العبور الجديدة وأزمة المسئولية السياسية

حاتم الجوهرى
2016 / 9 / 22

مؤخرا تم تمديد فترة تقديم صغار الملاك للأراضى يسار طريق مصر إسماعيلية الصحراوى لأوراقهم لجهاز العبور حتى نهاية هذا الشهر (سبتمبر 2016م) فى تمديد لفترة التقديم هو الثانى من نوعه. وكان الرئيس عبد الفتاح السيسى قد أصدر قرارا منذ عدة أشهر بإنشاء مجتمع عمرانى جديد، باسم مدينة "العبور الجديدة" يمتد من حدود مدينة العبور الحالية وحتى مدينة العاشر وعلى يسار الطريق فى مواجهة مدينة الشروق، بينما كان الرئيس الأسبق مبارك فى عام 2009 قد أصدر قرار مماثلا لكنه كان بضم أجزاء من تلك المساحة لجهاز مدينة العبور الحالية!

جمعيات زراعية تبيع تقسيمات مبانى للبسطاء!
والمعروف أن تلك المنطقة تضم مجموعة من الجمعيات التى ترخيصها فى الأصل جمعيات زراعية؛ من أشهرها وأكبرها جمعية القادسية، والأمل، والطلائع، وغيرهم! ولكن تم فى عهد الحكومات السابقة أن سمحت للمساهمين فى تلك الجمعيات، وعلى مدى أكثر من عشر سنوات، بتقسيم تلك الأراضى وبيعها للناس على أنها أرض مبانى، وكانت إعلانات تلك الشركات تذاع على مدار اليوم فى القنوات الفضائية وإعلانات الجرائد الحكومية خاصة جريدة الأهرام (عدد الجمعة)، وعلى مرأى ومسمع من الجميع!

معنى المسئولية السياسية:
وجاء قرار الرئيس يحمل فى طياته مطالبة صغار الملاك (باعتبار الأرض فى حيازتهم الآن كمستفيد أخير)، بمبالغ لتحويل النشاط إلى مبانى، ومبالغ للمرافق! وتتردد الأقاويل عن مبالغ مقدره لتحويل النشاط للمتر تصل إلى 1000ج للمتر الواحد! وهنا مصدر المفارقة والمفهوم المعكوس، حيث يجب على الدولة أن تتعامل مع ملف صغار الملاك بمنطق تحمل المسئولية السياسية، وليس منطق الجباية وزيادة الموارد! لأن الوضع هنا أن الدولة لن تعود على حيتان الأراضى ورجال النفوذ الذين التهموا الكعكة وشركات التقسيم الكبرى، بل ستعود على الفقراء الذين اشتروا تحت سمع وبصر الحكومات المصرية المتوالية! معنى المسئولية السياسية هو عكس ما تفعله الدولة المصرية، التى يجب أن تتدخل كضامن لحق البسطاء الذين اشترى بعضهم مساحات لا تزيد عن 150م، وبثمن قد لا يزيد عن200ج للمتر، ولا تملك الحكومة الآن –غالبا- آليات للرجوع على معظم الشركات التى باعت، فتريد تحميل عبأ ذلك على الفقراء الذين وقعوا ضحية لتصديق إعلانات الجرائد الحكومية والتلفزيونات الفضائية!

شهادة على الواقع:
منذ فترة تزيد عن 11 عاما كنت واحدا من الذين اشتروا قطعة أرض فى تلك المنطقة، تحديدا فى منطقة القادسية، ولهذه الأرض حكاية طويلة –عُرفتْ بعد تأزم الوضع- ملخصها أنها كانت إحدى نقاط خلق الثروة وشراء الولاء لرجال الدولة القديمة، وشاركت بعض أجهزة الدولة رسميا فى تقنين وضع القادسية ورجالها المتنفذين، واشتهر الملف بكثرة المعارك والفضائح والوثائق التى كشفت عن مدى تورط أجهزة الدولة فى الفساد؛ خاصة فى وزارة الزراعة وهيئة المساحة والشهر العقارى والعديد من الجهات الأخرى (وهناك ملفات وتحقيقات قامت بها عدة صحف فى هذا الأمر). كان يقف فى الواجهة بعض الشركات الكبرى التى ليست سوى غطاء لشبكة المصالح، وأحيانا كان يدير هذه الشركات بعض المتقاعدين من رجال الشرطة والجيش، وانتشرت الشائعات أن شركات تقسيم الأراضى كان يجب أن تحصل على ما يسمى "الموافقة الأمنية" لتعمل هناك.

