8 التفجيرات العشوائية

سعود سالم
2016 / 9 / 20

مقولة أن الإرهاب " حليف للديموقراطيات الرأسمالية "، ليست مقولة صحفية أودعائية، فنحن نعرف أن الإرهاب الإسلامي، أو الذي يدّعي الإسلام لم يأت فجأة من السماء مع الأطباق الطائرة، لقد ظهر في مكان محدد وزمان محدد ولأسباب يعرفها الجميع أو على الأقل معرفتها متاحة لكل من يفتح عينيه وعقله ليعرف. الإرهاب والقتل والإغتيال يعتبر من مكونات الأنظمة السياسية عموما منذ نشأتها أينما كانت، وتعتبر مكونا أساسيا من مكونات التاريخ الإسلامي وتاريخ تكوين الدولة الإسلامية. والعنف الدموي المسلح الذي تقوم به بعض الجماعات الإسلامية اليوم، هو بالضرورة صدى الإغتيالات الأولى للخلفاء المسلمين وصدى للإغتيالات التي أمر بها محمد ذاته ضد أعدائه ومن يعتبرهم خطرا على الدولة الناشئة. ولكن الذي نشاهده اليوم، وبالذات في العواصم الأوربية من أعمال القتل العشوائي في الأسواق والشوارع والمقاهي والمطاعم والملاهي ومحلات العبادة هو ظاهرة معاصرة وفريدة من نوعها وتحتاج أن ننظر إليها عن قرب لمحاولة فهم ميكانيكيتها وطبيعة محركها ووقود هذا المحرك.
في لقاء أجرته الصحفية Michaela Wiegel لصحيفة ألمانية Frankfurter Allgemeine Zeitung مع خبير الإرهاب الإسلامي، الباحث الفرنسي إوليفييه روى Olivier Roy وذلك بعد تفجيرات باريس وبروكسل وسألته عما إذا كانت ظاهرة تطرف الشباب الأوربي المسلم له علاقة بفشل سياسة الإندماج التي تحاول الدول الأوربية تنفيذها أجاب قائلا : أنا لا أعتقد أنَّ التطرُّف الإسلامي هو نتيجة لفشل الاندماج. هذه مشكلةٌ صوريةٌ. والكثيرون من الشباب، الذين يذهبون إلى الجهاد، هم مندمجون ويتحدَّثون اللغة الفرنسية أو الإنكليزية أو الألمانية. وتنظيم "الدولة الإسلامية" أسَّس كتيبة ناطقة باللغة الفرنسية، وذلك لأنَّ الفرنسيين أو البلجيكيين الشباب لا يجيدون اللغة العربية. والمشكلة ليست في عدم الاندماج الثقافي. فحتى في قطيعتهم مع المجتمع الأوروبي يبقى الجهاديون الأوروبيون مرتبطين بنموذج غربي. وهذه عدمية لا تتَّفق مطلقًا مع التقاليد الإسلامية، لأنَّهم يُطوِّرون جاذبية لجمالية العنف، الذي يعرفونه من الأفلام وأشرطة الفيديو. وبهذا فهم يشبهون كثيرًا القتلة المسلحين (الأمريكيين) في مدرسة كولومباين أو القاتل الجماعي (النرويجي) أَنْدِرْس بيرينغ بريفيك." ولكن يبدو أن الصحفية لم تقتنع تماما بهذا الرد الذي يصنف الإرهاب الإسلامي في أوربا وكأنه ظاهرة إجتماعية عادية ترجع أسبابها إلى إضطرابات بسيكولوجية وإجتماعية، فسألته : لكن كيف تفسِّر استناد الإرهابيين إلى الإسلام ؟ فأجاب أوليفييه روى: أنا لا أنكر البعد الديني. فهو مهم، وذلك لأنَّ الجهاديين يستطيعون بهذه الطريقة إعادة تفسير عَدَمِيَّتِهم في الوعد بالجنة. انتحارهم يتحوّل إلى ضمان الحياة الأبدية. وهنا أريد أن أؤكد فقط على أنَّ : هؤلاء الشباب ليسوا من المجتمع الإسلامي. ولا توجد لدى معظمهم أية ثقافة دينية، ونادرًا ما كانوا يذهبون إلى المساجد. وجميعهم تقريبًا كانوا مجرمين صغار. وكانوا يشربون الكحول ويتعاطون المخدّرات. " بطبيعة الحال قد يكون الوصف الإجتماعي صحيحا، وأن الكثير من الذين قاموا بالعمليات الأخيرة كانوا معروفين لدى الشرطة وعرفوا التوقيف وعجرفة البوليس الفرنسي وحتى وإن كانوا يشربون الكحول ويتعاطون المخدرات، فإن المجتمع الفرنسي والدولة الفرنسية تنظر إليهم على الدوام كمسلمين وكعرب وأجانب، ويسألونهم في كل مناسبة إن كانوا يأكلون لحم الخنزير. إن هذا الخبير رغم معلوماته الوافرة في مجال الإرهاب إلا أنه يبدو أنه لم يتسائل عن مشكلة الهوية لهؤلاء الشباب، وما هو موقعهم على الخارطة الإجتماعية ؟ إن الإنتماء أو الشعور بالإنتماء إلى مجتمع أو ثقافة ما لا يرتبط أوتوماتيكيا بممارسة هذه الثقافة وطقوسها وعاداتها اليومية، المجتمع ينظر إليهم كمسلمين، فيلبسون جبة الإسلام ولا يستطيعون رفض هذه الهوية.
الإرهاب الإسلامي في أوروبا وأمريكا هو ظاهرة يمكن إحالتها إلى ما تسميه الإدارة الأمريكية بالأضرار الجانبية collateral damage للإرهاب الحقيقي الذي يعيشه الناس يوميا في العراق وسوريا وليبيا وهو نتيجة لعودة أسطورة الإسلام وعصره الذهبي وأنه بإمكان المسلمين من جديد بناء إمبراطورية إلهية على الأرض. غير أن أوروبا والإعلام الأوروبي لا يهتم بمئات الضحايا اليومية في البلدان المحترقة، إنها تهتم فقط بما يجري في شوارع المدن ألأوربية، فأقام ضجّة لا مثيل لها بعد عمليات التفجير الأخيرة، وأعلنت حالة الطواريء ومددت الأحكام العرفية التي ما تزال سارية المفعول حتى اليوم. لق أصيب الغرب بالدهشة وما يشبه الشلل الفكري، ولم يعد قادرا على رؤية الواقع البسيط وبدأ يتسائل عن أسباب هذه الموجة من العنف دون أن يتمكن من إيجاد الحلول ولا من تفهّم الظاهرة. ذلك أن تصنيفهم لمرتكبي هذه الجرائم كإرهابيين يمنع أي حوار وأي محاولة للفهم أساسا. ذلك أنه من العبث محاولة إستقصاء أسباب وبواعث التطرف الأسلامي لشباب أوربا بمعزل عن ظاهرة التطرف في بلدان الإسلام ذاتها، وهوالشيء الذي ترفضه سياسات الحكومات الأوربية، لأنهم لا يريدون أن يتحملوا دماء الضحايا ولا أن يشيروا ولو من بعيد عن العلاقة بين القاعدة وداعش وبوكوحرام وغيرها وبين السياسات الإستعمارية الفرنسية والأمريكية ولا الإسرائيلية في المنطقة. إنهم يرفضون بعناد البغال ـ مع الإعتذار لهذه الحيوانات البريئة ـ أن يحللوا تأثير سياسة التوطين الإسرائيلية وبناء سور العار واحتلال القدس مثلا على خيال المواطنين الأوربيين العرب والمسلمين، وكذلك يرفضون رؤية الدمار النفسي الذي تركه تدمير العراق وسوريا وليبيا واليمن، أو صور غوانتانامو وبوغرايب وغيرها من مصادر الإذلال والإهانة. هذه العوامل وغيرها جعلت العديد من هؤلاء الشباب يرون في القاعدة والدولة الإسلامية وغيرها من الحركات الجهادية حركات بطولية تنتقم لهم وترد لهم الإعتبار، فيتجهون إليها كمآل أخير لا بديل له، وبالذات في غياب القوى اليسارية واندحارها في الأحياء الشعبية المحيطة بالمدن الكبرى الأوربية والتي حل محلها منظمات اليمين العنصري والمنظمات الإسلامية التي تمولها السعودية ودول الخليج.