7 الإرهاب حليف الديموقراطيات الرأسمالية

سعود سالم
2016 / 9 / 17

إن فكرة الإرهاب والترهيب ظهرت عدة سنوات بعد إندلاع الثورة الفرنسية عام 1789، وبالذات بداية من سنة 1794. ذلك أنه عقب سقوط الملكية عام 1792 انتخب روبسبير أول مندوب لباريس للمؤتمر القومي الذي ألح فيه على مطلب إعدام الملك لويس السادس عشر وعائلته وهو ما تحقق عام 1793. وسرعان ما انتخب روبسبير عضوا في الهيئة التنفيذية العليا ولجنة السلامة العامة، مما أعطاه المزيد من السلطة والقوة، في غياب أي مقاومة منظمة وفعالة ، أصبح هو المسيطر على الحكومة بواسطة أعوانه وقدرتة الخطابية الفائقة. كانت فرنسا في هذه الفترة القلقة تعاني من الإضطرابات السياسية والاجتماعية، وبهدف استعادة النظام في البلاد وتقليل خطر الغزو الخارجي، بدأ روبسبير في القضاء على كل من اعتبرهم "أعداء الثورة" فأعدم معظم أعدائه وكل الذين يشك في عدم ولائهم للثورة، وهذا ما عرف بعهد الإرهاب .. على الرغم من أن مصطلح "الإرهاب" كان معروفاً ومستخدماً عبر التاريخ وقبل الثورة الفرنسية، إلا أنه بعد قيام هذه الثورة وتحديداً بين سنة 1793 و1794 أخذ مفهوم الإرهاب معنى متميزا واكتسب صيغة جديدة كسياسة ونظام لحماية الثورة والثوار من الأخطار الداخلية المتمثلة بأنصار الملكية "الطبقة الأرسطوقراطية" الذين فقدوا مكتسباتهم بعد الثورة، ومن الأخطار الخارجية التي كانت تتربص بالثورة من كل الأنظمة المجاورة. وهكذا فإن "الإرهاب" أصبح طريقة للحكم ولفرض السلطة، أي أنه أصبح أداة للنخب الثورية الحاكمة لترسيخ النظام السياسي الجديد بواسطة التصفية الجسدية لأعدائها. فالإرهاب إذا كان في هذه الفترة وسيلة سياسية لحماية الدولة الجديدة من ألأخطار المحدقة بها، ويمكن إعتباره من ضمن السياسات الأمنية المتعارف عليها والمتداولة حتى في أيامنا هذه، التي تلجأ إليها الأنظمة البوليسية والديموقراطية على حد سواء، مثل الإعدامات اليومية التي تقوم بها الحكومة الأمريكية والإسرائيلية بواسطة أجهزة وطرق حديثة لمن تعتبرهم أعدائها. غير أن هذا المفهوم سرعان ما تطور وانعكس مفهومه، حيث استحودت عليه "الدولة" بواسطة أجهزة الدعاية والإعلام المتعددة ليصبح مفهوما لا ينطبق إلا على أعداء الدولة سواء أفرادا أو مجموعات منظمة. ويتفق العديد من المؤرخين على أن بداية هذا التحول كان مرتبطا بعملية اغتيال القيصر ألكسندر الثاني في روسيا عام 1881. فبينما كان يقود عربته في أحد شوارع سانت بطرسبرغ، بالقرب من قصر الشتاء، ألقى غرينيفيسكي Grineviski، أحد أفراد منظمة نارودنايا فوليا قنبلة يدوية الصنع أدت إلى موته وإصابة القيصر بجروح قاتلة جراء الإنفجار وتوفي بعد بضع ساعات. وفي هذه الفترة تم الخلط عمدا من قبل القوى الرجعية والسلطوية والحكومية في كل أوروبا بين ظاهرة الإرهاب والعدمية والفكر الثوري الفوضوي أو الأناركي. حيث أن منظمة نارودنايا فوليا "إرادة الشعب" ليست منظمة إرهابية وإنما منظمة للمقاومة والنضال السياسي ضد النظام الإقطاعي المستبد، حيث تطالب في برنامجها بتشكيل "هيئة تمثيلية شعبية دائمة" منتخبة بالاقتراع العام، وإعلان الحريات الديمقراطية، ونقل ملكية الأراضي إلى الشعب، واتخاذ تدابير لوضع المصانع في أيدي العمال. أي تطالب بالحرية والعدالة ونهاية الإستغلال من قبل الطبقة الحاكمة للشعب الذي يحيا حياة العبيد. لكن رد فعل الدولة كان هو تصعيد وتيرة القمع، وفرض دكتاتورية شرسة ومطاردة الثوار ونعتهم بالإرهاب.