عبقرية رجال البيروقراطية وتحميل الفاتورة للفقراء
المشكلة الحالية مفادها؛ أن الطامعين فى التقرب للسلطة فى مصر والمزايدين على الوطنية، لا يجدون سوى الفقراء والمهمشين وقودا لهم! حيث تفتق ذهن أحد عباقرة الجهاز الإدارى فى الدولة؛ ليدفع الرئيس لاستصدار قرارا لتقنين الأوضاع من خلال جهاز مدينة العبور، عن طريق أن يدفع كل مشترى مبلغ يقارب الألف جنيه للمتر تقريبا! ذلك بعد أن حقق النظام القديم غرضه من الاتجار فى أراضى القادسية على مدى أكثر من عقد من الزمان، وحقق رجاله المتنفذون الثراء على حساب البسطاء والحالمين بقطعة أرض صغيرة دفعوا فيها شقاء عمرهم. إذا كانت الدولة حقا تبحث عن العدالة وتريد استرداد الحقوق، عليها أن تصادر أموال كل من سهل بيع تلك الأراضى وصمت عن ذلك وتربح أيضا! المسئولية السياسية ليست بالتجبر على البسطاء الذين اقتطعوا من قوت يومهم ليشتروا فى العراء والصحراء القاحلة 200م بالتقسيط الممل وبمتوسط سعر 50ج تقريبا منذ عشرة سنوات! هؤلاء يجب أن تدعمهم الدولة وتساعدهم فى حق الحصول على مسكن مناسب، لا أن تذبحهم وتطالبهم بدفع فاتورة ثراء رجال النفوذ والولاء.

مطالب عادلة:
وهناك مجموعة من المطالب العادلة للمشترين الصغار فى تلك المنطقة أرفعها للحكومة وأطالبها بتحمل مسئوليتها السياسية تجاه البسطاء، وهى:

- أن تكون منطقة الخدمات المركزية المقررة للمدينة والمقرات الرسمية والحكومية، فى الأرض المخصصة للدولة ممثلة فى القوات المسلحة، وهى مساحة ليست بالصغيرة، بما لا يضر بالأراضى المخصصة لصغار الملاك.
- أن يكون سعر تحويل النشاط أقرب للسعر الرمزى، والتعامل مع صغار المشترين فى تلك الأراضى بوصفهم من محدودى الدخل، الذين ينطبق عليهم حق الدعم مثلما حدث مع مشروع "ابنى بيتك"، أو على الأقل التعامل معهم بنوع من العدل ليس باعتبارهم من السماسرة المضاربين فى الأراضى، ولكن باعتبارهم ممن ينطبق عليهم "حق السكن" الذى تكفله الدولة فى الدستور المصرى.
- أن تكون نسبة البناء فى المساحات الصغيرة السائدة فى بعض المناطق؛ أعلى من نسبة البناء المقررة فى مثيلاتها من المدن الجديدة، لأن الفقير الذى اشترى 150مترا لا يستطيع أن يبنى مثلا على 50% من مساحة الأرض، هنا يجب أن تراعى الحكومة السمات الاجتماعية لملاك الأرض وظروفهم، ولا تظن أنها تتعامل مع ملاك للفيلات ومهتمين بمساحة الحديقة الخلفية!
- أن يراعى المخطط الاستراتيجى المقترح للمدينة الوضع القائم لتقسيمات صغار الملاك، وعلى أساس الواقع يقرر الشكل العام والنهائى للمدينة، فيجب المراعاة انه يتم التعامل مع واقع قائم، ولا يصح مثلا أن يقترح أحدهم أشكالا معمارية متخيلة لا تناسب مساحات صغار الملاك.
- أن يكون سعر ترفيق المتر فى حدود المثل فى المناطق النائية ومناطق الجذب السكانى، ولا يتم التعامل معهم كسكان "الكمبوند" أو مناطق أصحاب النفوذ والوجاهة والبذخ والإنفاق العالى.
- إلزام الشركات التى نصت فى عقود البيع لصغار الملاك بان الأرض مبانى وهى ليست كذلك! بأن تقوم تلك الشركات بدفع مبالغ تحويل النشاط تقيدا بنص العقد المبرم وتوقيع الغرامات المالية المشددة عليها.
- الضرب بيد من حديد؛ فى حالة ثبوت أن أحد الشركات قد باعت قطعة ارض ما لأكثر من مالك، وفرض عقوبات وغرامات مالية رادعة على من تسول له نفسه اللعب والمتاجرة بمصير البسطاء، وتشكيل لجنة قانونية هندسية مساحية؛ وعمل قائمة سوداء بالشركات التى ستتلاعب أو يثبت تلاعبها بحقوق صغار الملاك، خاصة فى حالة وجود أكثر من عقد لنفس القطعة، أو محاولة الشركة التلاعب فى مواقع القطع المميزة بالتقسيمات عند تسكين صغار الملاك، وتوقيع غرامات مالية رادعة على من يثبت عليه ذلك وفق الأوراق المقدمة.
- إذا أرادت الدولة البحث فى زيادة مواردها، عليها البحث عن آليات فى كيفية الرجوع على كبار شركات تقسيم الأراضى وكبار التجار وأصحاب النفوذ والتسهيلات! وليس عليها التفتيش فى جيوب الفقراء.
- سرعة إنشاء مبنى جهاز مدينة "العبور الجديدة" لعدم آدمية التعامل مع جهاز مدينة العبور، كما تم أخيرا فى تقديم مستندات كل مالك صغير، وترك الناس فى العراء والحر دون خدمات أو معاملة تليق بمدينة عمرانية جديدة.
- هناك ملاك صغار اشتروا تحت مسمى جزء من قطعة من الشركات؛ هنا يجب أن تضع الدولة وجهاز العبور الجديدة آلية واضحة لتحديد العلاقة بين هؤلاء، بعيدا عن الشركة التى قد تساوم كل منهم منفردا باسم الآخرين! يجب أن تكون آلية التعامل بأكملها هنا فى يد مؤسسات الدولة وبعيدا عن اللعب بمصائر الناس والمضاربة.
