محمود فودة.. ومازال الرحيل يتقاطر

مصطفى مجدي الجمال
2016 / 9 / 21

رحل محمود فودة.. ابن دِكِرْنِس الرائع.. وطاقة النور الدافئة التي كانت تملؤني بالراحة والتفاؤل كلما التقيته بشقته البسيطة في المساكن الشعبية بمدينة دِكِرْنِس إحدى مدن محافظة الدقهلية.. وهو ما أهاج في نفسي ذكرى يوم لقائنا الأول.

كنت في الثالثة والعشرين من العمر.. وكان عهد السادات يقذف إلينا كل يوم بالجديد من القبائح والخيانات والمخاطر.. وكان لا بد لجيلنا من الشباب اليساري في جامعة المنصورة من التلاحم مع مناضلين خارج الجامعة بمن فيهم جيل الستينيات والخمسينيات.. وحدث هذا من خلال عضويتنا في تنظيم سري ظل طوال النصف الأول من السبعينيات "بلا اسم".. وعرفه البعض باسم رمزي هو "أحمد عرابي المصري".. وكنا في حواراتنا نقول عنه "العمل" وليس "التنظيم"..

ثم كانت الطلقة القوية التي أطلقها ميشيل كامل في أول مايو 1975 بالإعلان عن إنشاء الحزب الشيوعي المصري، فيما اعتُبِر أول كسر لجدار حظر الأحزاب منذ 1953. وهو ما دفع السادات بعد هذا بعام (ضمن أسباب أخرى) إلى السماح بتشكيل ثلاثة منابر داخل الاتحاد الاشتراكي، ومنها منبر لليسار. وكان من بين أهدافه في ذلك إخراج النشاط اليساري السري إلى العلن، مع محاولة فرض قيادة يمينية عليه، وكان هناك الكثيرون المستعدون للقيام بهذا الدور.

كان أهلي في المصيف.. وأبلغني القائد اليساري الفذ (صديق العمر وتوءم روحي) سالم سلام الطالب وقتها ببكالوريوس الطب بجامعة المنصورة (وكيل كلية طب المنيا فيما بعد) أبلغني بأن رفاقًا من القاهرة سيأتون للاجتماع باللجنة القيادية لمنطقة الدقهلية، حيث كنت عضوًا بها كمسئول قسم الجامعة ثم كمسئول للدعاية. وكان هذا أول لقاء للجنة بكامل عضويتها، حيث كانت منظمة في مجموعتين إحداهما "للعمل الداخلي" تهتم أساسًا بالبناء التنظيمي للحزب، والأخرى هي "المجموعة الديمقراطية" التي تضم قادة جماهيريين مثل رأفت سيف وعطية الصيرفي والشيخ عراقي ومحمود فودة وفايز عقل والمتولي شهيب وعادل عبد الباقي وأحمد حسني (العامل بالسكة الحديد) وإبراهيم وردة. ومعهم عدد كبير من القيادات الطبيعية والعضوية في أماكنها، إلى جانب هالة واسعة جدًا من المناضلين المتعاطفين مع الحزب.. ناهيك عن الرفيق عبد الغفار شكر، وهو "مؤسسة" متكاملة لوحده.

جاء الرفاق إلى شقتنا القديمة الواسعة بشارع سكة سندوب على دفعات كل دفعة اثنان أو ثلاثة، وجاء سالم سلام أخيرًا ومعه زكي مراد وفاروق ناصف.. والغريب أنني لم أتخوف للحظة، بالرغم من أن حرارة الجو أجبرتنا على فتح النافذة على مصراعيها، ورغم أن العدد كبير والشخصيات القادمة تبدو خطيرة، فقد كانت البهجة والمسئولية مسيطرتين عليّ.. والأدهى أن النقاشات كانت محتدمة وبصوت عالٍ أحيانًا خاصة من جانب زكي وسالم.

كانت هذه هي اللحظة التاريخية لحسم قضايا استراتيجية كبرى، لعل من أهمها تحديد كنه العلاقة بين الحزب وبين منبر اليسار (حزب التجمع فيما بعد). وإحقاقًا للحق لم يقبل أحد من الأعضاء (نظريًا على الأقل) أن يكون المنبر بديلاً عن الحزب. وأجمع الكل على ضرورة اتخاذ موقف إيجابي منه. ولكن تنوعت التصورات لهذا الموقف الإيجابي، بين من رأى في المنبر واجهة علنية للحزب، ومن رأى أنه جبهة حتى وإن كانت عضويته فردية، ومن رأى أنه حزب آخر تمامًا يجب ممارسة النفوذ فيه.. وكنت أقرب إلى التصور الأخير. هكذا كانت هذه اللحظة بداية للتوءمة الملتصقة الصعبة بين حزبين انتهت بتدمير الحزبين لأسباب كثيرة أهمها تغول حفنة من المتآمرين والمتحولين.

لم أكن أعرف أسماء الغالبية العظمى من الحاضرين، وربما طالعت وجوه بعضهم في مناسبات سياسية.. وقد هالني هذا التنوع العظيم في اللقاء، وتفتحت في نفسي مسام الأمل. كنت أتساءل لحظتها عن نجاح اللقاء بين هذا الجيل من "الفطاحل" الذين يكبروننا سنًا وجماهيرية، وبين جيل السبعينيات البازغ الذي مثله في الاجتماع سالم سلام وأنا وعبد العزيز عبد الحق (مدير بنك الدم في الدقهلية فيما بعد) ومعنا صفوف طويلة من الشباب اليساري الجدد في الحزب مثل نصر حلقة ومحسن شبانة ومحمد عبد الحميد وسعد الحنفي وناجي المشد ومحمد حنفي وجمال عبد الباقي وعلاء سلامة وأحمد حاتم ومحمد الزيني وأشرف تاج وسمير الأمير... وعلى مستوى "الصورة" كنت أتأمل الوجوه أمامي، دون انصراف عن المتابعة الدقيقة للنقاش، لأتمعن في ذلك التناقض الصوري بين لوني زكي مراد النوبي والجالس بجانبه. عرفت فيما بعد من خلال ندوة بحزب التجمع أن اسمه محمود فودة.

