمية " القصة الجديدة " . ومن الجائز أن نعقد مقاربة بين هذا اللون الإبداعي وفن التوقيعات النثرية الذي برز في العصر العباسي للتقارب بين اللونين من حيث الإيجاز والكثافة الدلالية . وبينه وبين مصطلح " التوقيعة " أو قصيدة التوقيعة في شعر التفعلية التي لا تتجاوز بضعة سطور . وأرى أن تعدد المسميات ظاهرة تتجلى عند ولادة نوع أدبي جديد ، وأن معظم المسميات سيتلاشى ويبقى مصطلح واحد أكثر بروزا من نظائره ، ومن المرجح أن يسجل مصطلح الأقصوصة حضورا في المشهد النقدي ، لهذا ارتأت الدراسة أن تعتمد هذا المصطلح في تحليل مجموعة " مرآة وصور " .
ويناظر كاتب الأقصوصة عين "كاميرا " تلتقط أكثر المشاهد إثارة وتأثيرا ، وكذلك الأقصوصة "لقطة فنية بالغة التكثيف ، لتتجاوز، برشاقة وخفة، المسافة بين المألوف المشاهد إلى بؤرة اإلبداع ، التي لن تدرك إلا عبر جهد فني متميز ، لتصل إلى الرؤيا المطلوبة ." البطاينة ، جودي : القصة القصيرة جدا ، قراءة نقدية . مجلة التربية والعلم . مجلد(18 ) العدد (3 ) ، 2011 ، ص222
ومن المفيد التأكيد أن لغة الأقصوصة تختلف عن لغة الفنون النثرية الأخرى وخاصة الترميز وهو استعمال اللغة بأسلوب رمزي، ومن المناسب في هذا المجال الابتكار في الرموز وحسن استغلالها، والتمهل في اختيارها، ومساعدة القارئ على فك الرموز بالإيحاء بمفاتيح تسمح بحلها.الأرناؤوط ، عبد اللطيف : القصة القصيرة جدا . موقع مؤسسة القدس للثقافة والتراث . http://alqudslana.com/
وسيجد القارئ أن المشهد الدرامي واحد من الظواهر الأسلوبية في الأقصوصة ؛ لأن أحد مكوناتها الإحساس الدرامي الذي يولد إيقاعاً سريعاً ،وإن علاقتها مع الدراما لا تشكل علاقة طارئة يمكن أن يفيد منها طوراً وتلغى تارةً، بل العلاقة وجودية وإن اختلفت درجة الإفادة وانعكاسها على نوعية التوتر المتولد في النص القصصي بحسب النمط الذي يكتبه الكاتب والآليات الأخرى. انظر : الحسين ، أحمد جاسم : القصة القصيرة السورية ونقدها في القرن العشرين . منشورات اتحاد الكتاب العرب ، دمشق ، 2001 ، ص22
وينبغي أن يتنبه المتلقي للعلاقة بين بداية الأقصوصة ونهايتها ؛ لأن " البداية والقفلة تتمتعان بخصوصية كبيرة تنبع من دورهما في تأطير القصة ليس من باب لملمة أطرافها وإنما من باب حجم الدور الذي يوكل إليهما في بناء القصة.... تمتاز القفلة بجمل تفجيرية تحقق الإدهاش الناتج عن إتمام المفرقة ." الصمادي ، امتنان : القصة القصيرة جدا بين إشكالية المصطلح ووضوح الرؤية . مجلة دراسات . مجلد 34 ، العدد 1 ، 2007 ، ص149
تأسيس (2) ( مقدمة مجموعة مرآة وصور)( )
لا يخفى أن الجنس الأدبي كائن حي قابل للتطور والتغير وفق مقتضيات البنية التحتية للمجتمع على اعتبار أن الأجناس الأدبية من معالم البناء الفوقي للحياة العامة .فالرواية أو القصة (السرد) تطورت في أساليبها البنائية والفنية والدلالية ،كما تطور الشعر الذي شهد متغيرات بنائية وإيقاعية كالشعر العمودي وقصيدة التفعيلة والموشحات حتى وصل إلى شكل يُسمى قصيدة (التوقيعة) . ويرتبط كل شكل من أشكال التطور بحزمة من المواصفات البنائية التي تحرص على تحقق التأثر والإثارة لدى المتلقي . والقصة القصيرة جدا (عنوان الكتاب) مهارة تعبير تتفوق على مواصفات الرواية أو القصة القصيرة ؛ لأن القصة القصيرة جدا التي يُطلق عليها بعض النقاد مصطلح (الومضة) تقتضي من المؤلف الجمع بين العناصر الفنية والبناء السردي في مساحة سياقية موجزة ، ومن المعلوم أن التعبير في مساحة سياقية واسعة أسهل من التعبير في مساحة سردية قصيرة ؛لأن المبدع/المؤلف مطالب في القصة القصيرة جدا بالتكثيف والتركيز والإمتاع والتشويق والإيحاء والدهشة والمفارقة وتقديم رؤى فكرية لافتة ، ولهذا يشكل هذا الجنس الأدبي تحديات للمؤلف في تشكيل النص وبنائه ، وتحديات للقارئ الناقد في معاينة النص وتفكيك بنيته الفنية والفكرية والوجدانية .
ويشكل اختيار الكاتبة "أنصار وتد " لعنوان (مرآة وصور ) أول العلامات السيميائية في التعالق بين دلالة العنوان ، والفضاء الدلالي لنصوص الكتاب ، إذ إن مضمون نصوص الكتاب مرايا يعكس مشاهد اجتماعية تُتيح للقارئ أن يرى مثيلا لها في تفاصيل الحياة ، ويُضمر نماذج إنسانية لشخصيات نعرفها أو نسمع عنها. وهي صور تجسد رؤى فكرية وتربوية تمثل الجينات الثقافية للكاتبة ، وتُفصح عن فلسفتها في الحياة .
ومن أبرز التقنيات الأسلوبية التي حرصت عليها الكاتبة تقنية الحوار الذي يعد عصبا رئيسيا في القصة القصيرة ؛لأن مساحة السرد محدودة جدا ، لهذا اقتصرت بعض النصوص على الحوار الذي نهض بأعباء رسم الأبعاد النفسية والفكرية للشخصية ، وعبر عن البنية العميقة للنص . ومن البدهي أن يأتي الحوار قصيرا مراعاة للمساحة السياقية ، وعليه فإن مهارة اختيار الألفاظ والصياغة الأسلوبية للحوار تُعد ذروة البناء الفني للقصة القصيرة .وفي غير موضع من الكتاب يتجلى أسلوب الرمز والإيحاء الذي يعد مكونا فاعلا ؛لأن مساحة السرد ضيقة لا تتسع للتفصيل والتوضيح والتعليل والتفسير.كما أن أسلوب الرمز يمنح المتلقي مساحة من التأويل لا يبوح به المؤلف ، وكذلك الإيحاء سمة لازمة للقصة القصيرة جدا ؛إذ تفرض المساحة السياقية على المؤلف الإشارة إلى المعنى من بعيد ، ودعوة القارئ إلى توليد المعاني وفق إدراكه وثقافته ؛ فالنص القصير قصة أو مشهد سردي مبأر يختزل دلالات لا حدود لها ، وتختلف الدلالات المستخرجة من النص باختلاف مستويات التلقي ، وإذا توافرت رؤية منهجية شمولية للقارئ فإن النص الرمزي الإيحائي يتحول إلى نص دلالي توليدي .وتعتني الكاتبة باختيار الأفعال الحركية في معظم القصص ، ولا يخفى أن دلالة الأفعال الحركية تُضفي على النص حيوية ، وتهب السياق العام للفكرة نشاطا ذهنيا مضاعفا ؛لأن الحركة تعني الانتقال والتحول والتغير من مشهد إلى مشهد ، أو من موقف إلى موقف ، فيصبح النص بهذه الخاصية لوحات وجدانية ومشاهد بصرية وآفاق فكرية ، وكل هذا التنوع في عدد من السطور .
ويتجلى في نصوص عدة أسلوب المفارقة التي تُفضي حتما إلى الدهشة والمفاجأة والخروج عن النمط المألوف ، كما هي الحال في قصة "وحدة " (رغم اكتظاظ المكان بالناس... شعر بالوحدة القاتِلة!) ، فالقصة أو الومضة تتكون من عبارتين إلا أن عنصر المفارقة فيها يؤسس لخطاب طويل عن الاغتراب الاجتماعي .
ويحفل الكتاب بخطاب اجتماعي تربوي يثير أبرز القضايا الاجتماعية وينبه على المفاصل الرئيسية في العملية التربوية ، ويفتح ذلك الخطاب باب السجال حول انحراف شرائح مجتمعية عن منظومة القيم والمثل العليا ، وتؤكد تفاصيل الخطاب الاجتماعي والتربوي أن الكاتبة تحمل رؤية ورسالة ؛فهي توجه سهام النقد الاجتماعي نحو أهداف محددة ، وتدعو إلى إعادة صياغة عدد من الظواهر الاجتماعية والتربوية بما ينسجم مع النسيج الفكري المنشود .

