التحالف الوطني الشيعي العراقي وصراع المرجعيات الدينية

فرات المحسن
2016 / 10 / 4




من جديد تطفح إلى السطح حقائق الصراع الشيعي الشيعي.فقد قدمت كتلة التيار الصدري وهي أحدى أعمدة التحالف، ورقة تضمنت نقاط يرى التيار إنها بوابة للإصلاحات في الحياة السياسية داخل التحالف الشيعي، وفي الوقت نفسه يكون قبولها من قبل الباقين شرطا لعودة التيار الصدري إلى حضن التحالف. ولكن بعض نقاط ورقة التيار عدها البعض من داخل التحالف، استفزازا لذا لا يمكن تمريرها، لا بل اعتبرت شروطا تعجيزية، على التيار الصدري رفعها من ورقته. فمطالبة الصدريون بوضع قائمة بأسماء المفسدين داخل التحالف الشيعي يستفز البعض، وهم من يمثل كبار قادة التحالف ومناصريهم، ومنهم من بات يمثل رأس الفساد في العراق ويتقدم الجميع بالسيطرة على وسرقة المال العام. وفي وارد هؤلاء إن عمليات الاستجواب في البرلمان لا يمكن لها الاستمرار، وتمثل بقناعتهم استجواب سياسي بل محاولات للتسقيط السياسي، وهؤلاء ساعون لإيقاف عمليات الاستجواب التي تجري، رغم تأكيد التيار الصدري إن شرطه لاستمرار الاستجواب يعد ضمانة عودته لحضن التحالف الشيعي.
ورغم إصرار أغلب أعضاء التحالف الشيعي على عدم وجود خلاف داخل هذا البيت لكن المشهد من داخله وأيضا ما يتسرب عن اجتماعاتهم يؤشر لوجود خلافات كبيرة، تتقدمها فكرة هيكلية الدولة الدينية التي يرغبون في بنائها وفق منهج ولاية الفقيه. فالمعروف عن المذهب الشيعي تعدد المراجع الدينية، والسماح لتابعيه بخيار العودة للمرجع حسب خيار الفرد وعلاقته بالمذهب. ولكن ومنذ ظهور الحوزة الدينية في قم طفح إلى السطح صراع خفي سعى دائما لجعل المرجعية العليا عائدة حصرا لعلماء المؤسسة الدينية الإيرانية دون سواها .ورغم إن أغلب قادة الحوزة الدينية في العراق هم من أصول إيرانية منذ هجرة الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي من إيران إلى العراق وتأسيسه لما سمي لاحقا في أعراف ومدونات الطائفة بالمرجعية الدينية. ولكن ظهر في فترات مختلفة صراع ديني سياسي بين المؤسسة الدينية في العراق ممثلة بالحوزة الدينية في النجف و نظيرتها الإيرانية،كانت تثيره حسب الحاجة ولأغراضها السياسية، الحكومة الإيرانية. وغالبا ما كانت الكفة تميل فيه لصالح الحوزة الدينية في النجف لحين زمن الثورة الإيرانية عام 1979 وظهور الشيخ الخميني الذي استمال بقوة الدولة الإيرانية وأموالها، الطائفة الشيعية في العديد من الدول، ومنها مجاميع عديدة داخل الطائفة في العراق. واحتضنت الدولة الإيرانية والحوزة الدينية فيها، رجال المعارضة الشيعية العراقية لنظام صدام وأغدقت عليهم الكثير من الأموال وقدمت لهم يد العون لبناء ميليشياتهم وتسليحها، وكذلك إيجاد قواعد عسكرية لانطلاقها في عمليات الصراع ضد حكم صدام في العراق. ومن هذا التأثير لقائد الثورة الإيرانية والمحاولات لتصدير مفاهيمها خارج إيران، تسيد الشيخ الخميني أغلب الطائفة الشيعة، وبات ليس فقط ينافس رجال الحوزة الدينية في النجف، وإنما استطاع أن يخطف منهم البريق الذي كانوا يتمتعون به. وجاءت وفاة الشيخ الخوئي لتعزز مكانة السيد الخميني. ولم تستطع الحوزة في النجف أن تعيد ذلك البريق والسطوة التي تمتعت بها على عهدي السيد محسن الطباطبائي الحكيم ( 1889 – 1970 ) أو السيد أبو القاسم الخوئي (1899- 1992) وطغى على المشهد الشيعي في العراق تعدد المرجعيات وجلها يتبع إيران رغم بقاء مرجعية النجف ممثلة بالسيد السيستاني.
