-طريق الشعب- في عيد -اللومانتيه-

ابراهيم الحريري
2016 / 9 / 13

1- لكنها باريس!

كانت ترتدي تنورة اقصر مما كنتُ رأيتها ترتديها اول مرة، قبل ثلاثين عاما. تبيّن اكثر مما تخفي، ومع انها لم تكن تكثر من المكياج، لكنها لم تفقد نضارتها، بل ازدادت نضارة وازدهتُ فتوة، لم اكن اقتربت منها بعدُ عندما خُيل لي انها تغمز لي من بعيد...
انا؟! لا بد انكِ واهمة، فلم اعد ذلك الرجل الضاج بالحيوية، المتألق بالحلم والآماني والرغبات..
اقتربت منها اكثر، بدا لي انها الفاتنة ذاتها، غمّازتيها تنضحان بالنداء المثير ذاته، وعيّنيّها تومضان بالفرح، تعدان بالمزيد منه...
كيف؟ يا سيدتي، كيف؟
...لكنها باريس!

الخيمة

لم يكن طريقنا الى خيمة "طريق الشعب" في قرية "اللومانتيه"، التي تُنصب سنويا، هينا.
كان علينا ان نترجل من مسافة بعيدة، ان نمشي ما يزيد على الكيلومترين، ذلك ان الطريق الى العيد، عيد "اللومانتيه" السنوي، يغص بالناس والسيارات، من الأسهل والأسرع ان تصله راجلا على ان تظل محبوسا بصندوق معدني تتصبّب عرقا.
على بوابة جانبية، كان ثمة هرجة واصوات نسوية ورجالية، ونقاشات: كيف؟ وشلون؟ اين عدنان؟ (لم يكن عدنان - احد منظمي الخيمة العراقية - بعيداً، كان قيد خطوة، اين عادل؟ انهم المشاركون والمشاركات في العيد، تحت ظل خيمة "طريق الشعب"، من اماكن بعيدة، السويد، كوبنهاغن، من لندن، من بغدادالخ...
كان ثمة واحد حارَ كيف يقدم نفسه، من اين؟ من العراق؟ من لبنان؟ من كندا؟ من كل ذلك: ابراهيم الحريري، الباقي حيا من هيئة تحرير "اتحاد الشعب" مدمن العمل، منذ ذلك الوقت، في صحافة الحزب الشيوعي العراقي، العلنية والسرية...
مصافحات، قبلات، عناق، لم يستطع ان يكتم ارتياحه، هو، ابن الثمانين، او يكاد، فقط! من انزلاق خدود ناعمة، بينها ما هو فتي، على صفحة خده!

اجتماع!

اعتلى الرفيق جاسم الحلفي المنصة، قدمه الرفيق خالد الصالحي، ممثل منظمة الحزب في فرنسا، استهل التقديم، بالإشارة الى تاريخ مشاركة الحزب وصحيفته، منذ اربعين عاما او يزيد، في اعياد "اللومانتيه"، صحيفة الحزب الشيوعي الفرنسي.
اجتماع! لهنا لاحكَينا؟ ما يكفينا اجتماعات؟ لعلي سمعت هذا من حاضر يهمس به لجاره؟ ولعلي كنت انا!
لكن الرفيق حاسم الحلفي، وهو يتحدث عن الحراك الشعبي، طبيعته، تطوره، تطور اهدافه، القوى المشاركة فيه، آفاقه، مرونة تحالفاته، استطاع، والنقاشات الحارة التي اعقبته، ان يحول " الإجتماع" الى مادة حيوية، تختلف عن تلك الإجتماعات التقليدية، التي تبعث على التثاؤب. لعلها اكتسبت حيويتها من حيوية ونبض الشارع العراقي، الذي يخوض المعارك منذ اكثر من عام.
عشاء عراقي، بسيط، لكنه طيب، طيبة الذين واللواتي أعدوه...
ثم... الى الغد!
باريس - صباح 9 ايلول 2016

2 – "اللومانتيه" قرية العالم!