أسلوب المفارقة
لا يخفى أن رتابة الفكرة لا تحقق تفاعلا ودهشة بين النص والقارئ ، فكلما كان أفق توقع القارئ واضحا وسهلا شعر القارئ بالفتور أو الملل ، وربما وصل الأمر إلى الخيبة . وفي مقابل رتابة الفكرة تأتي تقنية كسر الألوف والمتوقع التي تُحدث مفاجأة توفر الدهشة ، وتضاعف يقظة المتلقي ، وهو ما يسمى بـ " المفارقة " التي تُحدث انزياحا دلاليا حادة بين السبب والنتيجة ، أو بين البداية والخاتمة . ويتجلى في نصوص عدة أسلوب المفارقة ، كما هي الحال في قصة "حنين" (تقفُ "حنين" بالساعات ترقبُ أطفال الحيّ وهم يلعبون.. عندما تتعالى ضحكاتهم، تتعالى أصوات "الحنين" في قلبها شوقًا إلى طفلٍ يملأ البيت ويزيّن الحياة... مِن بعيد، تسمعُ صوتَ صراخ الجارة "أمّ العبد" وهي تدعو بالشقاءِ على أحد أبنائها العشرة المشاغبين... تُغرز كلمات الجارة كالسكاكين في قلبها... تنظر "حنين" إلى الأطفال بعين حانية، وتدخل إلى البيت!) ص5 ترسم المفارقة مشهدين ؛ عطاء لمن لا يستحق ، وحرمان لمن يستحق . وتمثل هذه المفارقة مفصلا فلسفيا في في الخطاب الثقافي ؛ إذ تزداد التساؤلات مسائل عدة تتصل في ظاهرها بتشوه العدالة الاجتماعية ، وتتصل في باطنها بالحكمة والتدبير الرباني ، وهذه هي الرسالة التي تُضمرها قصة " حنين " التي اختارت إنجاب الأطفال لمن لا يستحقون ، والحرمان من الأطفال لمن يتوقون ويشتهون نموذجا لمسألة فلسفية تتجلى في مظاهر حياتنا .ولا تقتصر تقنية المفارقة على المستوى الفكري ، بل تمتد إلى مستوى التشكيل اللغوي والفني ؛ فالجارة " أم العبد " التي رزقت بعشرة أبناء غاضبة وصوتها يملأ أرجاء المكان ، وشخصية حنين صامتة متأملة متألمة . وتشكل الصورة الصوتية مفارقة فنية ؛ فصراخ الجارة مزعج مسموع ، وصراخ " حنين " هدير في القلب ونزيف في الوجدان لا أحد يسمعه ، وبين الصراخ المزعج ، ودبيب الحنين تتعالى ضحكات الأطفال ، ويختزل هذا التشكيل الصوتي الثلاثي صخب الحياة وسكونها .
وتُضمر أقصوصة "وحدة " (رغم اكتظاظ المكان بالناس... شعر بالوحدة القاتِلة!)ص55 ، إشكالية الانطواء في مدرسة التحليل النفسي حينما يفقد الإنسان القدرة على التفاعل بالمحيط الاجتماعي ؛ فالقصة أو الومضة تتكون من عبارتين إلا أن عنصر المفارقة فيها يؤسس لخطاب طويل عن الاغتراب الاجتماعي .ويفتح النص آفاقا رحبة لتعليل اللجوء إلى الوحدة ، إذ قد يجد المتلقي في النص وصفا للاغتراب الثقافي حينما تتسع الفجوة بين ثقافة الفرد وثقافة المجتمع اعتمادا على المقولة الشهيرة " كلما زادت ثقافة الإنسان زادت معاناته ، لأن اتساع المعرفة أفقيا ورأسيا يُضاعف من اغتراب الإنسان عن الثقافة الشائعة . وقد يجد متلق آخر وصفا للاغتراب الاجتماعي حينما تتقلص قناعة الفرد بالعادات والتقاليد والطقوس الاجتماعية ، فيجد نفسه أسيرا داخل منظومة اجتماعية لا يشعر بالحد الأدنى للانتماء لها ، فيضطر إلى العزوف عن المشاركة الاجتماعية ، ويختار الوحدة والانطواء . وقد يجد متلق ثالث في النص وصفا للاغتراب النفسي الذي ينشأ نتيجة تراكمات ناجمة عن مواقف الخيبة والصدمة من سلوك الآخرين ، فيختار الفرد عالمه الداخلي لينكمش فيه بعيدا عن الآخرين .
ويبقى النص مفتوحا على رؤى تأويلية وفق ثقافة القارئ الذي قد يجد مضمون النص مناسبا للتأمل في علاقة الإنسان بالمكان التي تطرح إشكالية تتوزع على سؤالين : هل تتحدد علاقة الإنسان بالمكان وفق مواصفات جغرافية أو تاريخية ؟ وهل تنبع قيمة المكان من القاطنين فيه ؟ وتبقى الإجابة مفتوحة لتنسجم مع تعدد المشارب الثقافية . ومن المرجح أن نسمع قارئا يعقب بقوله : يطيب المكان بأهله ، ولا يطيب بذاته .
وتعبر أقصوصة "مهرج" (لعب المهرّج مع الأطفال المرضى في المشفى... ضحكَ كثيرًا... ومع ضحكاتهم، انشغل تفكيره بابنه المريض!) ص47 عن منظومة من القيم الأخلاقية التي لا تتوافر إلا لدى القادرين على التعالي عن جراحهم ، والانشغال عن آلامهم ، والعناية باحتياجات الآخرين . إن " المهرج" الغارق بالضحك مع الأطفال المرضى ، والمثقل بحزن مضمر على ابنه المريض يجسد تجليات الإنسانية في السمو والجلال والجمال والفضيلة . وتشتمل المفارقة على ثنائيات الصوت والصمت ، والفرح والحزن ، والحركة والسكون ؛أما الثنائية الأولى فهي أصوات الضحك بين المهرج والأطفال ، وصمت المهرج الذي يُخفي ألما وقلقا على ابنه المريض . وأما الثنائية الثانية فهي فرح الأطفال الغريزي والفطري ، وحزن المهرج الذي آثر إخفائه . وأما الثنائية الثالثة فهي الحركات الجسمانية التعبيرية التي يحرص عليها المهرج للتخفيف عن الأطفال المرضى ، والسكون الذي يحرص المهرج على إخفاء صخبه واضطرابه . واستئناسا بما تقدم فإن تقنية المفارقة تشتمل على ثنائيات معلنة ، وثنائيات مضمرة ، والمعلنة يلتقطها القارئ العادي ، وأما المضمرة فتحتاج إلى قارئ قادر على تفكيك البنية العميقة للنص وإعادة بنائها وفق ثقافته.
وفي أقصوصة أرزاق (في الطابق الأوّل مِن البناية... وضعت الأمّ أمام ابنها أربعة أصناف مِن الأطعمة... تذمّر الابن وطلب خامسًا! وفي الطابق الثاني... وضعت الأمّ أمام أبنائها الخمسة " نصف" نوع!)ص65 توظف الكاتبة الاختلاف العددي للكشف عن التفاوت الطبقي في مستوى المعيشة ؛ فأربعة أصناف من الطعام لا ترضي الابن الوحيد ، ونصف نوع من الطعام يرضي خمسة أبناء! . وينبثق عن المفارقة في عدد الأبناء ، وأصناف الطعام ثنائية الرضا والتذمر التي تشكل ظاهرة اجتماعية تسحق التأمل ، وتُفضي هذه الثنائية إلى الكشف عن فضاء أوسع تظهر فيه الفجوة الاقتصادية بين فئات مترفة وأغلبية تكاد لا تجد قوت يومها . وينساب من هذا التفاوت حزمة من الأسئلة الفلسفية : ما معنى الرضا والقناعة ؟ ولماذا يتذمر المترفون المنعّمون ؟ وهل القناعة والرضا ثقافة وفكر أم هي وفرة في الطعام والمال . ؟ وما الفاعل الحقيقي في الحياة الاجتماعية ...امتلاء الذهن أم تخمة البطن ؟
وتكشف أقصوصة "غربة" (جلسا في زمان واحد... ومكان واحد، وعاشا في عوالم مختلفة!)77 عن إشكالية في النسيج الاجتماعي الذي يحكم العلاقات الأسرية وخاصة الزوجية ، إذ لم تعد وحدة المكان( البيت ) كافية لتحقيق التواصل العائلي ، وتجسيد الدفء الأسري على الرغم من أن أفراد الأسرة الواحدة نشؤوا من جينات تربوية واحدة إلا أن اختلاف المنابع الثقافية الخارجية أدت إلى تشكل فضاءات ثقافية مختلفة . وقد يكون هذا الأمر مألوفا ومسوغا وفق نظريات علم الاجتماع ، ولكن الغربة أو الاغتراب في العلاقة الزوجية هي المعضلة التي تشكل خطرا يُنذر بتقويض أركان الأسرة .إن المفارقة في هذه الأقصوصة مؤسسة على ثنائية البناء والهدم؛ فوحدة المكان والزمان بين الزوجين هي البناء الذي ينبغي أن يكفل تواصلا وتفاعلا بينهما . واختلافهما في التفكير والسلوك والطقوس والمزاج هو الهدم ، ومن البدهي أن يُفضى هذا الاختلاف إلى ما يُسمى بـ " الخرس الزوجي " .
وتفتح أقصوصة "ضيق" (يستهويه الجلوس وراء الشاشة؛ فقد ضاق به العالَم الحقيقيّ!)ص79 حوارا حول التأثير السلبي للتكنولوجيا على العلاقات الاجتماعية عموما ، والتأثير السلبي لمواقع التواصل الاجتماعي خصوصا . وتقوم المفارقة على علاقة التضاد بين الفعل " يستهويه " ، والفعل "ضاق " ، كما تشتمل المفارقة على ثنائية مكانية وهي اتساع المساحة الجغرافية للواقع الحقيقي ، وضيق حيز شاشة الحاسوب . وتطرح المفارقة تساؤلات حول العزوف عن التفاعل مع تفاصيل العالم الحقيقي الممتد جغرافيا والمتنوع اجتماعيا ، والانبهار بالعالم الافتراضي في شبكات التواصل الاجتماعي . وتكشف المفارقة عن ثقافة جديدة تعيد صياغة خريطة العالم التي أضحت في الواقع الافتراضي بلا حدود ومعيقات سياسية وعرقية وفكرية . ومن المرجح أن المفارقة في أقصوصة "ضيق " تفتح حوارا مع المتلقي حول ثقافة جديدة لتحديد مفاهيم الاختيار وحرية التعبير والحوار مع الآخر ، وغيرها من القضايا التي لا يكفل لها الواقع الاجتماعي مساحة حرية مطلقة ، في حين يتكفل الواقع الافتراضي بتوفير حرية مطلقة في اختيار شبكة العلاقات الاجتماعية ، وتصدير الناتج الفكري ، واستيراد المخرجات الثقافية من الآخر .
