قد يختلف الارباب لكن العبيد دائما هم القرابين

أحمد الهدهد
2016 / 10 / 6

أصحبت مراجعة المفاهيم والأفكار والحقائق الدينية ضرورة اجتماعية، وحاجة إنسانية وعقلية. وموضوع العبودية، بكل أنواعها، وعلاقتها مع بناء أخلاق الإنسانية، من المواضيع الحساسة كونها تشكل التمثل السلوكي والظهوري للدين بشكل خاص، وتأثيره المباشر على المجتمع بشكل عام. ويشتد ظهور هذه الأفكار والحقائق الدينية في فترات مختلفة، وتفعل فعلها في مجتمعات لها خصوصيات تواصلية تتوافق نوعًا ما معها، أو أنها روضت عليها عبر تاريخ طويل من الإيمان بها.
ما زال ظهور الإنسان الأرضي في بلاد الشرق الأوسط والبلاد الإسلامية تحت رعاية تراث ديني وأسطوري يمتلك سلطة قيومية سارية في الحياة، بل إن الكائنات الحية في بلاد الشرق مُصنفة دينيًا وليست بالضرورة متدينة بل هي مبنية على هواجس إيمانية شكلية، وبنية عقلية عائمة على كنوز من الخيال الملازم لكل ما هو وهمي ويمتلك فعالية الحضور والتشكل وفق طبيعة الارتباط بسلسلة منظومات تاريخية ودينية واجتماعية. هذا الشكل المعلن لظهور الإنسان الشرقي والعربي هو كونه بنك استثماري لكل التاريخ الربوبي التسلطي بكل ما يحمل من قدرات الاستعباد الذاتي والاستلاب الوجودي لقيمته الإنسانية التي هي جوهر وجوده وعلامة مميزة يدافع عنها بكل ما لديه من أدوات الجهل والمعرفة. إن أهم هذه العلامات الفارقة والمميزة لحضور الإنسان الشرقي، ظاهريًا وباطنيًا، هي علامة العبودية كمنظومة معرفية تنجب أبناء يحملون جينات تاريخية لأرباب متسلطين وخالدين إلى الأبد، ويشكلون امتدادًا قائمًا لوجودنا الصحراوي العميق والقديم جدًا والحديث بامتياز. ومن خلال انتمائنا نحن، كعرب، إلى الدين الإسلامي الذي بنى مجدًا وحضارة عظيمة على هذه الصحراء القاحلة، وكوّن مجدًا كبيرًا، نرى بوضوح، لو كاشفنا أنفسنا، أننا ما زلنا نسكن نفس بيوت العبودية القديمة، سواء كانت سماوية أو أرضية، والتي أصبحت جزءًا من الذات والوجود والسلوك العربي والإسلامي.
ثنائية الرب والعبد ثنائية دينية ظهرت بشكل رسمي في اليهودية، وتجسدت بوضوح في الإسلام، وانعكست عبر الممارسة والطقس والتدين والإيمان على الفرد والمجتمع والتاريخ. وهذه الفكرة الجوهرية في الدين أصبحت تمثل الأساس الاعتقادي لأيّ تدين مقصود، كون المؤمن عبد للرب يمارس كل طقوس العبودية وفعالية الظهور الأمّثل للعبد أمام سيده.
