الدليل على وجود الله

سعود سالم
2016 / 10 / 3

كل الناس من حولي، الأصدقاء والمعارف وأفراد العائلة والجيران وصاحب القهوة وبواب العمارة، كلهم بدون إستثناء يعرفون الله، التقوا به ذات يوم وتكلموا معه بطريقة أو بأخرى. وكانت هذه الظاهرة تؤرقني لدرجة منعتني من النوم لسنوات طويلة، حيث كنت أتظاهر أمام الجميع بمعرفتي لله وأوجه إليه في المناسبات العديدة نفس الكلمات والجمل الجاهزة المتعارف عليها، ولكن في حقيقة الأمر لم ألتقي بهذه الشخصية المقدسة في أي يوم من الأيام ولم يشرفني بالتعرف عليه بأي طريقة من الطرق. فوقفت ذات يوم على شاطئ البحر متأملا الأمواج العالية وزرقة المياه الممتدة على مدى البصر واستمعت إلى صوت الأمواج وهي تتكسر على صخور الشاطئ وتخيلت الحياة التي تعيش في أعماق المياه من أسماك مختلفة الأحجام والألوان وأعشاب وشعب مرجانية وحيوانات بحرية لا تعد ولا تحصى، من الأسماك والرخويات والقشريات والثدييات والحيوانات البرمائية، رأيت الحوت والقرش والدلفين والسلحفاة، رأيت كل ذلك وغيره، ولكنني لم أر الله. فرفعت رأسي إلى السماء، ورأيت الشمس والقمر والنجوم والمجرات واستمعت إلى الأصوات الكونية في صمتها الأبدي وحركتها التي لا تنقطع. بل رأيت العلم الأمريكي يرفرف على سطح القمر ورأيت عطارد والزهرة والأرض والمريخ والمشتري وزحل وأورانوس ونبتون، رأيت السحب السوداء والبيضاء والسحب المرتفعة والمنخفضة والسحب المحملة بالمطر والثلج، وكذلك النيازك والمذنبات والشهب والبرق والرعد، ولكنني لم أر الله. ونظرت حولي، فرأيت الأنهار تجري والعيون والآبار والبرك والترع والمستنقعات والبحيرات، ورأيت الأشجار والغابات والحدائق ثم السهول الخضراء والصحارى القاحلة والجبال والوديان العميقة، رأيت الأزهار والأعشاب والفطر والأشواك، ولم أر الله. فقلت في نفسي أنظر مرة أخرى، فنظرت حولي ورأيت الحيوانات المتنوعة والدواب والطيور والخفافيش، ثم رأيت الأفاعي والعقارب والتماسيح والدينوصورات المنقرضة والصراصير والبعوض والذباب والحشرات المتنوعة، ولكنني لم أر الله. ونظرت في نفسي، ولم أجد غير بعض الذكريات القديمة وبعض الأفكار والأوهام والأحلام المتيبسة منذ زمن بعيد، وعاودت النظر في كل ركن وكل زاوية من جسدي، فرأيت الجلد والرأس والوجه والجبين والعينين والأذنين والأنف والفم واللسان والأسنان والفكين والخدين والوجنتين والذقن، ولم أر الله في هذه المنطقة. فنظرت أسفل الذقن، ورأيت الرقبة ثم الحنجرة وتفاحة السيد آدم، ثم الكتفين والذراعين والمرفقين والمعصمين واليدين واصابعي العشرة، ثم رأيت البطن والسرّة والقضيب وكيس الصفن والمستقيم وفتحة الشرج، والعمود الفقري والصدر والثديين والحرقفة والردفين والفخذين والركبتين والساقين والكعبين والقدمين واصابع القدمين، وما عدا ذلك لم أر شيئا آخر كاللهه وما شابه. فقلت في نفسي أنظر إلى الداخل، فنظرت ثانية فرأيت الجمجمة والدماغ، الدماغ الأمامي والدماغ الانتهائي والدماغ البيني والدماغ البصلي وكذلك الفص الجبهي والفص الصدغي في الجانب السفلي والفص الجداري في المنتصف والفص القفوي في المؤخرة ثم القشرة المخية بالمخيخ وجذع الدماغ والحبل الشوكي والنخاع الشوكي، رأيت كل ذلك وأكثر ولم أر الله. فقلت في نفسي أنظر مرة ثانية في الداخل، فنظرت ورأيت القلب والكبد والرئتين والقفص الصدري، رأيت الكليتين والبنكرياس وغدة جار والزائدة الدودية والمثانة والاثنى عشر والحويصلة الصفراوية والأمعاء والمعدة، ورأيت المريء والغدة النخامية والبروستات والطحال والغدة الدرقية … وانتابني الملل في نهاية الأمر وتوقفت عن البحث العبثي فاقدا الأمل في رؤية الله على مشرحة الجراحة حيث لا يوجد غير الدم واللحم والعظام. وتركت البحر والسماء والغابات والأنهار ورجعت خائبا إلى حجرتي في الطابق الثاني وفي قلبي مرارة الهزيمة وطعم الفشل، وجلست على السرير ورأسي بين يدي، حين رأيت على الأرض كتابا مقلوبا، فالتقطته وكان مفتوحا على صفحة تركتها دون أن أكمل قرائتها، وهنا حدثت المعجزة، فالحلول عادة تأتي من حيث لا ندري، وتفتق النور في قلبي فجأة وبرز الحق من ظلمة الجهل والتقيت بسر الأسرار في جملة قرأتها في وقت سابق ووضعت تحتها خطا بقلم الرصاص ولكنني لم أدرك معناها العميق إلا في هذه اللحظة الحرجة من اليأس والإحباط والقنوط، تقول الجملة "وثمة دليل آخر وهو ما أسماه أهل العلم بدليل الحدوث ، ومفاد هذا الدليل أنه لابد لكل مخلوق من خالق ، وهذه حقيقة يسلم بها كل ذي عقل سليم ، فهذا الأعرابي عندما سئل عن وجود الله قال بفطرته السليمة : البعرة تدل على البعير ، والأثر يدل على المسير ، فسماء ذات أبراج ، وأرض ذات فجاج ، ألا تدل على العزيز الخبير . فلله ما أحسنه من استدلال وما أعجبه من منطق وبيان" وبما أننا ندعي سلامة العقل، فلا داعي للبحث أبعد من ذلك فهذا الإعرابي وجد الحل بكل بساطة وعفوية وسلامة عقل، فهذه الكرة الأرضية هي بعرة الله، ونحن البشر مجرد ديدان تتلوى على سطحها، والله مجرد جمل عظيم يرتع في السماوات العليا ويبعثر بعراته في الفضاء الشاسع لتشكل النجوم والكواكب والمجرات. فسبحان الله.