أسلوب السخرية والدعابة
تتخذ القيمة الفنية لأسلوب السخرية في عملية التلقي ثلاثة مسارات؛ الأول : مسار فكري حينما تتضاعف يقظة القارئ للفكرة ، وتتسع دوائر الفهم والاستيعاب ، وتتعد الرؤى التأويلية ؛ لأن السخرية كسر للرتابة والطرح الجاد الذي يبدو فيه الكاتب معلما أو واعظا . وكلما خرج الأسلوب عن الرتابة تحققت الفوائد المشار لها . والثاني : مسار نفسي حينما يثير أسلوب السخرية مشاعر القارئ كالتعجب والاستغراب والاستنكار والدهشة ...الخ ، وتظهر هذه المشاعر في نصوص السخرية أكثر من ظهورها في النصوص الجادة. والثالث : مسار لغة الجسد أو التعبيرات الجسمانية التي تظهر أثناء قراءة النص الساخر ، وهي تعبيرات مكملة للمسار الفكري ، ومتداخلة مع المسار النفسي ؛ إذ إن دلالة الفكرة المعبر عنها بأسلوب السخرية تثير المشاعر من جهة ، وتصاحبها تعبيرات جسمانية كاتساع حدقة العين حينما يكون المعنى مثيرا للتعجب والاستغراب ، وتقلص عضلات الوجه حينما يكون المعنى مستنكرا ، وحركة الشفتين حينما يكون المعنى مضحكا ، وربما تخرج أصوات مختلفة تعبر عن تفاعل القارئ مع الفكرة الساخرة .
في عنوان أقصوصة ( أولويات ) (قال لها ابنها باكيًا: أمّي؛ طلبتُ منكِ مرارًا كتابَ لغةٍ عربيّةٍ... ستطردُني المعلّمة هذه المرّة من الصّفّ إن لم أحلّ الوظيفة! قالت له غاضبة: قلتُ لك لا نستطيع شراء كتاب هذا الشهر... فبعد أسبوع عرس صديقتي... أخبرتُك أنّي أوفّر المال؛ لشراء فستانٍ مميّز تتحدّث عنه الأخريات! )ص10 تختزل الكاتبة دلالة السخرية ، فالعنوان هو بؤرة السخرية ؛لأنه لا يعني ترتيب الأولويات كما يقتضي العقل والمنطق ، فالأم الجاهلة ترى أن توفير ثمن فستان لحضور زفاف صديقتها أولى من شراء كتاب تعليمي لابنها . إن اختيار العنوان للنص الساخر يشكل عتبة سيميائية لافتة ، لأنه يمثل تناقضا مع مضمون الأقصوصة . ولا شك أن أسلوب السخرية يسخر من "ثقافة" المظاهر التي تشوه الحياة الاجتماعية . ويُفضي سياق السخرية إلى التنبيه على تدني الاهتمام بالتعليم مقابل الاهتمام بالأزياء . ويُضمر النص نقدا ساخرا لظاهرة التباهي في المجتمع النسوي الذي يبرز فيه الحرص على التفرد في ارتداء الأزياء ، واعتبار ارتداء الأزياء التي يلبسها الآخرون نقصا في الشخصية والمكانة الاجتماعية.
وتسخر الكاتبة من ثقافة اختيار أسماء المواليد في أقصوصة "قدوة" (أطلقت على طفلتها اسم " تيتاهان"؛ اقتداءً ببطلة المُسلسل الذي تتابعه!) ص53 وأبدعت الكاتبة مرة أخرى في اختيار العنوان ، فالقدوة في الوعي الجماعي تفيد القدوة الحسنة في الصفات والسلوك ، ويُختار الاسم القدوة وفق الخطاب الثقافي بناء على سيرة العظماء الذي أسهموا في كتابة التاريخ الإنساني ، وأما اختيار الأم اسم " تيتاهان" لابنتها من مسلسل افتراضي فيكشف عن ثقافة مشوهة في اختيار اسماء المواليد . ومن المعلوم أن فئة من الآباء والأمهات يرتكبون " جناية " بحق أبنائهم حينما يختارون لهم أسماء لا يعرفون معناها ، ولو عرفوا لما سموا أبناءهم بها . وتزداد حدة هذه المعضلة حينما يكبر الأبناء ويعرفون معنى أسماءهم .
وتطرح الكاتبة قضية العلاقات العاطفية التي تتشكل في فضاء "الفيسبوك" في أقصوصة "فيسبوكيات" (كتبَ إليها: من أنتِ؟ كتبتْ إليه: أنا سوداء العيْنَيْنِ! كتبَ إليها: أحبّكِ! كتبتْ إليه: ماذا سنُسمّي ابننا الأوّل؟!)ص73 وعلى الرغم أن مضمون الأقصوصة متخيل وافتراضي ورمزي إلا أنه لا يخلو من الحقيقة ، فبعض العلاقات "العاطفيى تبدأ كما صورتها الكاتبة ...علاقات تبدأ سريعة وطائشة وكاذبة في أحيان كثيرة . وفي الأقصوصة إشارة إلى ظاهرة الاسماء المستعارة في صفحات الفيسبوك (من أنتِ؟ كتبتْ إليه: أنا سوداء العيْنَيْنِ). ويكشف التواصل العاطفي وفق المواصفات السلبية التي أشرنا إليها عن حدة الاحتقان العاطفي ، والكبت الجنسي لدى شريحة واسعة من رواد الفيسبوك .
وعطفا على دلالة السخرية في الأقصوصة السابقة تنبه الكاتبة على خطورة الاستهتار في الأمور الشخصية في أقصوصة " خاصة " (نشرت صورًا "خاصّة" جدًا... في شبكة اجتماعيّة عامّة!)ص81 وما زال هذا الاستهتار بحاجة إلى خطاب ثقافي يفصل مخاطر نشر الصور الخاصة التي يتعرض أصحابها – أحيانا – إلى الابتزاز المالي ، وغيره من أشكال التهديد.
ومن أشكال السخرية نوعٌ يسخر من الشخص الساخر ، كما في أقصوصة "أنا فاشل" (وزّعت المعلّمة أوراق الامتحان... مضت دقائق معدودة... ابتسم، وسلّم الورقة قائلًا: أنا فاشِل!)ص39 ويمكن تسمية هذا النموذج بـ " سخرية من السخرية " التي تنبه على ظاهرة اللامبالاة لدى فئة من طلبة المدارس والجامعات حينما يعبرون عن عدم اكتراثهم من فشلهم . ومن المؤكد أن الابتسامة التي يظهرونها تعبر عن هزيمة داخلية لا يرغبون بإظهارها . والتصريح بالفشل الذي تصاحبه ابتسامة قضية سيكولوجية تستدعي علاجا نفسيا .
وفي سياق السخرية يندرج أسلوب الدعابة . والفرق بينهما أن السخرية تصور نقدا لظاهرة اجتماعية أو تربوية ، أما الدعابة فلا تشتمل على نقد أو رفض . والتشابه بينهما هو الخروج عن نمط التعبير المألوف ، والتأثير والإثارة لدى المتلقي . ومن نماذج الدعابة أقصوصة "من المتحدث" (تحدّثَ بكلمات جميلة أمام الحضور... انبهر به الجميع... نظرت إليه زوجته بتمعّن؛ لتتأكّد مَن المتحدّث!) ص43 فالزوجة التي تعرف زوجها أكثر من غيرها تتفاجأ بمهارته في الإلقاء أمام الجمهور. وتكشف هذه الدعابة عن ظاهرة المهارات والمواهب التي يتمتع بها أناس يجهل قدراتهم أقربُ الناس إليهم . وتحتمل الأقصوصة أفقا دلاليا مغايرا ؛إذ تصلح أن تكون تعبيرا عن التناقض في شخصية الزوج الذي يُبدع في اختيار كلماته وتعبيراته أمام الناس ، ولا يحسن اختيار لغة تُرضي زوجته! ولعل التفسير الثاني أقرب إلى ذهن المتلقي . وهو التعدد في الرؤى والمعاني سمة تُضاف إلى أسلوب الدعابة .
ومن سمات الدعابة في الحوار أن يأتي الرد مختلفا عما يتوقعه المتلقي ، نحو أقصوصة "أنانية" ( قال لها: أنتِ أنانيّة! قالت لهُ: كيف لا أعشقُ نفسي وقد انفردتْ بكَ!)ص فالمتوقع أن تنفي الزوجة عن نفسها صفة الأنانية . ولكن ردها جاء مفاجئا ومفعما بالذكاء والدعابة . كما أن الدعابة في الرد اشتملت على دلالة مكثفة ، فردها تسويغ للأنانية ، وتحويل لمعنى الأنانية من صفة سلبية إلى صفة محببة ، وتعبير عن حبها لزوجها ، وتأكيد على اعتزازها بنفسها . وليس من السهل أن يعبر الرد الجاد والمألوف عن هذه العناقيد الدلالية ، ولهذا فإن الدعابة بؤرة دلالية تتشظى إلى مجرة من الدلالات.
الصورة اللونية
تعد الألوان معلما لافتا في التشكيل الفني للوحات الدلالية في مجموعة "مرآة وصور " . وتعود أهمية الألوان في المتن القصصي إلى قدرتها على استحضار معاني الألوان الكامنة في الذاكرة الجماعية ، فلكل لون عدد من الدلالات الاجتماعية والفكرية . ويكاد تستقل دلالة لون عن دلالة لون آخر وفق الموروث الثقافي للألوان .