أما تأثير العبودية على غير المتدين فهو لا يقل خطورة، كونه نظام متوارث لأشكال الحياة الأكثر حضورًا واحترامًا لغياب الذات وموت الإنسان. فالرب، الذي يقابله العبد، لابد أن يكون ربًا متسيدًا بشكل مطلق، أو ما يطلق عليه وفق التسمية المعاصرة (رب دكتاتوري)، ولابد من إلحاق العبد به كجزء من نظام التحكم وتأكيد قوة سيادته المطلقة أمام عبودية مسحوقة لا تشترك معه إلا بتسمية (الإطلاق). والرب، السيد المطلق الموجود في التدين، هو رب تاريخي ظهر مع تأريخ النص المقدس بشكل إلزامي، وتطور حتى اكتملت حقيقة سيادته المطلقة تاريخيًا على المعتنقين بعد أن مر بعدة مراحل تكاملية. وليس لدينا غير شرعية النص المقدس الذي استحوذ على مفهوم دكتاتورية الأرباب، وصنف المخلوقات تحت عنوان العبيد، ومنح ذاته السيادة المطلقة للأبد. وأصبح هذا الظهور المطلق واضحًا وجوهريًا في الدين، ووجوب الاعتقاد والإيمان به جزء من مصداقية ظهورنا على الأرض، وفق هذه المعادلة: (الرب السيد المطلق + العبد المستخدم المطلق = الدين). وأمام هذا الوضوح والتصريح الديني في النصوص المقدسة، والتي فسرت على أنها عبودية مطلقة بالإجمال والتفصيل والتكوين والتشريع، أصبح على العبيد الذين توارثوا الإقرار (بالربوبية المطلقة والسيادة التامة) أن تكون ولادتهم ومماتهم وكل أعمالهم الحياتية على أساس نظام (العبودية المطلقة) وتحت (ربوبية مطلقة). وهذه الإجرائية الإلزامية تترتب عليها ممارسات كثيرة تفاعلت عبر الزمن وتشابكت معانيها حتى أصبحت بديهية ذاتية لكل المتدينين وباقي المجتمع في ممارستهم الحياتية، والتي انعكست في تصرفاتهم اليومية وشكلت بنية أساسية لتفكيرهم وطموحاتهم العقلية واستهلاك وإنتاج الأفكار والسلوك على كل المستويات، والتباهي والاعتراف والتصديق بخصوصية العبودية للرب بشكل مباشر، كما هو الإقرار اليومي عند المتدينين أو بشكل غير مباشر على الآخرين من خلال تسرب هذا المعنى في ثنايا تربيتنا العائلية والمدرسية وتركيبة مجتمعاتنا العربية والإسلامية.
مع الزمن حدث تحول استراتيجي كبير في صناعة العبودية، وإنشاء شبكة اتصالاتها، وممارسة الطقوس والشعائر، وبناء الروح للإنسان والمجتمع، وكذلك بناء الشريعة القانونية والتنظيمية للحياة العامة واندراجها بشكل كامل تحت (حقيقة العبودية) والتي اعتبرت الأساس الجوهري في بناء التكوين الاجتماعي والإنساني. وهذا البناء الاستراتيجي تمركز حول عملية تحويل كل منظومة العبودية الأولى (الجاهلية) بين (السيد والعبد)، وبكل ما تحمل من أبعاد وآثار، إلى عبودية بين (العبد والرب) بحيث أصبح هناك تلازم عقلي ومعنوي وطبيعي (لكل رب عبد ولكل عبد رب)، وكل هذا مدرج في آيات في الكتب المقدسة . أما ورود مفردة العبد في الكتب المقدسة فهو كثير وله دلالة واحدة هي هذه الشمولية الكيانية في انطواءها تحت مسمى العبودية بكل أبعادها التكوينية والتشريعية، والتي لم توضح الكيفية المادية والمعنوية في تطبيق شكل العبودية بل خضعت كغيرها للاجتهادات والتفسيرات المختلفة التي وصلت بالعبودية إلى أقسى درجات الاستغلال الفكري والمعنوي والمادي، وتركت آثارًا وملامحًا في بناء الشخصية الإيمانية.
