الحدود في الشريعة.. التعمية والتشويش، أولًا؛ التجارة والاستثمار، ثانيا!.. بقلم: السيد شبل

السيد شبل
2016 / 10 / 5

حتى تتضح الصورة، لا بد أن نكون على وعي بأن هناك تعمية مقصودة على صعوبة تطبيق حد مثل السرقة (تصل إلى حد الاستحالة).

بحسب التفصيل الفقهي لاشتراطات تطبيق عقوبة القطع، هناك نحو 13 شرط أو أكثر تم تحديدهم ومن الصعب تجميعهم في سارق.

لماذا التعمية؟

لأن المرتكزين (اليمين الديني) في خطابهم السياسي على فكرة تطبيق الشريعة، سيفقدون ورقة للمزايدة على غيرهم، تتعذى عبرها نرجسيتهم وسلطويتهم، في حالة عرف جمهور المتلقين ما خفي عنهم، وعرفوا أن الحكاية أبسط مما يتم تصويره.

لكن ليس هؤلاء وحدهم، هناك أيضُا، اليمين الغربي المتطرف، الذي يعتبر تلك القضية مدخل لشيطنة دين ما وأهله، في تجاهل لضوابطها وإطارها.

وسواء أكان اليمين الغربي الحاضّ على التوسع والهيمنة وتحقير الآخر، واليمين المحلّي (المطية والركوبة) الذي يستثمر في مثل هذه القضية لدغدغة مشاعر الناس، وابتزازهم وإشعارهم بالتقصير في حق دينهم.. فكلاهما مقدمة للآخر، وإن ظهرا على طرفي النقيض، ويكفي أنهم يفرضون على الجميع قراءة للدين تأخذه في اتجاه حسّي نصي، بعيد عن الروحانية التي هي مبناه الأصلي.

عود على بدء

لست هنا أناقش فكرة الحدود، وأنها للزجر أكثر منها لأي شي آخر، وأنّ عقاب المجتمع الذي يعيش بينه فقير يندفع نحو السرقة لسد حاجاته مَقدّم على عقاب الفقير ذاته (ما آمن من بات شبعان وجاره جائع/ حديث نبوي)، (أبغوني في ضعفائكم/ حديث نبوي)، (ما جاع فقير إلا بما مُتع به غني/ على بن أبي طالب).. وعامة، من يختزل الدعوة في فكرة الحدود، هو مجرم في حق روحانية وأخلاقيات الدين قبل أي شيء آخر.. لكن لا بد للناس أن تعرف الاشتراطات المعقّدة، والتي تجعل العقوبة صعبة التطبيق إلى درجة الاستحالة، فيكون البديل هو التعزير (التعزير: اللوم أو العقاب)، أي عقوبة أخرى (منها السجن...) يحددها القاضي، وهنا تدخّل القانون وحدد العقوبة (لم تكن هناك قوانين مكتوبة في العالم كله حتى القرن الـ 14 ميلادي)، لكي لا تبقى خاضعة لأهواء وأمزجة القضاة، خاصة مع تطور المجتمعات وتعقد المسائل وكثرة المتقاضين (وإن كانت في الحقيقة لا تزال خاضغة لأهواء القضاة، وإن بنسبة).

..المهم
ما هي الاشتراطات ؟

(1)
الاوّل‌: أن‌ يكون‌ الشيء المسروق‌ من‌ حِرز (مخبأ)، وهو ما يوضع فيه المال أو الشيء المملوك عادة ويتم القفل عليه (المسكن الخاص، المحل بعد غلقه، الخزينة, الجراج..)، فلو تمت سرقة شيء خارج الحرز (هاتف محمول مثلا، من مقهى أو مدرج جامعة أو مكان عمل أو دار عبادة.. أو أي شيء مشابه).. فلا تطبيق لعقوبة القطع.

الثاني‌: لا قطع لخائن (نصاب مثلا)، أو منتهب (من يأخذ المال غصبًا في الطريق)، أو مختلس (من يأخذ المال ويهرب).. وهذا بنص حديث نبوي. وهذا لا يعني أن هؤلاء بدون عقاب، لأن التعزير (العقوبة خارج الحد) موجود في كل الأحوال.