ويشغل اللون الأحمر حيزا لافتا في نصوص الكاتبة بسبب الثراء الدلالي للون الأحمر ، نحو أقصوصة " صحيفة حمراء" (استدعى رئيس التحرير الصحفيّين في صحيفة "مرآة الشعب"، وخطبَ فيهم قائلاً: سئمتُ مواضيعَ بالية تافهة... لا تهمّ الجمهور، ولا تتحدّث بلسان الشعب... هذا الأسبوع بالذات ستُطلى صفحات الصحيفة باللون الأحمر... الكلمات.. الصور... كلّها تتحدث باللون الأحمر! قال أحد الصحفيّين بحماس: إذن؛ تسمح لنا أن نكتب عن الشعب... القتل... الشهداء! ردّ عليه رئيس التحرير: عن أيّ قتلٍ تتحدّث؟ أظنّ أنّك نسيتَ أنّ الثلاثاء القادم سيصادف "عيد الحبّ"!)ص9 تبدأ الخلايا الدلالية للون الأحمر بالتشكل ابتداء من عنوان الأقصوصة " صحيفة حمراء " ، وتنساب دلالة اللون الأحمر من العنوان إلى حنايا الأقصوصة ، فتتشكل ثلاث صور : الأولى : يعبر فيها اللون الأحمر عن رغبة رئيس التحرير في نشر موضوعات غير مألوفة ، وخاصة قوله : " الكلمات.. الصور... كلّها تتحدث باللون الأحمر!" الثانية : يجسد اللون الأحمر الدلالة الموروثة والمألوفة ؛لأن اللون الأحمر يرتبط بالدم ، لذا ظن العاملون أن الكتابة عن القتل والشهداء هي رغبة رئيس التحرير. الثالثة : تصور الخيبة والمفاجأة والانتكاسة ؛لأن رئيس التحرير قصد باللون الأحمر عيد الحب ! وبهذا يكون اللون الأحمر هو الرابط الفني الرمزي بين الصور الثلاث. وقد أحدث اللون الأحمر انزياحا في المسار الدلالي للأقصوصة حينما تحولت دلالته من دم الشهداء إلى الدلالة على الوردة الحمراء في عيد الحب.
وترتبط الوردة الحمراء بالحب في الخطاب العاطفي . واللافت أن اللون الأحمر يشتمل على دلالتين متنافرتين ؛ القتل والدم كما في الأقصوصة السابقة ، والحب كما في أقصوصة "وردة حمراء" (أهداها وردة حمراء... انعكست حمرتها على وجنتيها الصافيتين؛ فاحمرّت خجلا)ص23 ويرسم اللون الأحمر في هذه الأقصوصة صورة حسّية ، وأخرى نفسية ، أما الحسية فهي جمال الوجنتين اللتين تماهيا لونيا مع الوردة الحمراء، وكأن وجنتيها المصقولتين مرآة تجلى عليها لون الوردة . وأما النفسية فهي الشعور بالخجل الذي تجلى أيضا حمرة على وجنتيها اللتين جمعتا بين لون الوردة واحمرارهما من الخجل . والصورة الحسية الجمالية تُفصح عن مفاتن الأنوثة . والصورة النفسية تعبر عن الحياء . وحينما يجتمع الجمال الحسي مع الحياة يصبح الجمال مطلقا ومثاليا . فاللون الأحمر تكفل بتصوير نموذج الجمال التي تعجز اللغة عن تصويره.
وحينما يجتمع اللون الأحمر مع لون آخر يصبح المسار الدلالي مشتملا على صورتين متناقضتين ، نحو اجتماع اللونين الأحمر والأصفر في أقصوصة "ذوق" (أغلق المصنع الذي يعمل فيه... ساءت حالته الماديّة.. في يوم ميلاد خطيبته... أحضر وردة حمراء مِن حديقة المنزل؛ لتنثر عبير حبّه! رأت أمّها الوردة... ابتسمت ابتسامة صفراء قائلة: "كلّك ذوق"!)ص61 فالصورة الأولى تشتمل على وظيفة نفسية للوردة الحمراء التي بدت بلسما للنفس ، ونورا للقلب ، وتأكيدا على تمسك الشاب وحبه لخطيبته بعد أن فقد وظيفته في المصنع ، فاللون الأحمر هنا مواساة وأنس وسكينة وطمأنينة . والصورة الثانية تشتمل على وظيفة نفسية أيضا ، ولكنها مغايرة للصورة الأولى ؛ لأن الابتسامة الصفراء تعبير عن الاستهزاء والسخرية والازدراء ، وتتعزز هذه الدلالات بالجملة الأخيرة في قول الأم : " كلك ذوق " الذي جاء مثقلا بالسخرية .
وتوظف الكاتبة تداخل الألوان للتعبير عن التغير الدلالي التدريجي كما في أقصوصة "موهبة" (في أيام الخطوبة الأولى لوّن لها كلّ دقيقة من حياتها بألوان قوس قزح الزاهرة. في منتصف الخطوبة رسم لها لوحة أيام بألوان باهتة فاتحة. في فترة الزواج طلى أيام حياتها بألوان بالية سوداء. سألته عن سبب التغيّر! أجاب: ماذا أفعل؟ لقد خفّت موهبتي في الرسم!)ص27 ويمكن رصد التحول الدلالي التدريجي المرتبط بتغير الألوان وتداخلها وفق الحدود الزمنية الثلاثة الواردة في الأقصوصة . يبدو المسار الدلالي لألوان قوس قزح مألوفا ؛ لأن تعدد أشكال السعادة في بداية الخطبة ، وتوهج القلب ، وتنوع المواقف والمناسبات السعيدة يناظر تعدد ألوان قوس قزح وتوهجها وتنوعها . ويبدأ التغير الدلالي في الحد الزمني الثاني وهو انتصاف فترة الخطوبة التي يغلب أن تكون مدتها طويلة – وإن لم تفصح الكاتبة عن مدتها- . ويتبدى التحول في هذا الحد الزمني من خلال الألوان الباهتة التي تختزل تغيرا في المعاملة والسلوك ، كما تفكيك النية الدلالية العميقة للألوان الباهتة يكشف عن تفاصيل تغير المعاملة من حيث نبرة الصوت ، أو تنغيم الكلام ، أو تعبيرات الوجه والعينين ....الخ. ويستر التحول الدلالي المرتبط باللون في الحد الزمني الثالث وهو فترة الزواج الذي ارتبط باللون الأسود الذي يحمل دلالات مباشرة على سوء المعاملة ، وكثرة الخلافات الزوجية حتى تحولت حياة الزوجة إلى قطعة سوداء بالية ! وتكشف خاتمة الأقصوصة (لقد خفّت موهبتي في الرسم) عن حقيقة شخصية الزوج ، وتسبر أعماقه النفسية ؛لأن قوله في الخاتمة يشير إلى مهارته في تمثيل دور العاشق في بداية الخطبة .ويتضافر العنوان " موهبة " مع خاتمة الأقصوصة في التعبير عن نقد اجتماعي ساخر لظاهرة تحول فترة الخطوبة السعيدة إلى حياة زوجية بائسة.
وفي اجتماع اللون الأسود مع اللون الذهبي تنتصر براءة الطفولة على تبرير الأم . ومن المعلوم أن تبرير الوالدين للأطفال تغلب عليه سمات البساطة والسذاجة ، وخاصة حينما يرغب الوالدان في إخفاء الحقيقة عن الأطفال كما في أقصوصة "ذهب محروق" (صاحت الطفلة الصغيرة ذات الشعر الأسود باكيةً عندما رأت طفلة في جيلها ذات شعر ذهبيّ لامع طويل: أمّي أريد شعرًا ذهبيًّا مثل هذه الطفلة! أجابت الأمّ مطمئنّة: لا، حبيبتي؛ فشعرك الأسود أكثر جمالًا...إنَّ شعر تلكَ الطفلة قد احترق من الشمسِ! أجابت الطفلة مستغربة: إذن؛ لماذا تطلبين من أبي أن يحضر لك دائمًا أساور وخواتم محروقة!)(ص37 ) يتضافر اللونان الأسود والذهبي في صياغة مطلب انفعالي للطفلة التي ترغب بشعر ذهبي أسوة بصديقتها . وتحاول الأم تهدئة طفلتها ، فتزعم أن الشعر الذهبي ليس جميلا ، وأن اللون الذهبي ناجم عن احتراقه من الشمس . ويتوهج ذكاء الطفلة ودهائها حينما تربط بين اللون الذهبي ولون الأساور والخواتم الذهبية التي تطابها الأم من الأب .وقد جاءت خاتمة الأقصوصة مفتوحة لتتيح للقارئ أن يتساءل عن تعقيب الأم على رد الطفلة وذكائها . وأرى أن الكاتبة استثمرت اللونين الأسود والذهبي للتنبيه على أهمية إجابة الوالدين على أسئلة الأطفال ، وهي قضية تربوية تشكل مفصلا خطيرا في تنشئة الطفل التي تقتضي أن يكون الجواب منطقيا ومقنعا وخاليا من التناقض كي يتعلم الطفل آلية تعليل وتبرير مؤسسة على العقلانية والموضوعية .
ويدل اجتماع الألوان على فرح الأطفال وبؤس الفقراء في أقصوصة "ألوان" (تجمّع الأطفالُ حول بائع البوظة فرِحِين... اشتروا بوظة ملوّنة... نظر إليهم مِن داخل حجرة صغيرة... يسودها الظلام!) ص71 ومن المؤكد أن الكاتبة لا تهدف إلى رسم مشهد مألوف يعبر عن فرحة الطفال بشراء البوظة الملونة ، لكنها ترمي إلى تصوير فئة من الناس تشقى من أجل سعادة الآخرين ؛ فالأطفال في الأقصوصة رمز للشرائح الاجتماعية المنعّمة ، وبائع البوظة الملونة رمز للفئة الكادحة .