وفي أوروبا وأمريكا شهد القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين سلسلة من أعمال المقاومة الأناركية أو الفوضوية ضد النظام المسيطر وضد أجهزة السلطة المختلفة من المحاكم ومراكز الشرطة ورجال القضاء. ونهاية القرن التاسع عشر يشكل ما يسمونه "سنوات المتفجرات"، إذ تتالت الاعتداءات بالديناميت، الذي تم تصنيعه وتسويقه حديثا، على الملوك والرؤساء والوزراء والضباط والقضاة وكل رموز الدولة. فيما استهدفت اعتداءات أخرى بعض المباني الرسمية الحكومية. وفي فرنسا بدأت موجة العنف المسلح سنة 1892، حيث أصبح الأناركي الفرنسي الشهير رافاشول، بطل الأساطير والأغاني الشعبية، رمزا للمقاومة ضد نظام الدولة الفرنسي حيث قام بالعديد من العمليات التفجيرية حتى ألقي عليه القبض في 30 مارس 1892 على أثر وشاية صاحب المطعم الذي كان يتردد عليه رافاشول، وحكم عليه بالإعدام وقطعت رأسه بالمقصلة في 11 يوليو 1892 قبل أن يكمل جملته "تحيا الثورة". وفي 24 يونيو عام 1894 اغتال الفوضوي الإيطالي كاسييرو Sante Geronimo Casserio الرئيس الفرنسي سادي كارنو Sadi Carnot. وقد شكل هذا الإغتيال ذروة النشاط السياسي ومقاومة الحركة الأناركية في فرنسا. وقد شعر المجتمع الدولي بأكمله بأنه مهدد، ذاك أن فرنسا لم تكن الدولة الوحيدة التي شهدت هذه المقاومة والنشاط الثوري. وانتقلت موجة المناهضة للنظام إلى الولايات المتحدة حيث كانت تمر بدورها بفترة قلقة وتعاني من جو اجتماعي متوتر، حيث اغتيل الرئيس وليم ماكنلي William Mckinley على يد الفوضوي ليون تشولكوزس Leon Czolgosz في 6 سبتمبر عام 1901. وقد بدا من البديهي، سواء بالنسبة إلى السلطة أم إلى الرأي العام أن أميركا بدورها كانت في مواجهة تهديد دولي جديد. فالجو العام في هذه الفترة كان مشحونا وكل المناضلين والعمال كانوا يحلمون بالثورة الوشيكة، غير أن رد فعل السلطات كان رهيبا حيث امتلأت السجون وتعددت الإعدامات والنفي وأصدرت فرنسا في يوليو 1894 قوانينا خاصة ضد الأناركيين. كان كل عامل يعتبر مجرماً محتملاً وكل فوضوي "كلباً مسعوراً" يفترض عزله بأي ثمن. "جريمة ضد الجنس البشري"، بهذه العبارة وصف ثيودور روزفلت الذي خلف الرئيس ماكنلي الحركات التي كان ينعتها بالإرهاب. وقد وصل الأمر في بعض الدول أن وضعت الجيوش في حالة استنفار كما هو الأمر الآن تماما في فرنسا وبلجيكا وغيرها.
نلاحظ إذا أن ما تمر به أمريكا وفرنسا وبلجيكا وأوربا عموما من موجات التفجيرات والإغتيالات " الإرهابية " ليس جديدا وليس لأول مرة في تاريخها تخضع لهذا النوع من العنف المنظم، الفرق الوحيد يكمن في الهدف من هذا العنف والهوية الإجتماعية والسياسية لمن يقومون بهذه العمليات الدموية. لقد حل محل الزخم الثوري التقدمي والذي كان يهدف لتغيير العالم وقلب موازين القوى والقضاء على الإستغلال الطبقي وتأسيس مجتمع مستقبلي جديد مبني على العدالة والمساواة والحرية ويخلو من التسلط والإستغلال والتفرقة، حل محل هذا الأمل مشروع آخر ظلامي رجعي متخلف يرمي بالرجوع بالعالم إلى قرون مضت. ولا يمكن بطبيعة الحال المقارنة بين العنف الدموي للمجموعات الإسلامية والعمليات الأناركية في بداية القرن، أو العمليات التي قامت مجموعات ماركسية في السبعينات من القرن الماضي مثل الفعل المباشر والألوية الحمراء وبادر ماينهوف أو الجيش الأحمر في فرنسا وإيطاليا وألمانيا واليابان. وذلك لوجود إختلاف جوهري في الهدف المنشود وفي الوسائل والطرق المستعملة للوصول إليه. هدفنا في هذه الدراسة ليس مناقشة هذه الفروق الجوهرية ولا التوقف عندها، وإنما نذكرها للتأكيد على أن الإرهاب والعمل الثوري قد يلتقيان بطريقة سطحية ومزيفة ينظمها الإعلام الرسمي والدعاية الحكومية وذلك للتبخيس من المقاومة وإرجاعها إلى إرهاب وعدمية، وفي نفس الوقت لتضخيم العمليات الإرهابية وإعطائها صورة عمليات منظمة وشديدة الخطورة لتبرير إجراءات القمع وتكبيل الحريات ومطاردة كل المناهضين للنظام.