يمارس العبد الديني طقوسًا كثيرة في تحقير الذات وطمس أي معالم خاصة بها من أجل إرضاء الرب الديني الذي يقرر للعبد كل صيغ الطلب وأشكال الطاعة، ابتداء من عبادته في الصلاة إلى الدعاء والتوسل إليه في الخلاص والخشية من الموت. ولا فرق في هذه الممارسة بين العالم والجاهل والغني والفقير إلا في بعض الفروق النفسية كون (الفقير) يمارسها وفق نظام الأمنيات واللذات المؤجلة إلى أجل مسمى، ويتخذ من ممارسة عبوديته طقسًا مجانيًا من أجل كسب أمنيات مادية صغيرة؛ أما بالنسبة للأغنياء فالحفاظ على شكل العبودية الدينية ورعايتها هو صمام الأمان للبرجوازية الدينية، ويمارس الغني عبوديته كواجب تعبيري للحفاظ على ثروته في بلدان سرعان ما تُهدم فيها الأنظمة والقوانين، وكذلك من أجل إكمال شكلانية التدين، وتحقيق براءة ذممهم المالية أمام السماء. أما العامة، كما يسّمون في التصنيف الديني، وهم الجهلاء عادة، فينتمون إلى حقيقة العبودية بهوس استمتاعي أهوج وطاعة عمياء لأي خزين وهمي وانفلات أخلاقي، ويتحالفون مع الوهم الدنيي تحالفًا أبديًا، وخاصة في تحقيق واجب الجهاد أو التفنن في تعذيب النفس، فهم على الأغلب قرابين أيَّة دعوة بطولية تمتهن الوهم التسافلي. والجهلاء يستمتعون باحتقار الذات والزهو باستلابها. أما العلماء فنراهم، في مذاهب إسلامية مختلفة، يذيلون ويعلقون على كتبهم بعبارات مثل (كتبها العبد الحقير الذليل الفقير للّه فلان ابن فلان). وهذه ممارسة لتحقير الذات ولو بشكل ظاهري، يطلب العبد من خلالها الحفاظ على عبوديته وعدم تسرب أي مرض معنوي إليه كالتباهي أو التكبر مثلاً، في المقابل يحتقر ذاته ويسلبها أية خصوصية لأنه يعتقد أنه نافس الرب في العلم وهو من صفات الرب الذاتية. فبراءة ذمته تكمن في الاعتراف بأن كل شيء من عطاء الرب، وكذلك يقوم باظهار تفريغ الذات المنتجة والمبدعة من أي حضور إبداعي أو انتاجي يخدم به البشرية، ما دام الرب، السيد المطلق، مستحوذًا على كل الأسماء الفعلية والصفاتية والذاتية كصفة العلم. وهذه فعالية استلابية من فعاليات كثيرة لا مجال لذكرها لكثرتها في تاريخنا الديني. لهذا نرى من انغمس في العبودية عقليًا ونفسيًا وروحيًا لا يعمل بشكل منتج للحياة والإنسان بل يبقى خائفًا من أي فعل يعتقد أنه لا يرضي الرب، وفي الحقيقة هو لا يعرفه ولهذا يوجب على نفسه دفن ذاته في حقبة زمنية يعتقد أنها أكثر مثالية بالنسبة للرب مثل زمان ظهور الأنبياء والصالحين والأولياء وحلولهم المؤقتة والدائمة للحياة والتاريخ والإنسان.
يمكن لنا مشاهدة آثار العبودية الشاملة والمطلقة للحياة والإنسان والطبيعية على تاريخنا العربي والإسلامي إلى يومنا هذا. وقد تكون العبودية أحد الأسباب المركزية في تدهور الشخصية العربية والإسلامية. وقد أصبحت العبودية في زمننا المعاصر عبارة عن مكونات من الذاكرة تحمل خصوصيات آثار النقص المرضي، وهو شعورنا نحن العرب والمسلمون بشكل عام والعراقيون بشكل خاص بزهونا وعظمة ذواتنا وكوننا مبدعين نعدّد مفاخر تاريخنا القديم، وننسى واقعة حقيقية هي أن هذا الادعاء عبارة عن أحلام عبيد لم يكونوا ليتذوقوا طعم الحرية. وهذا الشعور المتضخم يفتح باب الأمنيات ويستخرج الكم الهائل من مركبات النقص والهزيمة الحتمية والتراكم النفسي الذي يحتاج إلى دراسات معمّقة ومدارس اجتماعية وعلمية حديثة كي تحل لغز تأخر هذا الإنسان وتدهور الأمة والمجتمع الإسلامي والعربي. هذا لا ينفي أن هناك حالات فردية وشخصية عربية أو إسلامية تمتلك طاقات ذكية وإنجازات إبداعية، وهذا ما حصل فعلاً لبعض الأشخاص المبدعين عندما غادروا أمنيات العبيد وأوهام الأمة الواحدة. إلا أننا نتحدث هنا عن مناخات وتركيبة المجتمعات الإسلامية والعربية وتشكيلاتها السلطوية والسياسية والدينية، وهو الشكل الأغلب للحياة ونظامها العام.