الصورة الصوتية
لا جدال في تأثير الموسيقى على طبائع الناس . فالإيقاع من أبرز معالم الإعجاز الكوني . ولا نجانب الصواب حينما نقول : إن الإيقاع مركز الكون . ولعل من أبرز دلائل مركزية الإيقاع في خلق الكون هو تعاقب الليل والنهار على نحو منظم إيقاعي .و الظواهر الإيقاعية الطبيعية ، نحو صفير الريح وخرير الماء وحفيف أوراق الشجر . وأصوات المخلوقات التي يطرب لها الإنسان كتغريد العصافير وهديل الحمام ... كما أن النظام الفسيولوجي عند الإنسان قائم على وظائف بيولوجية إيقاعية نحو عملية التنفس ونبض القلب ...الخ . وما دام الإيقاع على هذا النحو من الانتشار والتنوع والتأثير فمن البدهي أن نقرر أن الإيقاع أو الموسيقى يؤثر على النسيج النفسي للإنسان كما تصوره أقصوصة " صوت المطر " (كانت تجلس على مقعد خشبيّ قديم بانتظار مجيئه. فجأةً سمعتْ صوتًا جميلاً شدّ انتباهها، وأسَرَ حواسها.. نظرت حولها... إنّه صوت المطر... صوت موسيقى الطبيعة وهي ترقُصُ فرَحًا لاستقباله! أخذت تُمتّع أذنَيْها بسماع هذا الصوت الفريد.. "آسف على التأخير؛ حبيبتي.." قال خجلاً! "الموسيقى...الغناء...المطر" قالت متمتمةً! نظر إليها باستغراب، وكأنّه يحاول فكّ ما يعتري كلماتها من ألغاز! فهذه هي المرّة الأولى التي لم تغضب من تأخّره!) ص31 جاء استهلال الأقصوصة تهيئة للقارئ كي يشعر بوطأة الانتظار وخاصة إذا حصل تأخير في موعد اللقاء ، ومن الشائع أن التأخر عن الموعد المحدد يسبب قلقا وتوترا واضطرابا ، وقد يُفضي إلى انفعال شديد . وقد عمدت الكاتبة إلى توظيف الصوت الموسيقي للمطر ، وتصوير احتفاء الأرض بنغمات قطرات الماء ، وتحويل الطبيعة إلى حفل غنائي راقص بهدف التأكيد على دور الإيقاع في بث السكينة في النفس ، والطمأنينة في القلب . ولا تقتصر وظيفة الأصوات الإيقاعية على ما سلف بيانه ، بل تمتد وظيفتها إلى وصف شعور الإنسان بالزمن ، وهي مسألة فلسفية عميقة ؛ لأن الزمن يتوزع على مسارين : مسار حقيقي تحدده عقارب الساعة . ومسار مجازي وجداني يحدد تفاعل الإنسان مع المكان وما يشتمل عليه من أصوات ومشاهد.وأكاد أجزم أن الغاية من هذه الأقصوصة هي التأكيد على أن الزمن الحقيقي هو زمن الفرح والتفاعل مع الحياة .
وتسهم الصورة الصوتية في رسم الأبعاد النفسية التي تقصر عنها الأساليب اللغوية المألوفة كما في "أقصوصة " ضجة (رغم وحدته... شعر بضجيج داخل قلبه!) (ص59 ) فصوت ضجيج القلب يغني عن وصف مسهب للتعبير عن الحالة النفسية التي تعاني من الوحدة والانطواء ؛إذ إن صوت الضجيج يحمل في أصدائه الأسباب التي أدت إلى الوحدة والانكماش ، كما أن الضجيج يختزل تفاصيل الحزن والقلق والاكتئاب التي لم تُفصح عنها الأقصوصة.
الصورة الحركية
تشتمل أقصوصة قف على نوعين من الصورة لحركية ففي قول الكاتبة :( في غرفة الصّفّ الأوّل ينشغل المعلّم بتعبئة أوراقٍ غبيّة! الأطفالُ ينامون على الطاولات من شدّة الملل.. وإذا بـِ "سامي" الصغير يُقرّر كسر الصمتِ بصوتٍ واثقٍ يملأ الحجرة: "قِف"! يرفع المعلّم حاجبه وينظر إليهِ غاضبًا... وسامي لا يزال يشيرُ إلى إشارة المرور المرسومة على حائط الصّفّ في زاوية الحذر، ويفتخر بأنّهُ استطاعَ أن يُهجِّئ كلمة جديد ويقرأها!)(ص)13 صورتان حركيتان ؛ الأولى يغلب عليها الملل والضجر حينما ينشغل بتعبئة " أوراق غبية " ، وهي صورة تَمر نقدا تربويا ساخرا . والثاني مفعمة بالنشاط والحيوية حينما يقطع تلميذ الصمت بصوت عال ويقرأ كلمة (قف ) ، ويختزل اختيار الكاتبة لقراءة كلمة (قف) دون غيرها بعدا دلاليا مضمرا يعبر عن رفض سلوك المعلم المنهمك بتعبئة الأوراق الغبية . وبين الصورتين الحركيتين صورة ساكنة تتمثل بنوم الطلاب على الطلاب مللا من المعلم ومجريات الحصة الدراسية .
الصورة الاستعارية
ترسم الكاتبة صورة استعارية عنقودية في أقصوصة خياطة (كانت تخيط ثيابًا؛ لتساعده على مصاريف الحياة الزوجيّة... تخيط ليلاً ونهارًا... تُطرّز حياته بحرير مودة وإخلاص... تُرقّع ما كان يخرق في قلبها بروح هادئة؛ لكنّه طالما نسيها... تجاهلها... ونسج فوق حروف اسمها نسيج عنكبوت!)ص17 وتبدأ الصورة العنقودية بالتشكل حينما تشبه الحياة الزوجية بقطعة مطرزة بالحرير خيوطها الحب والإخلاص ، وتّضمر الصورة دلالات لم تكشف عنها الأقصوصة ، فالقطعة المطرزة تحتاج إلى وقت طويل ليكتمل جمالها ، وكذلك الحب والإخلاص في الحياة الزوجية يحتاج إلى مواقف ومناسبات كي يتعزز ويتجلى . ويزداد التشكيل الاستعاري كثافة في تشبيه الصبر والخيبة ونزيف القلب بترقيع الثوب . وتبلغ الصورة الاستعارية ذروة الدلالة القائمة على المفارقة حين تشبه الكاتبة تجاهل الزوج ونسيانه بنسيج العنكبوت . ويلاحظ المتلقي أن الصور الاستعارية في هذه الأقصوصة تتوسل بالدلالة الثنائية للنسيج ، فالنسيج أو التطريز من الزوجة من خيوط الحرير وألوان الحب والإخلاص . والنسيج من الزوج خيوط عنكبوت رمز التجاهل والنسيان.
الصورة الذهنية
هي الصورة التي تتشكل في ذهن المتلقي وفق ثقافته وقدرته على تفكيك النص ، ولهذا لا معنى محدد للأقصوصة التي تشتمل على صورة ذهنية ، نحو أقصوصة لغة الصمت (تقابلت العيون... تكلّمت دقات القلوب؛ فنطقت بكلام عذب... تعجز الشفاه عن البوح به!) ص20
فالقارئ يفسر لغة العيون ودقات القلب وفق الكثافة الوجدانية التي تعبر عن حالته الوجدانية ، وقد يستحضر المتلقي موقفا ذاتيا من جيوب ذاكرته ، وتبقى دلالة الأقصوصة قابلة للتأويل .
وفي أقصوصة أسرار شمسية (عجيبة هي الشمس... أحيانا.. تنثر ذهبها على كلّ بقعة من الأرض... تجود بما زيّنها الله من جمال، وأحيانا.. تجمع ذهبها بلهفة كالبخيل... ناويةّ في الأفق الرحيل!)ص25 لا تقصد الكاتبة شروق الشمس وغيابها ؛لأن الشمس في الأقصوصة بؤرة إشعاع دلالي تضيء مساحة فكرية لا متناهية .وتصلح البؤرة الدلالية للشمس لكل سياق دلالي يحتمل النقيض كما هي الحال في إشراق الشمس وغروبها .
وتأتي أقصوصة تأويلات ندية : (اصطحب الوالد بناته الثلاث الصغيرات في جولة بين أحضان الطبيعة. قال الوالد مبتسمًا: انظرن إلى هذه الزهرة الحمراء... ماذا تقلن في القطرات التي فوق الوريقات؟ قالت الأولى: إنّها قطرات من الوضوء... كانت هذه الزهرة تصلّي؛ ليحفظ الله لها والديها! قالت الثانية: لا....إنّ هذه دموع الزهرة على أختِها الذابلة! قالت الثالثة: لا هذا ولا ذاك....إنّ هذه قطرات الماء التي غسلت بها الزهرة وجهها هذا الصباح!) ص35 تعزيزا لتعدد الرؤى الدلالية للصورة الذهنية ، وتنوع الرؤى الفكرية لدى القارئ ، فالبنات الثلاث في الأقصوصة نموذج للتنوع الفكري الناجم عن تفسير النص ، وإسقاط القناعات الذاتية على سياقه المعلن . وإجابة البنات هي تجليات فكرية وروحانية ، وقد تختلف هذه التجليات باختلاف القرآء.
وتفتح أقصوصة قانون (أوقف الشرطيُّ السائِقَ مُوبّخًا... طأطأ السائقُ رأسَه،ومضى ) ص41 أفقا للدلالات المحتملة ، ويبدأ المتلقي بالتساؤل عن سبب التوبيخ ، ولماذا طأطأ السائق رأسه ، ومن المرجح أن تستحضر هذه الأقصوصة علاقة التوتر المعهودة بين الشرطي والسائق ، أو تستحضر المستوى الأخلاقي لفئة من السائقين وخاصة الفئة التي لا تحترم قوانين السير التي أصبحت ظاهرة تهدد سلامة الناس . وكل هذه التأويلات من الدلالات المحتملة التي تتسع لها أقصوصة الصورة الذهنية .
وتشكل أقصوصة برد (في يوم باردٍ... نزلت دمعةٌ على خدّيْها؛ لتبعث الدفء في نفسها!) ص45 دلالات رمزية للبرودة والدمعة والدف يتوقف معناها وفق تأثيرها وإثارتها للمتلقي ـوعلى الرغم من تعدد دلالاتها واختلاف القراء في تفسيرها إلا أنها تشكل سياقا نفسيا وجدانيا ينسجم مع المشاعر الإنسانية العامة .