الثالث‌ : أن‌ يكون‌ المُحطّم للحرز نفس‌ السارق‌، كأن‌ يكسر قفلاً أو ينقب‌ جدار بيت‌، فإن‌ كسر شخصٌ آخر القفل‌ فسرق‌ السارق‌ المال‌ فلا قطع‌ علي‌ السارق‌ (في أغلب المذاهب).

(2)
الرابع‌ : أن‌ يكون‌ السارق‌ قد وصل‌ سنّ البلوغ‌، فلو سرق‌ الصبي‌ّ لا يحدّ، بل‌ يكتفي‌ بتعزيره.

الخامس‌ : أن‌ يكون‌ السارق‌ عاقلاً، فالمجنون‌ إن‌ سرق‌ في‌ حال‌ جنونه‌ فلا حدّ عليه‌.

السادس: أن يكون مُختارًا بإرادته، ليس مجبرًا أو مضغوطًا عليه (يمكن أن تنسحب فكرة الضغط إلى ما يمارسه الشارع على أبنائه، الذين بلا أهل، ولم يحظوا برعاية اجتماعية، أي تخلى المجتمع عن مسؤوليته تجاههم، فكانوا من نصيب عصابات الشارع، وتربوا على قواعده، وهذا متداخل على أية حال مع تجريم القطع للجائع والمحروم في زمن المجاعة).

(3)
السابع : أن‌ لا يكون‌ السارق‌ في‌ معرض‌ شبهة‌ الملكيّة‌ والمأذونيّة‌ في‌ التصرّف‌، فلو توهّم‌ أنّ المال‌ ملكه‌، أو أنّ له‌ الحق في‌ التصرّف‌ به‌، أو حصل‌ للقاضي الظنّ بذلك‌ فلا حدّ عليه‌. (قد يدخل المال العام، في هذه الحالة، لأن السارق له ملكية في الممتلكات العامة، وعليه فلو سرق منه لا يتم تطبيق الحد عليه -يبرز هنا خلاف بحسب حجم المسروق، فقد يتخطي المسروق نصيب الفرد من المال العام أصلًا-، المهم أن في هذه الحالة يتم اللجوء للتعزير -أي إقرار عقوبة أخرى-).

الثامن: أن‌ يبلغ مقدار المال‌ المسروق‌ النصاب ربع‌ دينار من‌ الذهب‌ الخالص‌ المسكوك‌ أو ما يُعادله‌ ، فلو نقص فلا حد.

(4)
التّاسع‌ : أن‌ لاتكون‌ السرقة‌ سرقة‌ أب‌ من‌ مال‌ ولده‌، حيث‌ إنّ الحكم‌ لايُجري‌ في‌ هذه‌ الحالة‌، والعكس صحيح، وينطبق الأمر على مال الزوج والزوجة (بتفصيلات، وخلافات مذهبية تتعلق بمقدار المسروق، ومع تشديد على حرمة مال الزوجة إذا أحرزته من زوجها).

العاشر : أن‌ لا تكون‌ السرقة‌ سرقة‌ خادم من‌ مال‌ العامل لديهم.

الحادي‌ عشر : أن‌ يكون‌ إرجاع‌ السارق‌ للحاكم‌ بناءً علي‌ طلب‌ الشخص الذي تمت سرقته، فلو عفي‌ وسامح.. لايُقام‌ عليه‌ الحدّ.

(5)
الثاني عشر : أن لاتکون السرقة في عام مجاعة أو قحط ، عندها لا حد عليه (وهذا بعد اجتماعي شديد الأهمية ومدخل في فهم القضية كلها) .

(6)
الثالث عشر، والأخيرة، وهي كيف تثبت السرقة؟:

وهذه أخطرها، لأنها تتطلب شهيدين عدل (شخصان مشهود لهما بالصلاح) يشهدان على أنهما رأيا السارق وهو ينفذ جريمته (حال وقوعها) -تخيل!-. وهناك من الفقهاء من اعتبر مسألة وجود شهيدي عدل في الأزمنة المتأخرة أمر مستحيل. أما طريقة الإثبات الثانية، فهي بإقرار السارق على نفسه مرتين، وهناك تفصيلا شديدة التعقيد لقبول -حتي- شهادة الشخص على نفسه.

انتهى