التدافع والصراع السياسي

أحمد الهدهد
2016 / 9 / 18

يرى ((داج همرشولد))"إذا كنت تدافع عن قضية ما، وتبغي من خلالها تحقيق مصالحك فتوقع الفشل".
إن الفرق بين السياسي الجاهل والسياسي المثقف، هو مدى القدرة والأهلية على إدارة الصراع والمفاوضات. فالأول يتخذ من المفاوضات سبيلاً لإجبار الأخر على التنازل عن حقوقه من خلال ممارسة الضغط غير الشرعي عليه كالتهديد والإدانة والحط من قدره للقبول بالأمر الواقع، وقد يحقق هذا الأسلوب النجاح الآني لكنه محتم الفشل في المستقبل.
في حين الثاني يتخذ من المفاوضات السبيل الوحيد لإجراء تسويات تحقق مصالح الجميع وتصمد أمام تحديات المستقبل. لأن الاتفاقيات الجائرة قد تحقق المكاسب للطرف القوي لكنها تمنح بنفس الوقت الفسحة للطرف الضعيف لتحشيد قواه لنقض الاتفاق الجائر في المستقبل.
في تحديات التدافع والصراع السياسي سواء كان تنافسي او صفري ،تحقيق التوازن بين التدافع والصراع مع السلطة الحاكمة وبين تثبيت الاستقرار وعدم تمكين الخطر الداخلي والخارجي من تهديد السلم والأمن للدولة سيما بالنسبة للدول الهشة سياسيا ،والتي ينطبق فيها مفهوم الدولة مع السلطة وتتماهي فيها الصلاحيات والأدوار ويصبح التدافع والصراع والتنافس في ظل دول من هذا الشكل تحديا يتطلب تحقيق نسب عالية من التوازن السياسي الذي يرافع على الحقوق والحريات والريادة السياسية من جهة ويحافظ على الاستقرار وعدم تعريض البلد للابتزاز الخارجي بسبب الخطاب او بسبب المواقف ،والأخذ على يد خارقي السفينة أمر واجب دون تعريض السفينة للغرق بالجميع ،فقد قال الرسول صلى الله عليه واله وسلم "مَثَلُ القَائِم في حُدُودِ اللَّه والْوَاقِع فيها، كَمثل قَومٍ اسْتَهَموا على سَفِينَةٍ، فَأَصابَ بَعْضُهم أعْلاهَا، وبعضُهم أَسْفلَهَا، فكان الذي في أَسفلها إذا استَقَوْا من الماء مَرُّوا على مَنْ فَوقَهمْ، فقالوا: لو أنا خَرَقْنا في نَصِيبِنَا خَرقا ولَمْ نُؤذِ مَنْ فَوقَنا؟ فإن تَرَكُوهُمْ وما أَرَادوا هَلَكوا وهلكوا جَميعا، وإنْ أخذُوا على أيديِهِمْ نَجَوْا ونَجَوْا جَميعا"
كما أن فن خرق السفينة في قصة سيدنا موسى والخضر درس بليغ في الحفاظ على الحق والمكتسبات ،وتجسيد فقه الموازنات والمآلات .
والأصعب في الموازنة هو عندما يكون الذي يهدد الاستقرار و الأمن من داخل النظام السياسي الحاكم بفعل سياسات الهروب الى الأمام في ظل تهديدات كبيرة على المستوى الخارجي والمؤشرات الاقتصادية الهشة التي قد تكون سببا في انفجار الأوضاع التي لا يستطيع احد التحكم فيها ولا يستفيد منها احد طبعا ،وحصول التوازن في الرؤية والخطاب والممارسة هو الامتحان الصعب والعسير للقيادة السياسية ،لان المسافة بين تحقيق الحريات والضغط على السلطة (التي لا تعطي عناية او اهتمام سوى لشراء السلم الاجتماعي وضمان نصاب البقاء ولو على حساب حاضر ومستقبل البلاد) من اجل فتح الأفق السياسي والقيام بإصلاحات سياسية حقيقية وعلى رأسها تنظيم انتخابات نزيهة ونظيفة من طرف هيئة مستقلة كما يحدث في أكثر من 70 دولة في العالم ،وعدم المساهمة في تهديد استقرار الدولة وتوفير فرص خارجية للابتزاز وإفقاد السيادة ،هي مسافة دقيقة قد تكون لشعرة الميزان ،والإبداع كل الإبداع هو في فن التسيير المتوازن لمرحلة سياسية شبيهة بالوصف اعلاه .