وكذلك نعتقد بتأثير تاريخ التوحش في هذه المجتمعات وعمق حضارتها وتشكيلاتها المعرفية، بحيث تشترك العوامل السابقة في إنجاز عبودية ودكتاتورية خاصة بكل مجتمع. لهذا نرى العبودية والدكتاتورية العربية تختلف من دولة إسلامية إلى أخرى، فتراث العبيد (أي بمعنى العبودية الدينية) أفرد للعراق سماته وتمّرده الخاص وثوراته، وكذلك دكتاتوريته الخاصة التي لها خصائص أكثر وحشية أو قسوة وتدمير. وكذلك هناك شكل خاص لهذه الثنائية (العبودية، وأشكال التلسط السيودي) في السعودية، باكستان، ايران، وافغانستان.....الخ. ونرى قوة الدكتاتورية وشكل العبودية تشتد في هذا البلد وتضعف وتتنوع في الآخر، كلٌّ حسب ظروف طبيعة السلطات وخصوصية القوة الوهمية وطبيعة التحالف مع الجهل والثقل الديني للمجتمع. فكلما كان المجتمع غارقًا في وهم التاريخ الديني وممتهنًا العبودية بشكل سلوكي وطقسي نراه يتفنن في صنع دكتاتوريات متنوعة ومتواصلة ويتفنن في طاعتها والفناء فيها.
المذهب المهيمن على الإسلام الرسمي في العالم الإسلامي هو المذهب السني، وهو يمثّل بلا منافس الشكل الدكتاتوري للدين كأمة جمعية، والقوة التسلطية، واليد الضاربة لها. ويعتبر هذا المذهب أساسًا لولادة معظم الأصوليات التكفيرية والتوحشية. كذلك لا يمكن فصل العبودية التسلطية عن معنى المذهب السني في ممارسة الأفراد وعشقهم للعبودية في شكلها الصحراوي العربي القديم. أما المذهب الشيعي فيمثّل المنافس المضطّهَد والمتهم بتخريب الدين على طول تاريخ العربي والإسلامي، وتهّمين عليه النزعة العبودية بشكل جماعي ونفسي واضح. أما التسلط والدكتاتورية عند الشيعة فيتمثلان في بعض الممارسة الفردية لأشخاص مقدسين أو تاريخيين مدعومين بتاريخ قدسي ما. وكذلك تهيمن على المذهب الشيعي نزعة تسلطية في الباطن، وقسوة استعبادية في تطبيق برامج الإنتماء الطقسي والمذهبي. فكلا المذهبين يمارس فعالية التسلط الدكتاتورية للرب، وهيمنة الإحساس الاستعبادي، في كل ممارسات السلوك الديني والدنيوي باطنيًا وظاهريًا. قوة العبودية الاستلابية والمقدسة مهيمنة على الحضور الديني في الإسلام بمختلف مذاهبه بشكل باطني، والصراع التكارهي والمتوحش للمذاهب الإسلامية هو نتيجة طبيعة للإنتماء لأية عبودية تمارس سحق للذات الإنسانية، وتنتج ربًا متشكلاً من عقد وأمراض اجتماعية مختلفة يمثل الحضور الأمثل لقيادة الحياة الدينية إلى كل هذا الخراب والدمار الروحي والمعنوي.
