11 الكمين الأفغاني والإرهاب

سعود سالم
2016 / 10 / 8

ولإدراك ظاهرة "الإرهاب" أو العنف المسلح الذي تقوم به الجماعات الإسلامية المتعددة، وتمارسه في أوروبا الغربية وفي العراق وسوريا وليبيا وبعض الدول الأفريقية، لا بد من الرجوع إلى ما وراء الستار، إلى الكواليس الخلفية لمسرح المؤامرة، ومقابلة المؤلف والمخرج ومعاونيه الذين ساهموا في كتابة وإخراج المسرحية والذين تخيلوا السيناريو وديكور الأحداث. ذلك أن الصدفة والعرضية وسوء الحظ، هذه المصطلحات لا مكان لها في مجرى التاريخ والأحداث. فها هي هيلاري كلنتون تعلن بكل صفاقة : " دعونا نتذكر هنا أن أولئك الذين نقاتلهم اليوم، نحن الذين قمنا بدعمهم يومًا ما قبل 20 عامًا. فعلنا ذلك لأننا كنا مندمجين في صراع مع الاتحاد السوفيتي، ولم يكن بإمكاننا أن نسمح لهم بالسيطرة على آسيا الوسطى." تقول ذلك في مقابلة منقولة عن شبكة « سي إن إن » الإخبارية الأمريكية. تضيف « كلينتون »: « بمباركة الرئيس ريجان وبموافقة الكونغرس بقيادة الحزب الديموقراطي قمنا بالتعامل مع المخابرات الباكستانية ودعمنا تجنيد هؤلاء المجاهدين من السعودية وأماكن أخرى.. استوردنا العلامة الوهابية للإسلام حتى نستطيع الإجهاز على الاتحاد السوفيتي ». وتؤكد « كلينتون » : « في النهاية انسحب السوفييت .. لم يكن استثمارًا سيئًا، فقد أسقطنا الاتحاد السوفيتي ولكن علينا أن نوقن أن ما نزرعه فسوف نحصده ». فما الذي حدث بالضبط، وما هو مصدر هذه الحرب في هذا البلد الفقيروالمغمور والمسمى أفغانستان؟
بعد ازدياد نفوذ حزب الشعب الديموقراطي الماركسي، وصل رئيس الوزراء الأسبق « محمد داوود خان » بانقلاب سلمي وبدون إراقة دماء إلى السلطة عام 1978، منهيًا بذلك عهد الملكية الأفغانية. شرع « داوود خان » في تطبيق برنامج تنموي مستلهم من النماذج الماركسية في الإصلاح. غيرأن المجتمع الأفغاني القبلي والذي ما تزال تسيطر عليه الخرافات الدينية لم يتقبل هذه التغييرات، ولم يتلق النظام القدر الكافي من القبول الشعبي، مما اضطره لمحاولة فرض إصلاحاته بالقوة وبواسطة القمع البوليسي للشعب. اضطر الحزب في النهاية إلى عزل « داوود خان » وتولية « محمد نور تراكي » رئاسة المجلس الثوري ورئاسة الوزراء في جمهورية أفغانستان الحديثة. غير أن الأمر لم يتحسن والحزب الديموقراطي كان على بعد ملايين السنوات الضوئية من رغبات واحتياجات ومطالب الشعب، فاندلعت موجة معارضة للحكومة وخصوصًا في المنطقة الشرقية ضد سياسات الحزب، وقتل «تاراكي» في ظروف غامضة ووصل نائبه « حفيظ الله أمين » إلى السلطة، قبل مقتله كان «تاراكي» قد وقع معاهدة تسمح بالتدخل السوفيتي في أفغانستان حال طلب الأفغان ذلك .. كان السوفييت يتمتعون في ذلك التوقيت بقدر من الوجود الجيد لمستشاريهم في باكستان (حوالي 400 مستشار عسكري سوفيتي كانوا يتواجدون في باكستان على استعداد للتدخل). ولا شك أن الحكومة الأمريكية لها مسؤولية مباشرة في إندلاع المعارضة للحكومة الماركسية، حيث بدأت خطة الأمريكيين لنقل المقاتلين إلى أفغانستان قبل التدخل الروسي بكثير، وهو أمر طبيعي ومنطقي إذا علمنا أن الغرض من المناورات الأمريكية هو إستدراج الإتحاد السوفييتي ليقع في الكمين المنصوب، حرب طويلة لا ينتصر فيها أحد، سوى أمريكا وعملائها.
البداية كانت بزيارة قام بها «بريجنسكي» إلى القاهرة حيث التقى الرئيس المصري «أنور السادات» وكان المطلوب من مصر أمرين محددين : أولهما مشاركة المؤسسة الدينية المصرية في حملة الحشد للقتال ضد السوفييت ونجدة المسلمين في أفغانستان، الأمر الآخر والأكثر أهمية هو الحصول على الأسلحة السوفيتية القديمة المخزنة في المخازن المصرية من أجل شحنها إلى المتمردين في أفغانستان. كانت الولايات المتحدة ترغب بوضوح في طمس أي بصمة رسمية لها في دعم المسلحين لذلك فضلت ألا تمدهم بأسلحة أمريكية وإنما بأسلحة روسية حتى يظهر أنه تم اغتنامها من الروس أنفسهم.