وتثير أقصوصة البحث عن رفيق (سقطَ كتابٌ مِن أعلى المكتبةِ باحِثًا عن رفيق....!)ص67 إشكالية العزوف عن القراءة ، وهذا المعنى السطحي للأقصوصة ، ولكن المعنى العميق يتجاوز الوقوف على إشكالية القراءة ليصل إلى أسباب العزوف ، ومسؤولية الكاتب ، وطبيعة الأسلوب ، وماهية المضمون ، وآليات القراءة ، فالمعنى يتشكل من طبقات ، وكل طبقة تشكل قضية تستحق الحوار والطرح ، وهذا الاتساع والتنوع من خصائص الصورة الذهنية .
وتعبر أقصوصة صلاة (كلّ حرف في صلاته... يحمل صلاة إلى ابنه في الغربة!)ص75 عن العلاقة الوجدانية بين الكاتب واللغة ، تلك العلاقة التي تحمل في حناياها قدسية للحرف الذي يحمل آمالنا وأحلامنا . فالكتابة وفق البنية العميقة للأقصوصة ليست جسدا من الكلمات مسجى على السطر ، بل إن للحروف نبض وعبق ونزيف وطقوس لا يعرف دلالاتها ‘لا صاحب الحرف .
وتلجأ الكاتبة في أقصوصة كلمات وحروف (في الصباح.. يتجوّل في ربوع بلاده، ويستنشق مِن عبير الوطن حروفًا. في المساء.. تتجوّل كلماتُه في روح كلّ مُغترب؛ فيتنفّسها عميقًا!) ص83 إلى أنسنة الحروف والكلمات لتصوير اندغام الإنسان بالوطن الذي يتجلى لوحات فنية تتشكل من كلمات يجد فيها المغترب عبق الوطن وعطر الذكريات ونسائم حلم منتظر ، فالأقصوصة تختزل مفاهيم كبرى تتعلق بالوطن والنزوح والمنفى والعودة . وللقارئ حرية اختيار السياق الدلالي والأفق الوجداني الذي ينسجم مع تجربته الشخصية .
وفي أقصوصة تعبير (في حصّةِ التعبير... دخَل المعلم غرفة الصّفّ... وضعَ أمام الطلاب لوحةً قد أخفى قسمًا منها، وطلب منهم التعبيرِ عمّا يرونه فيها! انساب أحد التلاميذ بقراءةِ ما جادَ بهِ خياله عن اللوحة، وإذا به يتفاجأ من معلّمه مقاطعاً: غير صحيح... لم يكن ذلكَ ما قصدتُ أنْ تكتبوه... اللوحة تتحدّث بغير ذلك!)ص15 تصور الكاتبة مصادرة حرية التعبير ، وطغيان الرأي الواحد ، ومنع الإبداع الناجم عن تعدد الرؤى .
الأسلوب الحواري
تكاد تغيب الفروق الجوهرية بين وظائف الحوار في الرواية والقصة القصيرة من جهة ، والأقصوصة أو الومضة من جهة ثانية ، لأن الحوار يُسهم في رسم المعالم الفكرية والوجدانية للشخصيات ، ففي أقصوصة جئتك معزيا (حبيب ورفيق صديقان منذ الطفولة...بل هما أكثر من مجرّد صديقَيْن... إنّهما أخوان. توفي والد حبيب الذي تعلّق به كثيرًا... ولم يذهب الرفيق لتعزيته... لقد انشغل بأمور أكثر أهمية. دُقّ جرس رفيق يومًا.. نظر رفيق من العين السحريّة، وإذا به يرى صديقه"حبيب"... تلعثم...ارتبك... احمرّ خجلاً! قال حبيب بصوت تخنقه الدموع: ألم يصلك خبر الوفاة؟! أجاب رفيق مرتبكًا: آسف؛ الحياة...المشاغل! قال حبيب: أقصد صداقتنا.... فقد جئتك معزيًّا بوفاة الصداقة؛ يا أغلى رفيق!) ص29 يظهر تدني المستوى الأخلاقي لشخصية " رفيق " ، ويظهر أيضا سمو المستوى الأخلاقي لشخصية " حبيب " . واللافت أن الكاتبة اختارت الاسمين بعناية فائقة ؛لأن دلالة الاسمين تشكل توافقا ظاهريا ، ولكن التوافق يتحول إلى تناقض في سياق القصة . وتحسن الإشارة إلى أن الحوار في الأقصوصة يأتي مكثفا في دلالته وقصيرا في عباراته ؛لأن المساحة السياقية للأقصوصة محدودة ، ومن هنا تبرز براعة الكاتبة في اختيار أدق الألفاظ في الحوار لتحمل الدلالة المكثفة ، وتنهض بالوظيفة التعبيرية للأقصوصة .
وتسجل نقدا اجتماعيا ساخرا ولاذعا على لسان طفل في أقصوصة الحل البريء (اصطحب ابنه الصغير الذي لم يتجاوز عمره عدد أصابع الكفّ الواحدة إلى مباراة حاسمة في كرة القدم... فقد عشق هذه الرياضة منذ نعومة أظافره. صاح مشجّعاً... وقفز فرحًا، وابنه يحدّق به مستغربًا: لماذا يتشاجرون كلّهم على كرة واحدة؟ ألا يستطيعون شراء كرة أخرى!
أبي.. حبيبي؛ ألا تحبّ الخير؟
بَلى ..
إذن اشترِ لكلّ منهم واحدة!) ص33
فحوار الطفل مع أبيه يكشف عن قضية اجتماعية ينجم عنها أحيانا خللا أخلاقيا وتربويا . وتدعو الأقصوصة إلى إعادة صياغة ثقافة الرياضة من حيث التنظير الإعلامي ، والممارسة من قبل مشجعي الفرق الرياضية . واللافت أن السخرية في النقد الاجتماعي جاءت مرتبطة ببراءة الطفل في إجابته لأبيه .
وترسم البعدين الفكري والوجداني للشخصية الفلسطينية في أقصوصة طفل ولكن (سألوا طفلًا... لم يتجاوز عمره أصابع الكفّ الواحدة: كم عمرك؟ قال: عمري براءة طفل... وثورة شابّ... وصبر عجوز. قالوا: وكيف ذلك؟! قال: أنا طفلٌ مِن فلسطين!)ص69 اعتمادا على إجابة الطفل ، فكل جزء من إجابته يشكل جزءا من الثقافة الفلسطينية . ومن البدهي أن وصف الشخصية الفلسطينية ضمن المعطيات التاريخية والسياسية يحتاج إلى مدونة مطولة ، ولكن الحوار القصير والمكثف تكفل برسم أبعاد الشخصية الفلسطينية ، وتميزها عن غيرها .
المشهد الدرامي
يقترب المشهد الدرامي في الأقصوصة من مشهد سينمائي يصور حدثا ويتضمن عناصر الشخصيات والزمان والمكان ، نحو المشهد في أقصوصة حب(في الرابع عشر من شباط، قدّم إليها بيديهِ وردةً حَمراء... حلّقَ قلبها مع الهديّة، ونسجَ قصة حبِّ في الخيال... بعد ساعات... أعادتها إلى الواقعِ "صفعات" جارحة طالما اعتادت عليها من اليدينِ ذاتهما!) ص3 ، فالحدث يصور تموجات العلاقة الزوجية حبا وفتورا ، وذكرى ونسيانا . والزمن هو الرابع عشر من شباط الذي يُعرف بـ عيد الحب .والمكان بيت الزوجية . وتمثل ملامح الزوجين ولحظة تقديم الوردة الحمراء الفضاء النفسي للمشهد الدرامي الذي يمكن بسهولة تحويله إلى مشهد سينمائي .
وتستمد الكاتبة مشهدا دراميا من المناسبات الاجتماعية التي تتجلى فيها الطقوس التراثية في أقصوصة يا رب (في كلِّ عرسٍ تشارك فيه... ومع كلِّ كلمة "عقبالكِ"... ترتسم أمامها ملامحه... تبتسم وتقول: يا ربّ!) ص6 فالعرس وحده يشتمل على العناصر الدرامية كلها . ويتضمن مشهد العرس علامتان فارقتان ؛ الأولى كلمة ( عقبالك ) المشبعة بالتقاليد التراثية في سياق تبادل التهاني . والثانية ابتسامة تلك الفتاة التي تحتمل عناقيد دلالية يتوقف فهمها على قدرة المتلقي على تفكيك بنية المشهد الدرامي للعرس .
وتختزل الكاتبة ثقافة التعزيز في العمل الوظيفي في أقصوصة ثناء (أثنى المُدير على عمل موظفته... فرحت الموظّفة... مضت إلى عملها؛ لتستقبل الزبائن بابتسامة مُشرقة!)ص ويترك المشهد الدرامي مجالا لمخيلة المتلقي الذي يبدأ توقعه بالتشكل لمعرفة عبارات الثناء التي وجهها المدير للموظفة ، وتخيل مستوى التغير في سلوكها تجاه جمهور المراجعين . كما يُضمر المشهد الدرامي مشاهد متناقضة مع تعامل المدير مع الموظفة ، وبهذا تتألف الأقصوصة من ثنائية الحضور والغياب ، حضور المشهد الدرامي في الأقصوصة ، وغياب المشهد المتعارض مع فكرة الأقصوصة .
