10- وكر الحية : بيشاوار

سعود سالم
2016 / 9 / 26

الفصل الخامس :
وتدور أحداثه في بيشاوار، وهي مدينة باكستانية وعاصمة المقاطعة وتعتبر من أقدم مدن جنوب آسيا، وهي العاصمة الاقتصادية للمنطقة، ومركزا للقبائل المتاخمة التي تتمتع بنوع من الحكم الذاتي، وتلتقي فيها القوافل التجارية البرية عبر باكستان وأفغانستان. تقع بيشاور في الشمال الغربي من باكستان على مقربة من الحدود الأفغانية، وتقع من جهة الشرق بمحاذاة ممر خيبر الجبلي الذي يمتد على مسافة خمسة كيلومترات في سلسلة جبال وعرة تسمى هندوكوش التي تصل باكستان بأفغانستان، وترتفع المدينة 347 مترا عن سطح البحر. يقدر عدد سكانها ونواحيها بأكثر من ثلاثة ملايين نسمة، يشكل البشتون 60٪ منهم تقريبيا. تضم عددا كبيرا من اللاجئين الأفغان الذين هربوا إليها من الحروب التي شهدتها بلادهم منذ ثمانينيات القرن العشرين، ومنذ بداية الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد ما تسميه "الإرهاب" والغارات والقصف على عدد من مناطق أفغانستان، لجأ أفغانيون عديدون مع أسرهم إلى بيشاور طلبا للأمن وهروبا من الموت الذي ينزل عليهم من السماء. اشتهر أهلها بالتجارة، وكانت بحكم موقعها الجغرافي على الحدود الباكستانية الشمالية الغربية مركزا تجاريا مهما منذ قرون عديدة، ومعبرا ومحطة استراحة على طريق الحرير من الصين إلى أوروبا. لها تاريخ عريق يعود لأكثر من 25 قرنا، وعرفت بمدينة الزهور وكانت معبرا للهجرات، ورأت مرور الإسكندر المقدوني وحصار جيشه شمال شرقها أربعين يوما عام 327 قبل الميلاد. تأسّف الصحافي رحيم الله يوسفزاي على حال المدينة بعد هذه الحروب المدمرة، فقال : " كانت بيشاور تعني مدينة الزهور، وهي الآن مدينة الجواسيس والغبار والمقاتلين ".
هذا هو الديكور العام للفصل الخامس من هذه المسرحية، أما الممثلون فقد كانوا قبل أن يركبوا على خشبة المسرح ويرفع الستار يتدربون على تلقن نصوصهم في السعودية ودول الخليج، ولكن أيضا في اوروبا وامريكا.
في الثمانينات كانت أوربا وأمريكا مسرحا لنشاط إسلامي مكثف يقوم به الطلبة المسلمون الذين وجدوا حرية التعبير وضمان النظام الديموقراطي فرصة لم يجدوها في بلدانهم الأصلية. وكان هؤلاء الشباب مدفوعين بنجاح الثورةالإيرانية وخيبة الأمل من الأنظمة العربية وهزيمة التيار القومي العربي والتنكيل بالتيارات التقدمية والإشتراكية والقضاء عليها نهائيا. فكانت مجموعات من الإسلاميين ومن الإخوان المسلمين ينشطون في هذه الفترة في إقامة الندوات والمحاضرات وورش العمل والمخيمات الصيفية لتعبئة الشباب المسلم الذي يعيش في أوربا وأمريكا. وقد رافق هذا النشاط المكثف الدعاية الأمريكية المستمرة وحربها ضد الشيوعية في أفغانستان. وفي هذه الفترة فتحت أمريكا والسعودية أكبر مركز تدريب عسكري للشباب العربي والمسلم في أفغانستان لمحاربة عدو الله وعدو أمريكا وذلك بواسطة ملايين ومليارات الدولارات التي تتدفق من أمريكا والسعودية ودول الخليج. وقد كان يتم إرسال سعوديون وخليجيون بأعداد كبيرة إلى أفغانستان ليشاركوا في محاربة الشيوعية والإشتراكية والإلحاد، وكان ذلك يتم بطبيعة الحال برضى أمريكي تام. ومن بين هؤلاء كان هناك عبدالله عزام المنظر لمجموعة الإخوان والذي طرد من الأردن سنة 1973 ليلتحق التدريس في جامعة الملك عبد العزيز في السعودية، وكان من ضمن طلبته المدعو أسامة بن لادن. عبد الله عزام