كان الفقيد محمود فودة مضيء الوجه لطيف الملامح وفي عينيه ابتسامة نبيلة مقيمة.. باختصار كان وجهًا طيبًا بمعنى الكلمة.. وعندما يتحدث كان لا يطيل، وتعبيراته دائمًا دقيقة وفي الصميم، وتكشف نبرات صوته عن عمق وتحكم بارع في النفس..

فيما بعد توطدت علاقتنا حيث كان هو مسئول قسم دكرنس، وتعرفت من خلاله على كوكبة رائعة من المناضلين العضويين مثل الشيخ محمد رزق الخطيب الثوري المفوَّه، والمثقف الراقي عبد العظيم الطريفي (وكيل وزارة المالية فيما بعد) والعامل رجب حما والشاعر هشام قشطة.. وآخرين كثيرين لا تسعفني الذاكرة بأسمائهم فقد كان مركز دكرنس عامرًا بالمثقفين والعمال والفلاحين أيضًا المناضلين، مع تواصل حميم بين الأجيال والفئات والتيارات.

أما هو فقد كان القائد الجماهيري المعشوق لأهالي بندر دكرنس، وكم كنت أخشى السير معه في شوارع مدينته، حتى لا أثير الشبهات الأمنية حول علاقتنا التنظيمية السرية، فقد كنا نقطع المائة متر فيما لا يقل عن ساعة بسبب كثرة السلامات والمناقشات. كنت بسبب هذا لا أذهب من المنصورة إلى دكرنس مباشرة، وأقوم بعمل مناورات حركية واسعة قبل الذهاب، حتى أصل إلى بابه ويرحب بي ابنه ياسر ذو الوجه الآسر والأدب الجم.

كان محمود فودة واسع الثقافة، وعميق التحليل، دون تعالٍ أو غرام بالاقتباسات، وإلى جانب نضاله الديمقراطي العام تخصص أكثر في الدفاع عن قضايا الفلاحين، واكتسب ثقة الكثيرين منهم في طرحه وفي شخصه. وكان إلى جواره في هذا النضال الفلاحي العضوي "الزعيم" محمد طه الذي اختطفه الموت مبكرًا.

كان بإمكان محمود فودة، ودون أي تعب، أن يصبح من نجوم السياسة المصرية الرسمية بتقديم بعض التنازلات لنظامي السادات ومبارك. لكنه قبض على الجمر وتمسك بنبل الموقف الثوري، وتعرض لكل المضايقات من حبس وضيق في الرزق، لكنه كان يسبح في بحر من المحبين والمؤمنين به، وكان في هذا ما يكفيه ويسعد روحه الشعبية الأصيلة.

باعدت بيننا الأيام بعدما أقمت في القاهرة.. وكانت لحظة رائعة دمعت فيها عيناي حينما صادفته في ميدان التحرير بعد الثورة وسط مجموعة من شباب حزب التحالف الشعبي بالدقهلية، فاحتضنني "بعنف" رفاقي حتى أوجع ضلوعي.. وكنت في حالة من الاستثارة الروحية لملاقاة أستاذي الذي لم يشعرني يومًا بهذه "الأستذة" فهي من النوع المصري الحقيقي غير المباشر، الذي يسري في العقل والروح بالقدوة والسلوك والإيماءات والملاحظات الرفاقية، وليس بالمحاضرات والإبهار و"القهر" الثقافي.

هاهو محمود فودة قد ولج طريق الرحيل.. وتلح عليّ في هذه الواقعة الحزينة فكرة التواصل بين "أجيال" اليسار.. فقد كان هذا الرفيق الأكبر سنًا على أتم الاستعداد لقبول "التوجيهات" المنقولة إليه عن طريق رفيقه الشاب، بل كان القديم يساعد الجديد في تطوير نفسه وثقافته وأساليب عمله.

ليعلم شباب اليسار أن الوقت قد حان، وأننا نرحل فرادى واحدًا بعد الآخر.. وعليكم مسئولية جسيمة للتعلم من أخطائنا والاستفادة من خبراتنا (إن وجدتم فيها ما ينفع).. وإن كان لي أن أُسدي النُصْح فأنصحكم بألا تنساقوا وراء دعاوى (أراها مشبوهة) لتعميق فروق نفسية بين الأجيال.. ففي كل جيل وُجِد النبيل والانتهازي بدرجات متفاوتة.. فضلاً عن أن جيلنا أو شك على النفاد..

إن مناضلاً صلبًا وصادقًا مثل محمود فودة لا يجود به الزمان كثيرًا.. وفي كل جيل، وفي كل مكان، يمكن أن ينبت محمود فودة جديد. فلنساعد جميعًا في توفير المناخ الصحي الذي يسمح لهذا النبات أن يبزغ.

أما أنت يا صاحبي ورفيقي ومعلمي.. فلا أملك التفوه بكلمة الوداع، لأنك حاضر دائمًا في روحي منذ لقائنا الأول قبل أكثر من أربعين عامًا..