أمر السادات بتخصيص مطار "قنا" العسكري ليكون مقرًا لشحن الأسلحة إلى باكستان حيث توزع بمعرفة الـ « سي آي أيه » والمخابرات الباكستانية، كما أمر الرئيس المصري بجعل ميناء " بورسعيد " قاعدة خلفية لتخزين وشحن السلاح إلى ميناء كراتشي. بعد يوم واحد من اجتماعه بالسادات في مصر توجه « بريجنسكي » إلى غزة والتقى الأمير « فهد » ولي العهد السعودي آنذاك والأمير « سلطان » وزير الدفاع. وكان على السعودية تحمل الشق الأكبر من نفقات العملية إضافة لذات الدور الإعلامي لمؤسستها الدينية في الدعوة إلى الجهاد ضد السوفييت. وفي عام 1980 رحل «كارتر» و«بريجنسكي» عن البيت الأبيض وجاء «رونالد ريغان» خلفًا لهما ليكمل المهمة.
التحدي الأكبر الذي واجهته إدارة «ريغان» كانت أن الولايات المتحدة عليها أن تتحمل حصة مالية هي الأخرى في تمويل العملية الأفغانية. واقترحت الاستخبارات الفرنسية على الرئيس الأمريكي الاستفادة من شحنات المخدرات التي يصادرها مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي، وبيعها في السوق السوداء واستخدام عوائدها في تمويل العمليات الأفغانية. لاقت الفكرة فيما يبدو قبولًا أمريكيًّا.. في تلك الفترة ارتفع إنتاج المزارعين الأفغان من الخشخاش مرات عدة حتى صار مردوده المالي يقارب ستة مليارات دولار سنويًّا، وأصبح الأفيون وتقطيره أهم صناعة وطنية في البلاد. ووفقًا للصحفي الباكستاني «محمد رشيد»، فإنه في الثمانينيات من القرن العشرين اقترب حجم المخدرات الأفغانية المتداولة في العالم من 70% من إجمالي الإنتاج. ولقد اضطرّ بعض ضباط مكاتب مكافحة المخدرات التابعة للأمم المتحدة في بيشاور إلى الاستقالة من وظائفهم احتجاجًا على العراقيل التي يصنعها رجال الاستخبارات المركزية الأمريكية والمخابرات العسكرية الباكستانية لجهودهم. و بعد استيلاء حركة طالبان على السلطة في أفغانستان حاول أميرها الملا محمد عمر وقف تجارة الأفيون إلا أنه فوجئ بحجم تأثيرها الكبير على اقتصاد البلاد التي عانت تناقصًا شديدًا في العائدات. مما اضطره إلى استصدار فتوى غريبة تبيح زراعة الأفيون وتجارته بهدف التصدير ومنع الإستهلاك المحلي، بحيث ينحصر الضرر الواقع منه على الكفار فقط.
وازدادت العمليات العسكرية ضد الجنود الأفغان، وتحرشات المتمردين الإسلاميين بالجيش الأفغاني في الجبال، ما دفع « حفيظ الله أمين » إلى التوجه إلى الاتحاد السوفيتي لطلب العون وزيادة حجم الدعم في المال والعتاد. لم يكن السوفييت على ثقة كاملة في « أمين » إما بسبب عدم الاطمئنان لقدرته على إدارة الأمور والوقوف في وجه التمرد، وإما بسبب بعض تقارير المخابرات السوفيتية، التي تلوح بإمكانية وجود علاقة تربطه بالمخابرات الأمريكية. في 27 ديسمبر/كانون الأول من عام 1979، قامت القوات الخاصة الروسية باحتلال الأبنية الحكومية والعسكرية والإذاعة الرئيسية في العاصمة كابول، وكذلك القصرالرئاسي، وتم التخلص من « حفيظ الله أمين » وإعدامه على يد اللجنة الثورية المركزية الأفغانية. وادعى السوفييت أنهم بتدخلهم يطبقون معاهدة الصداقة التي تم توقيعها قبل عام مع « تاراكي ».
لم يكن لدى الأمريكيين رغبة في التدخل المباشر في أفغانستان، لأن الولايات المتحدة لم تكن لها مصلحة مباشرة في أفغانستان، وإنما تتعلق مصالحها المباشرة بالجوار في باكستان ودول الخليج، إضافة إلى كونها لا تمتلك مبررًا شرعيًّا مثل اتفاق التدخل الروسي يبرر لها التدخل العسكري المباشر في كابول. من ناحية أخرى فإن الولايات المتحدة كانت لديها الخطة المسبقة لاستدراج الروس إلى حرب مفتوحة لا تطلق فيها الولايات المتحدة رصاصة واحدة .. الأمر يلخصه بريجنسكي، مهندس هذه المرحلة بكاملها، بدقة حين يقول: « خططنا لكي نجعل أفغانستان فيتنام الروس وقد كان الأمر كذلك ».