6 الإرهاب ليس العدمية

سعود سالم
2016 / 9 / 10

ما يزال مفهوم العدمية يعاني كما في الماضي من تشوش وضبابية مما يجعل من الصعوبة رسم حدوده وخطوطه الأساسية حتى يمكن حصره وتمييزه عن ظواهر أخرى مشابهة. بالإضافة إلى ذلك فإن العدمية كمقولة تغطي عدة مجالات وحقول معرفية وتاريخية وفلسفية تعاني من ميوعة وليونة تجعلها تتأقلم مع كل وجهات النظر المتعارضة والمتناقضة. فالعدمية مفهوم مطاطي يمكن توسيعه ليحتوي التاريخ البشري بكامله. وفي كل مرة يحاول الفكر النقذي أن يرسم حدود وخريطة هذه المقولة، فإن ذلك لايزيدها إلا إتساعا ومرونة بحيث أصبح اليوم يشمل كل ما أنتجته البشرية من أنظمة وأحداث تاريخية وظواهر إجتماعية. دوستوييفسكي كتب في إحدى رسائله سنة 1878 " وراء العدميين يوجد اليهود "، وكان يقصد بذلك الحركات الثورية الإشتراكية التقدمية في روسيا في منتصف القرن التاسع عشر. ثم انتقل الإتهام بالعدمية بعد ذلك من اليهود إلى المسيحية بواسطة نيتشة، بإعتبار اليهود هم أول من قام بثورة العبيد ضد الأخلاق الأرستقراطية الرومانية وساهموا في إنتصار المسيحية وتسلط " أخلاق العبيد " التي تجعل من الضعف " فضيلة " ومن العجز الذي لا يقوى على الإنتقام لنفسه "إحسانا " ومن الوضاعة والجبن " تواضعا " ومن الخضوع " طاعة " ووقوف الضعفاء جبنا واستسلاما أمام الأبواب " صبرا وفضيلة ". ثم انتقل الإتهام من المسيحية إلى النازية بواسطة " ليو ستراوس " المفكر الألماني ـ الأمريكي الذي ساهم في تطوير وبناء فكر المحافظين الجدد المسيطر على السياسة الأمريكية منذعدة سنوات، الذي أعلن بأن النازية هي الشكل الأكثر شهرة للعدمية. ثم أصبحت العدمية تغطي النظام الشيوعي والستالينية، ثم توسع المفهوم وتمطط ليشمل الرأسمالية ثم الديموقراطية ثم العولمة والليبرالية المعاصرة، وها هي اليوم الحركات الإسلامية العنيفة تنعت بانها حركات عدمية. وتكونت فكرة أو مقولة العدمية الإسلامية. الغريب في الأمر هو عدم قدرة الذين يستعملون هذه المقولة على رؤية التناقض الفاضح بين الإشتراكية الماركسية والنظام الليبرالي مثلا أو بين المسيحية كمصدر للعدمية لأنها ديانة الضعفاء وسبب الإنحطاط الحضاري الغربي بالنسبة لنيتشة، وبين الحركات الإسلامية العنيفة التي تدعوا لإعادة مجد الإسلام وإنجازاته العسكرية والإستعمارية وفرض ديانة " خير أمة أخرجت للناس " على العالم بقوة السلاح. الحقيقة أنه هناك عودة لدوستوييفسكي والقرن التاسع عشر، فكل من يرفض النظام القائم وينظم نفسه لإسقاطه بقوة السلاح ينعت أوتوماتيكيا بالعدمية. فهناك اليوم من يرى أن المجتمع الإسلامي يعاني من تضخم نرجسي للذات، ونزعة للإستعلاء وإحساس بالتفوق في الفكر الإسلامي الحديث تجاه الغرب، وهناك ظاهرة " فيض المعنى " بحيث أنه طالما أن الله يكون بجانبنا فكل شيء مباح، وهو قلب جوهري لمقولة دوستوييفسكي " في غياب