وتستمد الكاتبة من المشاهد الدرامية فكرة تنسج منها مشهدا دراميا قصصيا في أقصوصة تحت الجيل (كانت تجلسُ مع أطفالها الصغار؛ لمُشاهدة مُسلسل "العشق الممنوع"، كانت مُنسجمة مع المشاهد الرومانسيّة، وعلامات الاستفهام تحيط صغارها!)ص59 واللافت أن اقتباس المشهد يتسم بالواقعية التي تشجع القارئ على إعادة قراءة الثقافة الرومانسية التي أثبتت الأعمال الفنية المدبلجة أن المجتمع العربي بحاجة ماسة لصياغة ثقافة رومانسية تتفق مع المحيط الاجتماعي والثقافي ، وأن إغفال الرومانسية لأسباب عدة لا يؤدي إلى غيابها من الذهن والوجدان ، بل يجعلها ترسو في أعماق النفس ، ثم تتوهج عند اشتعال الشرارة الأولى .
وفي أقصوصة طابور (تخرّجت بامتياز... دفعها الحماس؛ لتبحث عن عمل، وسرعان ما أطفأ لهيب حماسها طابور منتظرِين... لا ينتهي!)ص63 ترسم الكاتبة مشاهد درامية واقعية ومرئية في غير مكان . وتثير إشكالية البطالة ، والتداعيات الاجتماعية والنفسية الناجمة عنها .

نقد النقد (الميتانقد)
نصوص أنصار وتد في ميزان النقاد
عاين عدد من النقاد والقراء حزمة من النصوص المختارة وفق رؤى أقرب إلى القراءة الانطباعية من التحليل المنهجي . ويعد اختيار نصوص دون غيرها أمرا مألوفا في الممارسة النقدية ؛ لأن الاختيار مؤسس على التفاعل بين النص والقارئ النقاد ، وبمقدار ما يُحدث التفاعل تأثيرا وإثارة يتحدد الاختيار ، كما أن طبيعة النصوص المختارة تُفصح عن التشكيل الثقافي الذي يعقد أواصر قربى بين النص المختار ومن قام بالاختيار .
يختار جميل كتاني في مقالته القصيرة الموسومة بـ قراءة في "مرآة وصور" للكاتبة أنصار توفيق وتد" ثلاثة نصوص من مجموعة (مرآة وصور ) منطلقا من رؤية اجتماعية وفضاء أخلاقي كما يتجلى في قوله (غير أنني سأسلط الضوء على إحدى أهم القضايا التي تطرحها الكاتبة،معاناة المرأة في مجتمع ذكوري يسعى جاهدًا لمصادرة حريتها وسلب كرامتها، والتعامل معها باعتبارها سلعة أو شيئًا خاليًا من المشاعر والأحاسيس). وأرى أن تعليل الاختيار من قبل الناقد "كتاني " يجعل مقالته تقترب من المحاكمة الاجتماعية ، وكان ينبغي أن يحاكم المتن اللغوي من حيث البناء التركيبي والجمالي ثم يُفصح عن البعد الاجتماعي الأخلاقي للنصوص المختارة ؛ لأن المستوى الجمالي للنص أولى بالمعاينة النقدية من المستوى الموضوعي . إن الرؤية النقدية التي اشتملت عليها المقالة المذكورة تتشكل من الدلالات التي تطفو على سطح نص أقصوصة "حب" ، كما يتجلى في قول صاحب المقالة : (استطاعت الكاتبة، من خلال بضعة جُمل، اختزال العلاقة بين الزوج وزوجته؛ فالزوج يُهدي زوجته وردة حمراء، فتفرح الزوجة لهذه الهدية، فتنسج قصة حُبٍّ في خيالها، لكنها سرعان ما تعود إلى الواقع لتتذكر الصفعات التي اعتادت عليها من اليدين ذاتهما. لذلك، فالعنوان قائم على المفارقة لأنه يستدعي الكثير من التساؤلات حول طبيعة الحب ومصداقيته من قبل الزوج تجاه زوجته.) ولا يخفى أن صاحب المقالة قد أفلح في رصد تقنية المفارقة في الأقصوصة ، ولكنه أغفل دلالات الفضاء الزمني للحدث في الأقصوصة . ومن المفيد أن نثبت الأقصوصة لتتجلى جوانب المعاينة النقدية التي ارتضاها صاحب المقالة ، والجوانب النقدية التي سكت عنها . تقول أنصار وتد في نص " حب " ((في الرابع عشر من شباط، قدّم إليها بيديهِ وردةً حَمراء... حلّقَ قلبها مع الهديّة، ونسجَ قصة حبِّ في الخيال... بعد ساعات... أعادتها إلى الواقعِ "صفعات" جارحة طالما اعتادت عليها من اليدينِ ذاتهما!)) ص3 من البين أن النص بدأ بعلامة سيميائية زمنية فارقة وهي (14 شباط ) الذي يُعرف بـ "عيد الحب " ، ثم تأتي العلامة الزمنية الثانية في عبارة (بعد ساعات ) لتطفئ وهج الفضاء العاطفي الذي اشتملت عليه العلامة الزمنية الأولى (عيد الحب ) ؛ فالنص مؤسس على ثنائية زمنية ، الأولى تجسد نشوة الحب والفرح ، والثانية تمثل الخيبة والانكسار ، وعليه فإن ثنائية البناء والهدم هي البؤرة الدلالية التي يتشكل منها نص " حب " . وكان بإمكان صاحب المقالة النقدية أن يلتفت إلى التحديد الزمني (14 شباط ) ليضيف دلالاته إلى المحاكمة الاجتماعية أو الأخلاقية التي ارتضاها . واستئناسا بما تقدم فإن التشكيل اللغوي والجمالي هما اللذان يفضيان إلى الكشف عن البنية الدلالية .
ويقفز صاحب المقالة فيختار أقصوصة " خياطة " . ولا بأس من تجاوز عدد من نصوص الكتاب ، لأن الاختيار مسألة تعتمد على التذوق والتفاعل بين النص والقارئ الناقد . وتبقى الرؤية الاجتماعية هي سيد الموقف النقدي لدى " كتاني في قوله : (( تقوم الزوجة بخياطة الملابس فتعمل ليلَ نهار من أجل مساعدة زوجها على المصاريف البيتية، لكنّه كان يقابلها بالنسيان والتجاهل. هذا التعامل من قبل الزوج يعكس النظرة الاستعلائية للرجل/ الزوج تجاه المرأة/ الزوجة، وغياب التكافؤ والمساواة بين الطرفين.)) .
ولكن إعادة معاينة نص " خياطة " يكشف غياب البعد التصويري الذي تحفل به أقصوصة " خياطة " من المقالة النقدية. ولو تأملنا قول أنصار وتد : (كانت تخيط ثيابًا؛ لتساعده على مصاريف الحياة الزوجيّة... تخيط ليلاً ونهارًا... تُطرّز حياته بحرير مودة وإخلاص... تُرقّع ما كان يخرق في قلبها بروح هادئة؛ لكنّه طالما نسيها... تجاهلها... ونسج فوق حروف اسمها نسيج عنكبوت!) لوجدنا أن النص يتحول من مستوى لغوي مألوف إلى مستوى فني استعاري من خلال تحول دوال " الخياطة " ؛فالفعل " تخيط " الذي تكرر مرتين( تخيط ثيابا ، تخيط ليلا ونهارا ) يقتصر على الدلالة الحقيقية التي تعبر عن مهنة تلك المرأة التي تقاسمت تكاليف الحياة مع زوجها . والفعلان " تطرز و ترقع " يرسمان صورتين فنيتين استعاريتين ؛ الأولى : تشبيه المودة والإخلاص بقطة حرير مطرز ، والثانية : تشبيه الصبر على الشدائد والاصرار على ديمومة الحياة الزوجية بترقيع الثوب الذي يطول أمد الإفادة منه . كما أن نهاية أقصوصة " خياطة " تشكل نسيجا فنيا لافتا حينما تعمد الكاتبة إلى توظيف الكناية في تصوير النسيان والإهمال بخيوط العنكبوت .
وفي أقصوصة " موهبة " استطاع الناقد جميل كتانة أن يلتقط الأيقونة الدلالية التي تتمثل بلفظة " الرسم " ، كما يتجلى في قوله : (أنَّ كلمة "الرّسم" محمّلة برموز مختلفة، من ضمنها "التمثيل"، وكأنَّ الزوج يقول لها: أنني كنتُ أمثِّل دور العاشق المحِبّ أيام الخطوبة، لكنني أزلتُ القناع عن وجهي فبدت حقيقتي كما هي عليه الآن.) ولو أضاف الناقد دلالة المفارقة التي تتمثل بالتباعد الدلالي بين معنى العنوان (موهبة ) ودلالة الأقصوصة لكان المشهد النقدي في مقالته أكثر عمقا ودقة وشمولية ؛ لأن الدلالة المألوفة للعنوان " موهبة " تفيد حزمة من المعاني الإبداعية والفنية في الوعي الجماعي ، ولكن دلالة الأقصوصة تفيد فتور العاطفة ، وانطفاء الوهج الوجداني .