نفسه هاجر إلى مدينة بيشاوار، نقطة تجمع مقاومة الاتحاد السوفياتي آنذاك، حيث أسس «مكتب الخدمات» لينظم حركة تدفق المتطوعين العرب وقام بدعمه أسامه بن لادن عبر ثروته الكبيرة التي غطت جميع التكاليف، ثم نشر عبد الله عزام مجلة «الجهاد» الشهرية ذات الطباعة الفاخرة والتي تمجد الجهاد وتدعوا الشباب للإلتحاق والتطوع لقتال الكفار، وتندد بالفظائع التي ارتكبها السوفييت وتستجدي التبرعات لمساندة جنود الله. عام 1989، أصبح " الشيخ " عبد الله عزام شخصية معروفة ومعتادة في شوارع بيشاور وساحات القتال في أفغانستان حيث كان يعتبر الأب الروحي للجهاد. وفي كتاب أًصدره عام 1984، أعتبر عبد الله عزام أن الحرب الدينية (الجهاد) ضد الاحتلال الأجنبي هو أمر واجب على جميع المسلمين وفريضة مثل أركان الإٍسلام : الصلاة والصيام والزكاة. وبعد نشر الكتاب، تكون تيار فكري يؤيد هذه النظرية ويدعو لها. ولكن بعد انسحاب السوفيات عام 1989، انقطع الدعم المالي الذي كان يصل للمجاهدين واختفى أيضا العدو الأساسي الذي كان المبرر لوجودهم.
بيشاوار التي تشكل ديكور هذا الفصل المهم من المسرحية، كانت في هذا الوقت تعج بمهربي المخدرات من الحشيش والأفيون، وتجار السلاح والمرتزقة والجواسيس، حيث أصبح الجهاد تجارة رائجة لا تقل في الأهمية عن بقية الحرف التجارية. وبعد أن فقد عزام وبن لادن وجيوشه من المرتزقة الدافع الأساسي لوجودهم، بدأ الصراع بين فصائل "الأفغان العرب" وبدأ التصدع الفكري والإختلاف حول مستقبل الجهاد ومصير المجاهدين. اقترح عزام تحويل هدف الجهاد إلى القضية الفلسطينية، باعتباره هو ذاته من أصل فلسطيني، لكن مجموعة جديدة راديكالية من العرب، يقودها الطبيب المصري أيمن الظواهري، كانت تزداد قوة وتحاول تنظيم نفسها في هيكل تنظيمي يسمح بمواصلة العمل الجهادي في أفغانستان. الظواهري كان يعتنق الفكر التكفيري ولا يتراجع عن العنف مع خصومه حتى من المسلمين. بينما عبد الله عزام كان يصر على مبدأ عدم جواز قتل المسلم للمسلم. ولكون عزام هو مؤسس فكرة الجهاد وأستاذ بن لادن نفسه، أًصبح عزام عقبة في طريق طموح الظواهري لتأسيس منظمة جهادية إسلامية يمولها بن لادن. وفي بدايات صيف 1989، عندما بدأت الحرب الأهلية بين فصائل المجاهدين الأفغان، عقد أسامة بن لادن والظواهري اجتماعا أسفر عن تأسيس تنظيم « القاعدة » الذي يهدف إلى ضرب المصالح الأمريكية والغربية و "على تحطيم جدران الاضطهاد والإذلال" بالقوة، بحسب الفتوى التي خرج بها بن لادن في عام 1996. أما عبدالله عزام فقد فجرت سيارته ومات مغتالا يوم 24 نوفمبر 1989 في بيشاوار تاركا المجال مفتوحا للظواهري وبن لادن لتطوير منظمة القاعدة. لقد كانت هناك خمسة محاولات لاغتيال عبد الله عزام في الشهور القليلة التي سبقت قتله، وما تزال الشكوك تحوم حول هوية منفذي العملية. فهناك العديد من الإحتمالات حسب أحد الصحفيين الذين رافقوه « هناك المخابرات السوفياتية والمخابرات الأفغانية المساندة للسوفييت لأن عبد الله عزام كان صاحب تأثير كبير في تنظيم الجهاد الأفغاني. وهناك أيضاً إسرائيل والموساد لأنه ساهم في تأسيس حركة حماس ... وكذلك الحكومة الباكستانية بقيادة بنازير بوتو التي يقال إنها علمت بتحريض عزام على سحب الثقة منها في البرلمان. كان هناك الأمريكان أيضا لأن عبد الله عزام عارض طلبهم بعقد صلح بين المجاهدين والحكومة الأفغانية بعد انسحاب السوفييت ».
