المعول عليهم في الثورة.. وبين الخفير والناهب صاحب القصر!

السيد شبل
2016 / 9 / 12

المعول عليهم دومًا في الثورة هم الطبقات الكادحة الشقيانة في سوق العمل التي تبيع قوة عملها (البدني أو الذهني) وتتلقى أجرًا بالمقابل.. تلك طبقة واسعة تمتد من العامل في المصنع حتى المهني كالمحاسب أو الطبيب (العامل في مستشفى أو شركة، ولا يملك هو بذاته متجرًا كبيرًا أو مشفى).. هذه الجماعات من البشر كانت عماد الحرك الشعبي في مصر وتونس في البداية (الحراك الواسع الممتد في مصر منذ السبعينات.. وبالأخص قبل الاختراق الأجنبي بالتمويل).. هذه الطبقات الكادحة هي المسماة بـ"البروليتاريا" في الخطاب اليساري التقليدي.. وهي تتضاد بالضرورة وإن امتكلت وعيًا مع ناهبيها من رأس المال المتحالف والمحصن بالسلطة السياسية المحلية والذي هو جزء أصيل من منظومة رأس المال العالمية الاحتكارية الممثلة في رأس المال الأجنبي الغازي للأسواق والنازح للأرباح والحاكم الفعلي والحقيقي للعالم، والذي يتحكم من الخلف عبر عمليات التمويل والامتلاك لوسائل الإعلام في توجيه العملية الانتخابية، وفي عزل الرؤساء والحشد في الحروب.. هذه الطبقات الكادحة، والتي يمكن أن تندمج معها أو تلحق بها على استحياء بعض الشرائح من الرجوازية (مالكي وسائل الانتاج) الصغيرة والتي من الممكن أن ينخفض دخل الواحد منها عن دخل عامل في أحد المصانع أو محاسب في شركة (كمالك توكتوك أو تاكسي أو صاحب قطعة أرض زراعية صغيرة) هذا التحالف الواسع (إن امتلك الوعي أو أثير بسبب محفز ما مثل ضغوطات المعيشة، والفوارق الطبقية الهائلة، وغياب الأمان الاجتماعي) هو المرشح للثورة.. وهذا التحالف هو بطبيعة تكوينه يختلف عن الشرائح الهامشية تلك التي تختلط على من لا يفهم ما هو المعني بالضبط بـ"الكادحين" فينسبهم إليهم، ونعني بالهامشيين، أولئك النصابين أو المحتالين أو الشحاذين أو الذين يمتهنون نشاطات غير انتاجية، وسمتهم الماركسية بالبروليتريا الرثة، وتم تعريقهم على أنهم أولئك الذين هجروا الريف لكنهم عجزا عن النأقلم مع حياة المدينة ، فسكنوا الصفيح واستملحوا البطالة (لم يضطروا إليها بفعل الاحتكارات وسعي الرأسمالية لتقليل التكلفة الانتاجية، كما حدث مع الكادحين الذي تم تسريحهم من أعمالهم مع الخصخصة مثلا) وهؤلاء في الغالب لفقر الوعي وفساد نفوس بعضهم، يتأرجحون بين هنا وهناك لكنهم بالنهاية يتحازون لصفوف ناهبيهم (يمكنك أن تقابل امثال هؤلاء في صورة التباعين الذين يبسطون سيطرتهم بالغصب على أماكن يؤجرونها للمنتظرين أو السماسرة الصغار أو سائر الهلّيبة الذين يعتمدون في مكسابهم على التخابث والضربات الثقيلة عوضا عن الجهد والعرق).. هؤلاء رغم الرفض الكامل لحصيلة تصرفاتهم، إلا منهم أفراد من الممكن لها أن تتموضع على الطريق الصحيح في حال أتيحت لها الفرصة وتم تأهيلها عقليا ونفسيَا.