ويرصد الناقد محمد صفوري أبرز التقنيات الأسلوبية في مجموعة " مرايا وصور " وينبه على المفاصل الدلالية لنصوص المجموعة ، وعلى سمة التكثيف والاختزال التي ينبغي أن تتوافر في الأقصوصة أو الومضة ، كما لا يغفل صفوري أبجديات التعالق بين الأقصوصة والمتلقي - القارئ ، ويعبر عن هذه الحزمة من المواصفات بقوله : ((تعكس المجموعة مشاهد متنوّعة ومختلفة تصوّرها الكاتبة من خلال مرآتها الّتي تتجوّل بها في قطاعات مختلفة من المجتمع، وتنقل عبرها ما تؤمن به من أفكار تارةً، وتوجّه تارة أخرى نقدًا لاذعًا لسلوكيّات سلبيّة لا ترضى عنها. كلّ هذا تعرضه من خلال نصوص قصيرة وموجزة لا تبوح إلّا بالقليل القليل، لكنّها تغيّب معطيات نصيّة كثيرة، فتترك الفرصة سانحة أمام القارئ ليتفاعل معها)). صفوري ، محمد : قراءة في مجموعة مرآة وصور لأنصار وتد. موقع الجبهةg http://www.aljabha.or
ويقف صفوري على عتبة الاستهلال التي أسماها (تصدير) ، وكان ينبغي أن يسميها استهلالا ؛ لأن التصدير للعمل الأدبي يتشكل – عادة – من رؤية ناقد ، ولا يتشكل من المبدع نفسه ، فالتصدير يناظر في دلالته التقديم ، ولا شك أن هذه الملاحظة لا تقدح بالوقفة النقدية التي سجلها صفوري بقوله : (( تصدّر الكاتبة مجموعتها القصصيّة بما يشبه الإعلان الصّحفي تحت عنوان "ومضة"، ممّا يشي ببعض مواصفات تلك القصص، فهي قصص لا تكشف بقدر ما تبطّن، إنّها تلمّح بومضة، لمعة، إشارة، ولمحة ليأتي القارئ فيما بعد ويعمل على كشف شيفرة القصّة، مهتديًا بتلك الومضة المنبعثة من فضاء القصّة.)) صفوري ، محمد : قراءة في مجموعة مرآة وصور لأنصار وتد. موقع الجبهةg http://www.aljabha.or ويقتبس صفوري نص الومضة مكررا تسمية التصدير في قوله:( تقول الكاتبة في تصديرها: "في عصر السّرعة. خُلِقَتْ هذه الصّور. من رحم مرآة الواقع. فكانت..." ( مرآة وصور) . وتمنيتُ على الناقد صفوري أن يقف على دلالة علامة الحذف في نهاية الومضة ( فكانت...) ؛ لأن علامة الحذف تختزل عناقيد دلالية غير متناهية لأنها تفتح آفاق التوقع لدى القارئ الذي يبدأ بطرح سؤال بدهي ( فكانت ماذا ؟ ) ، وربما انشغل صفوري بدلالة عصر السرعة في الومضة ليشرع في بيان تأثير عصر السرعة على نشأة الأقصوصة .
ويعرض صفوري لخاصية التكثيف مشيرا إلى البنية الدلالية العميقة لنصوص المجموعة ، في قوله :(نجدها قصصا تتطلّب يقظة تامّة، وقدرة ذهنيّة كبيرة، واطّلاعًا واسعًا على منجزات الأدب في العالمين الغربيّ والعربيّ حتّى يتمكّن من فكّ شيفرة هذه القصص والوصول إلى الرّسالة المبطّنة في كلّ قصّة). صفوري ، محمد : قراءة في مجموعة مرآة وصور لأنصار وتد. موقع الجبهةg http://www.aljabha.or واتفق واختلف مع صفوري في قوله السابق ؛فأما الاتفاق فيتمثل بضرورة مضاعفة اليقظة للدلالات الكامنة في النص . وأما الاختلاف فيتمثل في أن النصوص تحتاج إلى " فك شيفرة " ؛ لأن هذا الوصف يسلب نصوص المجموعة سلاسة اللغة ، ووضوح المعنى في المستوى السطحي للنص .
ويتكئ صفوري على التحليل النفسي لأقصوصة حب كما يُفهم من قوله : (تعرض القصّة شخصيّة انفصاميّة للرّجل، بل شخصيّة مأزومة يتغيّر سلوكها من النّقيض إلى النّقيض مع تغيّر حالتها النّفسيّة.) صفوري ، محمد : قراءة في مجموعة مرآة وصور لأنصار وتد. موقع الجبهةg http://www.aljabha.or ليس من اليسير التسليم بصفة الانفصامية على الرغم من أن شخصية الرجل في الأقصوصة مأزومة ؛ فوصف الرجل بالانفصام قد يُحمل الأقصوصة ما لا تطيق من دلالات كامنة . ولعل ربط أبعاد الحدث في هذه الأقصوصة بما يمكن تسميته بـ " رومانسية المناسبات " أقرب إلى الدقة وموضوعية التحليل ؛ لأن تقديم الهدية للزوجة جاء مرتبطا بسياق زمني ( 14 شباط - عيد الحب ) .
ويبدو أن الناقد صفوري لا يؤمن بالتعالق بين الحب والأنانية ، إذ إن ارتباط الحب بالأنانية أمر مشروع في العلاقات العاطفية . وقد حفل سجل الشعر العربي قديمه وحديثه بارتباط الحب بالأنانية . واللافت أن صفوري يفسح الترابط الغريزي بين الحب والأنانية في تعقيبه على أقصوصة " أنانية " (( قال لها : أنت أنانيّة! قالت له: كيف لا أعشقُ نفسي وقد انفرَدَتْ بكَ!"(ص51). بقوله :( فهي لا تثور من اتّهامها بالأنانيّة، بل تجيب بكلّ هدوء وذكاء بصيغة سؤال يُفهم منه أنّها صارت أنانيّة لارتباطها به، وكأنّها أصيبت بالعدوى بعد التّعرّف عليه، فهي تردّ على النّار بمثلها، وفي ردّها هذا ما يلوّح ببعض التّهكّم والسّخريّة من الرّجل الذّي تتعامل معه، فهو الآنانيّ ومع ذلك يتّهمها بذلك.) صفوري ، محمد : قراءة في مجموعة مرآة وصور لأنصار وتد. موقع الجبهةg http://www.aljabha.or ولا أرى في الأقصوصة اتهاما أو تهكما أو سخرية ، بل أرى فيها تبريرا منطقيا لارتباط الحب بالأنانية ؛ فالزوجة تعتز بنفسها ، وتشعر بتفردها ، وتفوقها على غيرها لأنها تفردت بزوجها ، وفي هذا مدح للذات وإطراء للزوج .
وينطلق صفوري من أقصوصة " يا رب" لتقديم رؤية أيدولوجية للخطاب الاجتماعي الذي يتخذ من التواكل والدعاء خيارا وحيدا للتغيير المنشود ، وكأن الناقد يسعى للتأكيد على أن الدعاء وحده لا يغير من أمرنا شيئا ؛لأن الدعاء يجب أن يكون مقرونا بالعمل تحقيقا للحديث الشريف (اعقل وتوكل ) .ويشكل ما ذهب إليه صفوري رؤية أيدلوجية صائبة ، وخطابا ناقدا موجها لثقافة اجتماعية منقوصة . ولكن القارئ الناقد أو العادي قد لا يجد هذا الفضاء الأيدلوجي متوافرا في أقصوصة " يا رب " التي جاء فيها : (في كلِّ عرسٍ تشارك فيه... ومع كلِّ كلمة "عقبالكِ"... ترتسم أمامها ملامحه... تبتسم وتقول: يا ربّ!) ص 7 وأزعم أن هذه الأقصوصة ترسم طقسا اجتماعيا يتبادل فيه المحتفلون التهاني والدعاء بكلمة (عقبالك). وكيف يمكن إقناع القارئ بأنها أقصوصة " يا رب " ( تبطّن القصّة غضبًا شديدًا على هذه الشّخصيّة لعدم فاعليّتها أو سعيها لتحقيق أملها في الحياة، وهو زواجها من حبيبها) ؟ وعلام اعتمد صفوري في حكمه النقدي الذي وصل إلى البنية الفكرية للكاتبة في قوله : ( يبدو لي أنّ الكاتبة أفرغت قصّتها من الأفعال الحركيّة، ولجأت إلى أسلوب الإخبار لتزيد من سلبيّة الشّخصيّة وتقلل من فاعليّتها، وهو الوضع الّذي تعيشه كلّ فتاة في مجتمعنا العربيّ)؟ صفوري ، محمد : قراءة في مجموعة مرآة وصور لأنصار وتد. موقع الجبهةg http://www.aljabha.or
ويحلل صفوري أقصوصة (خاصة) التي اختزلت فيها الكاتبة إشكالية اجتماعية خطيرة بقولها : (نشرت صورًا "خاصّة" جدًّا. في شبكة اجتماعيّة عامّة!"(ص81).) وفي تحليله اللافت إثارة لقضية اجتماعية ذات أبعاد أخلاقية وتربوية . وسيجد القارئ في تحليل صفوري فضاء لنقد اجتماعي مائز يثير جدلا بين الحرية الشخصية والمحاذير التي تحكم ثقافتنا في بيئتنا العربية .
ويفتح صفوري في دراسته محورا تربويا في تحليله لقصص ( قف ، وتعبير ، والبحث عن رفيق ) . ولا يخفى أن الرؤى النقدية التي جاءت في هذه القصص تجسد الجينات الثقافية التي أصابها تلف ما ، وتمثل ظواهر تربوية انحرفت بوصلتها عن الهدف ، ويقتبس صفوري من مقدمة مجموعة (مرآة وصور) ما يعزز رؤيته النقدية والفكرية بأن ( الكاتبة تحمل رؤية ورسالة؛ فهي توجّه سهام النّقد الاجتماعيّ نحو أهداف محدّدة، وتدعو إلى إعادة صياغة عدد من الظّواهر الاجتماعيّة والتّربويّة بما ينسجم مع النّسيج الفكريّ المنشود).
ويبدع صفوري في رصد مكونات المستوى الجمالي ( البنائي والفني واللغوي . بقوله : على المستوى الجماليّ فإنّ قصص المجموعة تنسجم انسجامًا تامًّا مع تقنيّات القصّة القصيرة جدًّا كالقصر، التّكثيف، اقترابها من الشّعر، والحكائيّة اعتمادها لغة بعيدة عن التّعقيد، إنّها لغة ذات ألفاظ عاديّة، لكنّها ترتقي بواسطة عمليّة النّظم وصياغتها في قوالب خاصّة تعمل على تكثيف اللغة واتّساع دلالتها توظيف تقنيّة الفكاهة السّوداء تقنيّة تغييب، أو حذف بعض المعطيات النّصّيّة إضافة لاستخدام علامات التّرقيم الخاصّة بالشّعر كالنّقاط الّتي تدلّ على عدم إتمام السّطر، والاختلاف في أطوال الأسطر.انظر صفوري ، محمد : قراءة في مجموعة مرآة وصور لأنصار وتد. موقع الجبهةg http://www.aljabha.or