وفي بداية التسعينات بدأ العديد من "الأفغان العرب" العودة إلى ديارهم حيث وجدوا منظمات محلية تستغل إمكانياتهم العسكرية مثل الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر والتي قادت حربا أهلية مسلحة اسفرت عن ما يقارب المئتي ألف قتيل من سنة 1991 إلى 2002، أوالجمعية الإسلامية المقاتلة الليبية، وكان ذلك حسب خطة وسياسة بن لادن في انتشار وتوزيع أعضاء منظمته في جميع أنحاء العالم ليقوموا بتنفيذ برنامجه.
ولا شك لدينا في أن أغلب منظري وكوادر داعش وما شابهها من منظمات ومجموعات جهادية، في سوريا والعراق واليمن وليبيا، قد تخرجوا من معسكرات التدريب الأمريكية والسعودية في جبال أفغانستان، وحيث يواصلون اليوم تخريج دفعات جديدة من المقاتلين في هذه الدول المنكوبة.
فالإرهاب إذا ليس نبتة برّية، وإنما نبتة سامة زرعت بذورها هيئات ومؤسسات رسمية، عسكرية وسياسية وإعلامية ومخابراتية لحماية مصالحها ولتنظيم العالم حسب خرائطها وبرامجها الخاصة. وإذا كانت الجذور تقع في بيشاوار، فهناك عوامل عديدة ساعدت على إنتشارها في كل بقاع العالم، في بلاد العرب وفي بلاد العجم. ومن هذه العوامل العديدة هناك الحروب العديدة والعداوة للعرب والمسلمين، هناك إحتلال العراق وتحطيمها، إحتلال فلسطين وجدار الإحتلال، هناك تحطيم وتدمير سوريا وليبيا واليمن، هناك غوانتانامو وأبوغرايب، هناك الإغتيالات اليومية للطائرات الأمريكية والإسرائيلية للفلسطينيين وللمسلمين، وهناك وهناك العديد من العوامل الأخرى التي تجعل الشاب المسلم يفضل أن يموت على أن يحيا وهو يشعر بالخزي والعار، هذا فيما يخص المسلمين في اوروبا وامريكا، أما في العالم العربي والإسلامي فإن المسألة تبدو أكثر تعقيدا من ذلك، لتدخل عوامل سياسية وإقتصادية وإجتماعية في تكوين العقلية التكفيرية والجهادية بمساهمة الحكومات الفاسدة وأجهزة الإعلام والهيئات الثقافية العميلة للدولة وللدين.
بطبيعةالحال نحن لا نريد هنا تبرير الإرهاب ولا السياسات الجهادية مهما كان نوعها، ولكننا نتسائل، لماذا نسمي القاعدة على سبيل المثال منظمة إرهابية، بينما الموساد أو السي آي إى أجهزة ديموقراطية ؟ علما بأن ضحايا أجهزة المخابرات الأمريكية والإسرائيلية يعد أضعافا مضاعفة مقارنة بضحايا منظمة مثل القاعدة. وفي هذه الحالة نرى أن العودة على مفهوم الإرهاب وتحديد ما نعني بهذه الكلمة يبدو ضروريا لتفهم هذه الظاهرة.