تنوع الممارسة العقائدية لتاريخ ديني عريق مكتنز بشخصيات مقدسة لأبطال تاريخيين يُعتبرون ملهمين لإنتاج التسلط العشوائي والدكتاتورية الظالمة والمتعسفة، وتعتبر أفعال وممارسات وحروب وخبرة هذه الشخصيات المقدسة مصدر إلهام فعال لأشكال الدكتاتورية بكل أنواعها. ولقد امتلأت كتب التاريخ العربي والإسلامي بهذه الشخصيات البطولية المضحية من أجل المبادئ الدينية أو أية أيديولوجية تتمتع بنفس الصفات التسليطة. وإن هذا الانحياز إلى هكذا سلطة توارث عبر أجيال مكررة بنفس الأمثلة، بحيث لا يحتاج الدكتاتور إلى ابتكار طريقة جديدة ولا يحتار في البحث عن أعذار لممارسة التوحش والتدمير والقتل، فكل أشكال العنف والسيطرة والخضوع والاستلاب جاهزة من أعلى هرمية السيد المطلق إلى العبيد الذين ينتظرون بلذة المدمنين للألم ما هو قادم من قبل أمير المؤمنين والحاكم الذي هو ظل السماء على الأرض.
لا يقّر المجتمع العراقي، في شكله الديني والقبلي، بأي اختلاف في عقائده وشكل تفكيره، وخاصة في بنائية تفكيره الديني والربوبي وتنوع جذوره، لأن أوهام الأمة الواحدة والدين الواحد والقائد الواحد، وكل واحدية تلسطية، تعتبر مبدأ أساسيًا في بنية التفكير الاجتماعي والأخلاقي والنفسي. لهذا لم نر أي تصريح واضح على أن المذاهب مختلفة في تناولها للحقيقة الإلهية والسلوك العقائدي، بل تؤكد المذاهب إجمالاً على أنها دين واحد وترتبط برب واحد وكتاب واحد رغم أن الواقع والتاريخ لا يقولان ذلك أبدًا. وعدم الاعتراف والتصريح بالاختلاف هو من أخلاق العبيد، بالإضافة إلى نكران الذات الإنسانية لحضورها واختلافها وتنوعها الوجودي. وهذا الشكل المرضي يتعبر نوعًا من التضامن مع الجهل الأبدي في سلوك العرب والمسلمين بشكل عام والسلوك العراقي بشكل خاص.
تتوزع طرق الخضوع والاستعباد في المجتمع العراقي بين سلطة الحكام، وأهل المناصب الحزبية، وأصحاب القوة والنفوذ كالمليشات العسكرية في زمننا الحالي، وسلطة الفقيه، والمؤسسات الدينية والعقائدية، وكذلك سلطة القبيلة، وتحديدًا عند أهل الجاه والنفوذ العشائري. فكل هذه الطرق تتبنى العبودية كمشروع اجتماعي متبادل بين السلطات الخاصة يُمارس على العامة وبقوة السيف والتسلط والجبرية المطلقة.
المجمتع العراقي يغرق في عبادة الأشخاص الذين يتمتعون بعمق أسطوري، وينتمون إلى التاريخ الديني والقومي الشعاراتي، ولهم نفوذ سلطوي فرداني يتمتع بروح المباغتة، ويمارسون شتى أنواع القوة والخطاب المتعالي الذي تكثر فيه الأوامر والوعد والوعيد والبطش المباشر لأي نشاط مخالف، ويقومون بعملية تقديس شمولي وتدريجي لخلفيتهم العقائدية. وأفضل ما يميز الأرباب والقادة في العراق أنهم يقدمون برامج مؤجلة لوعود جناتية آخروية، وغالبًا ما تكون هذه الوعود مرتبطة بشخصيات غائبة ومقدسة.
تكون الذاكرة الدينية والفكرية والثقافية من خلال أشخاص حكواتية يقرأون بانحياز واضح ونيابة عن العامة، ويسّردون لهم حكايات المذاهب وسير الأبطال والأولياء، بحيث تتكون للمجتمع الديني ثقافة سماعية لها وقع قدسي، هي والأشخاص التي حكوها في محاضرات دينية أو سياسية ويعبرون مراجع فكرية لهم. وهذه الطريقة تتبع من قبل عامة الناس في زمننا الحاضر.