نصت الفقرة الأولى من شروط التيار الصدري ( أن يكون هناك غطاء مرجعي عام داخل العراق مقبول من جميع الأطراف ) وعند هذه النقطة دار الخلاف حول طبيعة المرجعية التي يحبذها التيار الصدري. فالمعروف عنه رجوعه حسب اقتراح الشهيد الثاني السيد صادق صادق الصدر قبل استشهاده، إلى مرجعية السيد كاظم الحائري في إيران. وقد حدث على عهد متأخر من عام 2014 شرخ في العلاقة بين التيار الصدري والشيخ الحائري، وباتت مرجعية التيار غير مستقرة أو غير واضحة المعالم، ولكن وفي أكثر الأحيان يرد على لسان السيد مقتدى الصدر قبوله بمرجعية السيد السيستاني. عند هذه النقطة أختلف الحلفاء في التحالف الشيعي على طبيعة المرجعة التي يجب عليهم العودة أليها لتكون الحاسمة في القرار السياسي والديني.فالبعض يرى إن التيار الصدري يريد فتح باب التدخل لجهات دينية (المقصود مرجعية السيد السيستاني) ربما ليس لديها الرغبة في التدخل بالعمل السياسي، خاصة وإن هذه المرجعية قد أشارت على لسان الناطق الرسمي باسمها عن هكذا توجه.وعند هذه النقطة من الشروط أبدت الكثير من أطراف التحالف الشيعي تحفظها على وضع حوزة النجف ممثلة بالسيد السيستاني كإطار مرجعي وحيد للتحالف، والسبب يعود في ذلك كون أغلب هؤلاء الحلفاء ليسوا من مقلدي السيد السيستاني. وهنا يبرز الخلاف في طبيعة التوجه نحو خيار أي المرجعيات التي عليها أن تكون قائدة وموجهة للعمل السياسي والمجتمعي والطائفي للتحالف الشيعي، أي لمن العودة في خيار بناء الدولة الدينية العراقية، ومن يكون المرجع في القرارات، هل هي الحوزة الدينية في النجف أم مرجعية قم في إيران.
ورغم وجود العديد من نقاط الخلاف، ولكن يعتقد إن الآمر قد حسم لخيار الحوزة الدينية في إيران ممثلة بولاية الفقيه وبمرجعية السيد الخامنئي إذا ما عرف إن أغلب قوى التحالف الشيعي ومعها أغلب المليشيات الشيعية، تتلقى الدعم المادي وتعود في خياراتها لتحتكم دائما لقرارات ولاية الفقيه وهو المرشد الأعلى في الجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي وتتبع تعاليمه وتلقى النصح والعون من حوزة قم.وهذا الخيار في طبيعته لا يعود فقط إلى الراهن من الوقت، بل عائد أساسا لارتباطات سابقة كان لإيران الفضل واليد الطولى في بناء هياكل سياسية ودينية للعديد من القوى السياسية الشيعية العراقية الحالية. ولذا اقر التحالف الشيعي وبشكل ناجز لا لبس فيه واقع أن يكون خيار توزيع المناصب السيادية في الدولة العراقية وقيادات التحالف ، عائد لقرارات السيد المرشد علي خامنئي وليس لغيره، إن توافق مع الصدريين أو دونهم، وأقصيت فكرة مرجعية السيد السيستاني التي سبق أن وضع ما يعرف بقواعد تحييدها وعدم السماح لها بالتدخل في الشأن السياسي العراقي، وهذا ما أوضحته المرجعية الدينية العراقية نفسها، بإعلانها ذلك في الأشهر الأولى من هذا العام، وإقرارها بالعجز تجاه ما يقوم به القادة والكثير من السياسيين الشيعة، وفضلت تقديم النصح الديني الذي ما عاد يعني للساسة الشيعة شيئا مؤثرا وفاعلا. وهم عازفون حتى عن الاستماع لخطبة الجمعة التي بح بها صوت المرجعية الدينية في النجف دون إن تجد لبحتها صدى يذكر عند قادة العملية السياسية في العراق.