خيام...خيام...خيام! خيام من اقصى مكان في العالم، من منظمات وحركات واحزاب لم تسمع بها. رغم سنيك الثمانين التي قضيت اكثرها، كصحفي وكشيوعي، في متابعة الحركات التقدمية والثورية في سائر ارجاء ارض.
بدا لك ان عيد "اللومانتيه"، صحيفة الحزب الشيوعي الفرنسي منذ اوائل القرن العشرين، انما تعيد رسم خريطة العالم ليس كامتداد جغرافي، بل كجسد حيّ تمتد داخله وتنتشر الحركات التقدمية والثورية وتغذيه، وان في القلب منه "اللومانتيه" بكل ما تمثله من تاريخ، ليس الشيوعية الفرنسية، فحسب، بل فرنسا الثورية، فرنسا الثورة الفرنسية، التي دقت اجراس ميلاد مرحلة جديدة من تاريخ العالم، فرنسا الحرية والعدل والمساواة، فرنسا المارسيلييز.
وهي، ايضا، باريس متاريس ثورة 1848، التي روى عنها فيكتور هيجو في ملحمته الرائعة (البؤساء). وهي كانت واحدة من مصادر ثقافتك، مطلع فتوتك، مثل "الأم" لمكسيم غوركي، واحدة من اروع ملاحم الأدب العالمي، التي تتلمذ عليها ملايين الثوريين منذ عقود، وهي بعد كل شيء بل ربما قبل كل شيء، باريس الكومونة، عام 1870، التي اقامت اول سلطة للعمال والكادحين، في العالم، تعلم من دروس انتصارها واخفاقها، ملايين الشيوعيين والثوريين في سائر ارجاء الأرض. وكانت واحدة من مصادر الإلهام الأساسية لثورة اوكتوبر عام 1917.
ومثلما اهدت الثورة الفرنسية "المارسيلييز" للعالم اهدت الكومونة نشيد الأممية، الذي ما يزال نشيد "الشيوعية" في كل مكان، وما يزال...
اعلم ان الزمن غير الزمن، لكن التاريخ يبقى ذات التاريخ، لا يمكن الغاؤه، إلا اذا اريد لنا، وللتاريخ، ان ينسى تاريخه.
في واحدة من خيام "قرية العالم" كانت خيمة "طريق الشعب".
حركة دائبة، رفيق يعد اسياخ الكباب، آخر يحمي مقلاة الفلافل، اواني السلطات تروح وتجيء، زوار يفدون من كل صوب يمكثون، لحظة قد تمتد، يغادرون على موعد "الزفة" في المساء، روائح الكباب والفلافل والشاي المهيّل يتحلب لها ريق العابرين، يتوقفون، يلف لهم القيمون لفة بعد ان - طبعا- يقبضون!
ويظل الرفيق الذي يكسوالأسياخ باللحم المتبل، يشيّش ولا يتعب، كأنه خلق لهذه الحرفة.
المساء يقترب، فرقة بابل الموسيقية تهيء مسرحها، تهيء ادواتها، تجلو حناجرها...
...بانظار الزفة!
قرية "اللومانتيه" باريس
صباح 10 ايلول 2016



3- عيد "اللومانتيه": عيد الفرح و...البزخ!

كانت عقارب الساعة تدنو من الثانية عشرة من ليل العيد. كان العشرات (يبزخون) يرقصون على ايقاع طبلة ستار الساعدي تحت خيمة "طريق الشعب" وعشرات آخرون لم تتسع لهم الخيمة يبزخون في الشارع...
كانت الخيمة تبزخ... والشارع يبزخ، واندفعتُ، انا ايضا، في اللحظات الأخيرة، ابزخ! أهزُ اعطافي وكتفي (اراد عراقي يبزخ ان يعلمني هز الرقبة! فلم تطاوعني رقبتي)!
كنت ابزخ بكل جوعي الى الفرح، هذا الذي غادرني منذ زمن، ذلك ان عيد "اللومانتيه" هوعيدي، عيد "طريق الشعب" ومن قبلها "اتحاد الشعب" عيدي، انا ابنها، ربيت، تعلمت أن "اقرأ" وان اكتب، باسم الناس ومن اجل الناس، في احضانها.
كنت اعاين الى النخلات السامقات، الفتيات، الجميلات تهتز، فتهتز اعطافها واعذاقها، وتهتز الأرض والشارع.
كنت افكر: ما الذي يجذب الناس الى خيمتنا (والى كل الخيم الأخرى)، في اليوم الثالث، الساهر، الأخير، من ايام العيد؟
هل هو صوت كريم الرسام الريفي العذب؟ هل هي اصابع شهد جمال، الحساسة، تستنطق الجوزة، اجمل الآلات الوترية العراقية، واكثرها عذوبة؟ هل هي طبلة ستار الساعدي، المجنونة، التي، ما ان تنفلت وتضج، حتى ينفلت الراقصات والراقصون ويضجون؟ هل هي الإيقاعات والأصوات العذبة، الرائعة، للأغنية البغدادية ايام عزّها وعزّ بغداد، التي حملتها، من الدنمارك، فرقة بابل؟
هي كل ذلك، بالتأكيد، وهي قبل كل شيء، الرغبة في الفرح، بل الجوع الى الفرح، في عالم مضطرب، متوتر يجري اغتيال الفرح فيه (في العراق خصوصا) كل يوم، بل كل دقيقة، من قبل جلادين، ومعدومي الضمير. وما اكثر ومن اشد جوعا من العراقيات والعراقيين الى الفرح، لكن متى الفرح، متى؟
ومَنْ اكثر من الشيوعيين واصدقائهم في العراق، في باريس، في كل شوارع وحارات، اناس العمل، دفاعا عن حق الناس في الفرح، في الحياة الحرة الرغيدة؟
ذلك لأنهم يحبون الحياة، لا الموت، يبشرون بقيمها ومسرّاتها وليس بقيم او احزان تبهظ كاهل الناس وتضيف الى تعاستهم...
ذلك لأنهم صناع الأمل والفرح...
عيد "اللومانتيه" باريس
صباح 11 ايلول 2016