من خلال اندكاك المجتمع العراقي بشكل عام والشخصية العراقي في كل مكوناتها تحت سلطة استلاب الحاكم، وتحت الاستبعاد المذهبي، ضاعت كل قوة ذاتية وإرادة خاصة، وأصبح المجتمع مجتمعًا اتكاليًا واستهلاكيًا يمتهن الوهم والخرافة ويمارس تضخيم وتهويل أي قوة تسلطية ودكتاتورية ويعيش على المنح والهبات كونه غارق في تاريخ الاستعّباد من كل الجهات.
حيث نرى بوضوح أن المجتمع العراقي لا يخطئ أبدًا، وهذا ما يمكن أن نسمعه ونتلمسه من خلال أقوال الناس وتاريخهم الاجتماعي، فالمجتمع يعيش وهم العصمة والشعور المرضي بالتكامل والافتخار بالتاريخ والحضارة والبطولة وبكل ما هو فكر وهمي غير ممسوك ومدرك، وهو مجتمع ينكر أية مسؤولية على عاتقه مثل الواجبات الاجتماعية والأخلاقية والمادية. وهذه الصفات هي إحدى السمات الخاصة بمجتمع العبيد.
كذلك يعيش المجتمع العربي والعراقي بامتياز وفق نظرية المؤامرة التي من صنع الآخر، وبالتالي يحّمل كل كوارثه وأخطائه وكسله وفشله وتأخره وكل سلوك توحشي أو استنزافي وتدميري لكل مكونات الحياة، على الآخر سواء كان دينًا أو أمة أخرى لها عداء تاريخي مع العرب أو المسلمين كاليهود والمسيحين مثلاً، ويشترك في الشعارت، التي جلبتها السلطات الدكتاتورية القومية والدينية، في تحميل الاستعمار الغربي وأمريكا كل هذا الهلاك والتخلف الحياتي والإنساني.
المجتمع العراقي متسلّط على ذاته من خلال الايحاء الربوبي للسلطة الحاكمة، وهو مجتمع يعشق السلطة العسكرية، ويمتّهن العسكرة في كل شي، وكذلك مستعّبد وجوديًا من قبل المذهب ومسحوق تحت التسلط الديني والتنازع حول أحقيته في عبودية السماء؛ فهو مجتمع ضائع في متاهات الوهم التاريخي.
لقد أدركت البلدان الغربية منذ عقود خطورة تسلط الدين على الدولة، وكذلك أدرك رجال الدين خطورة تسلط الدولة على الدين نفسه واستمراره في الحياة. ولذلك تظافرت جهود علماء في جميع الاختصاصات الإنسانية، وخاصة علماء اللاهوت والعلوم الاجتماعية والانثربولوجية، لتوجيه الدين وجهة مدنية، وتخليصه من شوائب الإنتماء السلطوي والتعسكر التاريخي. وقد استطاعوا وضع الضوابط المهنية والمساحة الروحية لرجال الدين في ممارسة أنشطتهم الدينية بدون انفلات وتشتت تاريخي مريض، وهذا ما طور الوعي الديني والروحي للمجتمع والحياة، فكثير من المؤسسات العلمية والبحثية والأكاديمية تعتني اليوم ببناء نظريات للقيم الإنسانية، وتدعم الكيانات الأخلاقية والدينية وتحاول أن تطورها، وتنتج نماذج إيمانية وأخلاقية تتلائم مع الحياة المعاصرة.
لا يمكن للعبيد إنتاج أخلاق حقيقة وفعالة، وسلوك قيمّي ينتمي إلى الوعي والبناء الإنساني الاجتماعي الخلاق، لأن أخلاقهم اضطرارية ومؤقتة. حتى لو كانت العبودية غير مباشرة ولا تنتمي إلى الشكل الاستعبادي الطبقي والاجتماعي الأول فإنها تبقى متطابقة مع العبودية الأولى ولا تختلف عنها إلا في أبديتها، وقد تكون أكثر خطورة ووحشية عندما تتبنى مناهج لقيادة الحياة وليس لديها طريق غير الشكل التسلطي والعنفي في التعبير عن هويتها الذاتية وظهورها الأمثل في الحياة. لا يمكن للعبد قيادة حياة حرة بدون كم هائل من الأخيلة المريضة والأحلام التعوضية عن الكبت الاجتماعي والنفسي والعقلي، وليس هناك أية خطة عمل واقعية للسلوك الحلّمي الذي لا يعتبر مشروعًا نفعيًا قابلاً للتنفيذ، بل هو حالة تفريغ نفسي وتراكم تاريخي لعدة مخاوف ومواقف جامدة، وانشطار للذات، وأوهام مركبة للعبيد المستمرين في برامج الاستهلاك الذاتي والدفع للقربنة والتضحية بدون أي مقابل نفعي ومعنوي أمام صنع أشكال التسلط الربوبي بكل أنواعه.