المهم، أن الطبقة لقادرة على الثورة قبل يناير تحديدا كانت على وعي بأن خصومتها مع النظام المباركي، تتمركز حول فكرة (أن البلد قد بيعت)، وأنه سمح لطبقة رجال الأعمال ومنهم أولاده بالهيمنة على السلطة السياسية للبلد بمعنى تحالف رأس المال والسلطة، كما أنه وضع مقدرات البلد في خدمة رأس المال العالمي وأخلى يديه تماما من القضايا العربية وصار عونًا للمحتل الأمريكي مباركًا ومتعاونًا معه في احتلال العراق، وصار خطابه السياسي خصم للمقاومة الفلسطينية يميع على هذه الحقيقة بأكذوبة وقوفه على الحياد بين صاحب الحق "الفلسطيني" والمعتدي سارق الأرض "الصهيوني" (وهذه جريمة في حد ذاتها)، كما انه جرف البلاد ثقاقيا تماما لصالح للرجعية الوهابية السعودية تهيمن على البلد وتتسلل إلى العقول (ومن الملاحظ أن الشارع المصري بوعيه العادي والمتميز نزع عن هؤلاء لقب السنيّة وسماهم الصهنية من الصهينة).. المهم أن تلك القوى المشحونة ضد مبارك، كانت تعرف لماذا اتنتفض، حتى رؤيتها، للشرطة، كانت أكثر عقلانية وجدية من كثير من النخب التي قفزت على الحرك بالنهاية، حيث رأت في الشرطة (حامي الطبقة أو النظام التي هي في خصومه معه) وصفوهم -مع صراحة اللفظ والتباسه- بأنهم "كلاب حراسة".. بمعنى أنهم بالنهاية مجرد حراس أو خفراء بأجر لصاحب القصر (الناهب الحقيقي) لكن أجندة التمويل أرادت مركزة الخلاف حول (الخفير والحارس) وهو ما لم تستسيغه تلك القوى ورأت فيه تشعيبا للهم النضالي، وتساءلت عن السبب؟ فعرفت أن ثمة أجندة للتمويل، صارت تركز أسهمها على إضعاف الدول من حيث هي دول، بغض النظر عن موقف الدولة (الأداة) وانحيازاتها.

المواطن كان يريد الشرطة وجهاز الدولة كله أن ينتقل من كونه حامي للطبقة الناهبة (خصمه الحقيقي) إلى أن يصبح منحاز إليه وفي صفه، لكن أجندة التمويل كانت تريد أن تضعف هذه الأداة في ذاتها دون التعرض للطبقة الناهبة التي في الحقيقة هي من تقدم لها التمويل.. لذلك لم ولن تتحدث نخب التمويل عن خطر الاحتكاريات العالمية، لن تسمع منهم إدانة لـ "أوبر" مثلا، وأنها تدمير لسوق النقل المحلي، ولا تدفع ضرائب ، وغير مؤمن على العاملين فيها،وأنها منافسة غير عادلة مع محدودي الدخل من أصحاب التاكسي الأبيض الذين يدفعون ضرائب، وحاصلين على رخصة سائق وهي تتطلب حرفية أكبر من رخصة الملاكي ، كذلك لن تسمع حديث عن أنها باعتبارها شركة أجنية فهي نازحة للربح إلى الخارج، وأن أحد كبار المستثمرين فيها هو "ديقيد بلوفي" مستشار أوباما، وأنها يتم التضييق عليها في فرنسا وروسيا والصين وأسبانيا، إلى حد تغريم ملاكها ومنعها من العمل أحيانا، وهكذا الحال وفي كل دولة تحترم نفسها وسيادتها واقتصادها، بالعكس ستجدهم في صفها ومروجين بأجر أو بدون لاسترمراها في السوق المصري، ولن تسمع نقدًا لـ "نستله" التي صارت تحتكم سوق "الايس كريم" في مصر بعد امتلاكها "دولسي" و"كيمو" و"موفنبيك"، وأنها ذاتها شريكة في تطوير أنشطة علمية بالكيان الصهيوني.. ولن تسمع ولن تسمع.. لماذا؟ لأن مموليهم هم ذاتهم أصحاب تلك الشركات، وجورج سورس وبيتر آكرمان ومارك زوركربرج وسيرجي برين -المتبرع لـ"إسرائيل"- (مالك جوجل) وملاك بيبسي وكوكاولا هم منهدسو جميع مراكز التمويل من أوبن سوسيتي حتى مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية.

الخلاصة أن الطبقة صاحبة المصلحة في الثورة تعي خصومها، وانتفضت ضدها لكن خطفت انتفاضتها، وميعت أهدافها، وصارت التمركز حول "الخفير" لا صاحب القصر.. وليس هذا إلا ثمرة العقل الشيطاني الأمريكي الذي لم يكتف بإفساد النظم الحاكمة في العالم وتحويلها إلى وكلاء محليين لأنشطته التجارية بل نجح في إفساد المعارضة أيضَا حتى لكأنك لأول مرة في التاريخ تجد الصراع (يميني / يميني) يهمش تماما العداء مع الطرف الصهيوأمريكي والموقف من التطبيع والاحتكاريات العالمية، ولا يستخدمها إلا في المكايدة والمزايدة السياسية.