الله كل شيء مباح "، وعليه فإن عملية 11 سبتمبر وتفجير برجي نيويورك وكل العمليات اللاحقة التي قامت بها المجموعات الإسلامية، هي عمليات يبررها هذا الشعور بالقوة والرغبة في الإنتقام من النظام الغربي الديموقراطي الذي بدوره قام بإحتقار المسلمين وقهرهم واعتبارهم جهلة ومتخلفين، وبالتالي فهي عمليات تندرج تحت مضمون واحد هو "العدمية الإسلامية ". إنه بالنسبة لنا من المستحيل عقليا ومنطقيا وتاريخيا أن تكون الإيديولوجية المسيحية والحركات الثورية الإشتراكية والنازية والستالينية والليبرالية الرأسمالية والإسلامية مشتركة في مصدر واحد وتنتمي إلى أصل فكري أو تاريخي أو فلسفي واحد مثل "الحركة العدمية أو ظاهرة العدم ". غير أن هذا الخلط ليس جديدا في المجال الفكري، ألبير كامو في " المتمرد " يخلط في كثير من الأحيان بين العدمي والإرهابي والثوري والعبثي، وهي نماذج سلبية في رأيه ويعتبرها غير صالحة للمجتمع ولا تقود إلا إلى العنف والسلطوية والإعداد للأنظمة الشمولية والفاشية، معتبرا أن النمودج الوحيد الصالح هو النموذج الوسطي، الإنسان المتوسط الذي يستطيع أن يوفق بين العدالة والحرية.
إن هذا الفكر الذي يعتبر حركات العنف المسلح المرتكزة على إيديولوجية الإسلام السلفي أوالأصولي، تعرّف العدمية بإعتبارها نزعة تدميرية وحركة رافضة لا تؤمن بأية قيمة من القيم، لا بالإنسانية ولا بالمجتمع ولا بالتاريخ، حركة فوضوية عمياء تهدف إلى حرق العالم وكل ما فيه، حيث الإنسان لا قيمة ولا هدف له في هذه الحياة، لذلك يمكن أن نقتل وأن ندمر هذه الأشياء التافهة بدون أية إعتبارات أخلاقية أو عاطفية. ولا شك أنه من هذه الزاوية، الحركات الإسلامية الجهادية والتكفيرية التي تلجأ للعنف المسلح هي أبعد ما تكون عن هذا التعريف. فحركات مثل القاعدة أو داعش أو أنصار الشريعة أو جبهة النصرة أو بوكو حرام، هي أولا وقبل كل شيء حركات سياسية منظمة، لها هياكل تنظيمية وكوادر، لها أنظمة وفكر وأهداف تكتيكية واستراتيجية، وتشتغل على المدى القريب والبعيد. وهي لا تختلف في ذلك عن أية منظمة من منظمات اليمين المتطرف الفاشي في أوربا سوى من حيث الإمكانيات الإقتصاية والعسكرية والبشرية. إنها منظمات سياسية ذات برنامج سياسي ورؤية للمجتمع يريدون تطبيقها بقوة السلاح. إن نعت هذه الحركات بالعدمية لا يشير سوى إلى عجز الفكر المسطح الرسمي سواء في الديموقراطيات التجارية والرأسمالية البرلمانية الغربية، سواء في الأنظمة الشمولية الملكية والإمارات والمشايخ والقبائل الشرقية المختلفة عن فهم ومواجهة هذه الحركات فكريا وإجتماعيا. إن العدمية في نظر هؤلاء هي بكل بساطة مرادف أكتشفه بعض الصحفيين ومثقفي البلاط لمقولة " الإرهاب " ولكن بمخزون وشحنة سلبية مضاعفة لخلق الإحساس بالرعب والنفور من هذه الحركات، باعتبار أن صفة الإرهاب أصبحت قديمة ومهترئة ولم تعد ذات فعالية حقيقية.