لقد أدركت البلدان الغربية منذ عقود خطورة تسلط الدين على الدولة، وكذلك أدرك رجال الدين خطورة تسلط الدولة على الدين نفسه واستمراره في الحياة. ولذلك تظافرت جهود علماء في جميع الاختصاصات الإنسانية، وخاصة علماء اللاهوت والعلوم الاجتماعية والانثربولوجية، لتوجيه الدين وجهة مدنية، وتخليصه من شوائب الإنتماء السلطوي والتعسكر التاريخي. وقد استطاعوا وضع الضوابط المهنية والمساحة الروحية لرجال الدين في ممارسة أنشطتهم الدينية بدون انفلات وتشتت تاريخي مريض، وهذا ما طور الوعي الديني والروحي للمجتمع والحياة، فكثير من المؤسسات العلمية والبحثية والأكاديمية تعتني اليوم ببناء نظريات للقيم الإنسانية، وتدعم الكيانات الأخلاقية والدينية وتحاول أن تطورها، وتنتج نماذج إيمانية وأخلاقية تتلائم مع الحياة المعاصرة.
إن التّدين، وفي فتراته التاريخية المختلفة، أنتج نماذجًا شرعية وقانوينة، وشارك في تطوير الإرشادات والتعاليم الأخلاقية وفق قواعد ومبادئ خاصة به، لكنه في المقابل بنى عبودية متوارثة ومتوحشة تعتبر إحدى عوامل تأخرنا وتدمير قوة الذات فينا وحريتها في الإنتاج والتنوع، واندكاكها تحت سلطة الربوبية المطلقة.
ويمكن الإشارة إلى أن الرب لا يحتاج إلى سلطة قسرية في مساحات الحرية المتوفرة للإنسان. والرب الذي يحتاج إلى طاعة العبيد هو رب بلا سيادة حقيقة.
وعندما تكتشف أنك عبد، أو تشاهد العبيد حقيقة في واقعك الحياتي، سترى حقيقة الأسياد جميعهم منتشرين فوق كيانك ينبشون القبور في ذاكرتك، ويسّدون طرق التساؤل على العقل، ويحجبون الروح عن التحليق، ويعتاشون على جسدك إلى الأبد.
ربما يصنع الرب لوحده كل هؤلاء العبيد في التاريخ، ولكن علينا ادراك حقيقة، تبدو واضحة الآن على الأقل، وهي أن كل هؤلاء العبيد شاركوا في صناعة الأرباب، ويتّحكمون في عناوينهم، والأكثر خطورة هو أن العبيد يمتهنون صناعة الأرباب ويحثونهم على القتال، والعبيد وحدهم يعرفون أنهم قرابين الرب الأبدية.
ولابد من معرفة أن المجتمعات التي تعشق العبودية، وتدافع عن دكتاتورية الأرباب بكل أنواعها وبكل ما لديها، هي مجتمعات متوقفة عن الحياة، ولا يمكن أن ترى الإنسان فيها أبدًا لأنه مدفون تحت ركام الوهم التسافلي لخيال أسطوري مسكون في قبر إنسان مهمل في ذاكرة الأسياد، وهذه الصورة التي ذكرناها لرحلة العبيد فكريًا وذهنيًا وسلوكيًا تعبّر بشكل مأساوي عن واقعنا العربي والإسلامي، وحياتنا وتاريخنا، وشكل الإنسان العبد المتسّيد والسيد المستعّبد، في تكرار أبدي لا ينتهي إلا بظهور الإنسان.