- هناك شركات ذات نفوذ وعلاقات داخل الدولة؛ قد تمكنت من تحويل أرضها لمبانى منذ فترة! ولكن هذه الشركات خاصة فى المنطقة الموازية لسور الطلائع بالقادسية! قد باعت حرم الطريق الموازى لسور الطلائع للناس! هنا يجب تغريم تلك الشركات ماليا وتعويض المشترين بقيمة سوقية عادلة، على أن تتحمل تلك الشركات دفع تلك القيمة للمشترين المغرر بهم. كما أن بعض تلك الشركات بعد أن قدمت للناس رسومات هندسية بوجود مناطق تجارية خدمية فى خلفية تلك التقسيمات، قامت طمعا منها ببيع تلك المناطق الخلفية لمشترين جدد! هنا يجب توقيع أشد العقوبات والغرامات المالية على تلك الشركات وتعويض كافة الملاك تعويضات مناسبة تساوى تعويضات الغش التجارى، نظرا لعدم التزام الشركة بالشكل الذى عرضته عليهم!
- يجب احترام وجود ممثلين عن صغار الملاك فى الشكل النهائى المقترح للمدينة الجديدة، خاصة وأن بعضهم قد انشأ تجمعات عبر وسائل الاتصال الاجتماعى المختلفة، ناهيك عن وجود تجمع قديم وتاريخى باسم "رابطة ملاك القادسية والأمل" توقف نشاطه منذ أكثر من ست سنوات، ويملك الكثير من المعلومات والبيانات حول الوضع الحقيقى للأرض ومسارات الفساد والنفوذ التى مرت بها!
- يجب تقديم بلاغات للنائب العام والأجهزة السيادية المفترض أنها تدافع عن حقوق الفقراء، عند محاولة أى شركة المتاجرة بحقوق البسطاء بالترغيب أو الترهيب؛ لتشترى منهم الأرض مرة ثانية، حتى تبيعها مجددا لمستثمرين عرب –كما تردد مؤخرا- يريدون شراء المساحات الكبيرة بالمليارات! يجب أن تردع الحكومة مثل هذه المحاولات، وتتحمل مسئوليتها السياسية أمام البسطاء الذين يقدر عددهم بمئات الآلاف، وليس فقط برقم من تقدموا للجهاز الذين لن يزيدوا بحال من الأحوال عن مائة ألف فقط.
- يجب التفرقة فى المعاملة القانونية بين الوضع القانونى الحالى لأنواع الأراضى فى المدينة الجديدة؛ ما بين الأراضى التى رسميا تقع ضمن نسبة البناء فى الأراضى الزراعية، وتسمى أرض الفيلات، وبين الأراضى التى حصلت لها بعض الشركات على عقود رسمية بتحويل النشاط، وتسمى استثمارى مبانى، والأرض المرخصة زراعى، والأرض التى تملكها البعض بوضع اليد وباع فيها للناس.. وغالبية أرض القرار تقع فى النوع الثالث المرخص زراعى.
- تشكيل لجنة هندسية مساحية من جهاز المدينة؛ للتعامل مع أوراق صغار الملاك؛ الذين انسحبت شركاتهم من السوق، لتسكين كل مالك على قطعته خاصة وبعضهم لم يزر الأرض من سنوات طويلة.
- سرعة الإجراءات وفتح باب التسجيل فى أقرب فرصة بالشهر العقارى داخل منطقة القرار؛ ليتمكن من يريد البناء بالحصول على قرض بضمان قطعة الأرض، وكذلك سرعة البت فى إجراءات ترخيص المبانى، لتدور عجلة الحياة فى المدينة التى توقفت من 2009 تقريبا.
- ضبط العلاقة بين الجمعيات الزراعية الأم، والمساهمين فيها ملاك الخمسة أفدنة، وبين شركات تقسيم الأراضى (الصغيرة وصاحبة النفوذ داخل الدولة)..حيث ظهر مؤخرا صراع على المصالح داخل بعض الجمعيات، بين الجمعية الأم وبعض شركات النفوذ فى معركة تكسير عظام لابد أن تضرب فيها الدولة بيد من حديد؛ لتؤكد على حماية مصالح صغار الملاك كهدف ومسئولية سياسية لا تتخلى عنها أبدا.

فى صف البسطاء لا المتنفذين:


يجب على الدولة تحمل مسئوليتها السياسية والدفاع عن حقوق البسطاء وصغار الملاك. ملف القادسية (وباقى الجمعيات) معروف لدى رجال الدولة جيدا؛ ويعرفون سلسلة المنتفعين والمتنفذين الذين تورطوا فيه ووقفوا خلف بعض شركات تقسيم الأراضى الكبرى (وتركوا البعض الآخر يعمل لذر الرماد فى العيون، وبعضهم يحاول التصرف بمهنية ومسئولية تجاه صغار الملاك). والرسالة يجب أن ترسلها الدولة واضحة الآن: الفقراء لن يدفعوا فاتورة ثراء المتنفذين القدماء وعجز ميزانية الدولة! الفقراء الذين تعرضوا لوقف الحال منذ عام 2009 (قرار الرئيس الأسبق مبارك) لا يستطيعون البناء ولا يستطيعون البيع، وتركوا معلقين فى الفراغ، بين أحلام تراودهم، وكوابيس تهدد بالانفجار.