حقيقة العذاب

عماد الحسناوي
2016 / 9 / 17

خيل إلي أنني في قاع بئر، طرقت مسامعي تنهدات مستمرة وصرخات متأوهة وسعال وأصوات نساء ورجال وأطفال. كنت مستعدا أن أدفع أي ثمن لقاء أن أعرف ما يحدث حولي. أخيرا رفع الحارس العصابة عن عيني. غلالة سوداء تماوجت بضع لحظات أمام عيني، بدا لي أنني أرى كائنات بشرية معلقة من أرجلها في السقف ورأسها إلى الأسفل. فكرت أن عيني قد غشيتا لانتقالهما من الظلمة إلى النور. خلال دقيقة وستعود رؤيتي واضحة وسأجد هؤلاء الأشخاص جلوسا أو وقوفا. للأسف لم يكن ما رأيت خطأ أو خديعة فالصورة حقيقية فعلا.. جد حقيقية، رجال ونساء مقيدون ومعلقون بالسقف بكلاب حديدي ربط إلى حبل، وعلى الأرض أطفال يرفعون رؤوسهم نحو أمهاتهم وآبائهم وهم ينتحبون وقد أضناهم التعب والبكاء. وجوههم الصغيرة متسخة بالدموع والمخاط يسيل من أنوفهم. لا عمر لهذه الكائنات الصغيرة التي بدت قريبة من الاحتضار.. لهؤلاء الأطفال الراكعين أو الجالسين القرفصاء في برك من الدم والقيء. رائحة رهيبة من نتن صعدت إلى حلقي. شعرت بالغثيان والرغبة في القيء بدوري، منذ كم من الليالي والأيام يتخبط هؤلاء في هذا المكان. هذه هي نهاية العذاب الجسد وبداية العذاب النفسي عن طريق التأمل
التأمل كثر في ذهني وكذا هذا الصغير أن لا يحتملني، طردني وابتعد وأقسم أنه لن يعود، ذهبت لإعاده ووجدته ميتا، ماذا أفعل بهذه الحياة غاب النفس وحضر الجسد أين الذي يقود؟ تركني حتى وجدت نفسي أتلاشى في شوارع المدينة وأنا أكرر في التأمل مكثر، حتما غابت النفس ولن تعود هل يقدر هذا التأمل أن يحيي الموتى؟ لا الله وحده يفعل هذا٠إذن أنا من ضحايا التأمل المكثر أين فترة الصِبا التي يبدأ فيها التأمل، فترة الصِبا! هي فترة قبل العذاب الجسدي والعذاب النفسي٠لماذا لم يتأثر كل من أفلاطون وديكارت هل لأنهم ينتمون إلى إتجاهه أو يعلمون نقطة ضعفه٠ قد يحيل الحزن في عصرنا وسيكون متميزا في داخله وهذا العصر هو غذاء التأمل ولكن إنتهائه أصبح محتوما وتعود إلى الماضي القديم وتجد نفسك ميتا موتة النفس والجسد وتكون قد ربحت خيبت الأملِ. ومن هنا أقف عند هذه النقطة، نقطة العذاب الحقيقي.