5 العدمية كحركة ثورية

سعود سالم
2016 / 9 / 4

هذا الإنسان بلا أبعاد الذي نحاول أن نثبت عدم صلته بالعدمية يمكن تتبعه وملاحقته في عصرنا الحاضر في كل مكان كما سبق القول، فهو الإنسان العادي، المواطن المثالي الذي يقوم بواجباته كما يطلب منه المجتمع والدولة والقانون. بطبيعة الحال ليس هناك نمودج أو عينة وحيدة من هذا الإنسان الحديث، بل يتشكل ويتشيأ في نماذج مختلفة الأشكال والألوان. إنه هذا المثقف الملتزم بالقضايا الإنسانية العاجلة، الذي يندد باختراقات حقوق الإنسان، ويوقع على كل حملات المساندة لكل القضايا الإنسانية والإجتماعية والبيئية، ولكنه في نفس الوقت مثقف " وطني " ويطالب بحق الديموقراطية الرأسمالية في التدخل أينما أرادت للدفاع عن قيمها ومبادئها، التي يمكن ترجمتها بكلمة أوضح بـ " مصالحها ". وهو أيضا هذا العسكري الذي يقتل الأطفال من أجل قطعة الخبز له ولأطفاله، كالجندي الإسرائيلي والطيار الأمريكي أو الضابط الفرنسي الذي في قواعده العسكرية في أعماق الدول الأفريقية يتدخل لحماية مناجم اليورانيوم وذلك لضمان إضاءة الشانزيليزيه وبرج إيفيل، وهو أيضا هذا الأمير السعودي أوالقطري أوالكويتي بعقاله الحريري وسيارته الأمريكية أمام قصره وهو يسّبح بحمد ربه الذي أعطاه كل هذه الخيرات وأخرجها له من باطن الأرض، دون أن يفكر لحظة واحدة في أطفال غزّة الذين يموتون بالجوع والحصار والقنابل. وهو هذا المستوطن الإسرائيلي برشاشته يمنع الفلاح الفلسطيني من الوصول إلى زيتوناته القليلة، وهو هذا السلفي والأصولي والداعشي الذي يفجر نفسه في الأماكن العامة أو يقطع رؤوس البشر بالسكين أو بالفأس هاتفا الله أكبر. إنه يتجلى أيضا في هذه القبيلة الكبيرة من الخبراء والمتخصصين في كل المجالات العلمية والإجتماعية والتقنيّة، من أساتذة وباحثين عن لقمة العيش أينما كانت : تحت الصخور، في أعالي الجبال، وسط الغابات البعيدة، تحت الأرض أو في أعماق البحار، يبحثون عن " الحقيقة " حسب ما يزعمون، أينما كانت، بين المكاتب والدوائر الحكومية، في معامل ومراكز البحوث في الجامعات والمؤسسات العلمية المختلفة، أينما كانت هذه " القطعة النحاسية " ينحنون على ركبهم يبحثون عن آثارها، تحت الطاولات والكراسي، تحت الأثاث والدواليب، تحت الحصيرة وتحت السجادة ينحنون لإلتقاطها، ويجرون ورائها ليل نهار. هذا الإنسان الممتليء إيجابية والمكتفي بنفسه هو ذاته نفس الكتلة الإيجابية في أمريكا وأوروبا وأفريقيا وآسيا، إنه نفس النموذج المؤمن والممتليء بذاته حتى النخاع بحيث لم يعد هناك مكان لأي شيء آخر. فكل ما ليس هو يتحول بكل بساطة إلى عدم وخواء وفراغ من اللامعنى والعبث. غير أن هذا الخواء والفراغ يشكل القوة الوحيدة التي يمكن أن تزحزح هذه الصخرة الصلدة الممتلئة حتى الحافة إيجابية وكينونة، هذا الخواء السرمدي الذي يهرب منه الإنسان الغرائزي أو الفطري هو الذي يمكن أن يفجّره ويعدّمه في ذاته. وذلك ليس ليحل محله أو ليمتص إيجابيته وسلطته، وإنما لكي ينقذه من إمتلائه وتخمته، يفجرفي قلبه زلزالا أو بركانا ليحدث شقا وشرخا يدخل منه الوجود إلى هذه الكينونة المغلقة. والعدم بطبيعة الحال لا يمكنه أن يخرج من العدم ذاته، بل لا بد له من كينونة تنتجه وتسانده، وهو بالتالي ليس خارجا عن هذا الإنسان الكينونة، إنه بطريقة ما ينخره من الداخل كالدودة، ولكنه لا يُرى ولا يمكن وعيه أو الإحساس به، ولذلك لا يمكننا نعت الإنسان الإيجابي أو الذي لا أبعاد له أو الإنسان المعاصر أو الإنسان الجدّي ـ كم تسميه سيمون دي بوفوار ـ الذي وصفناه سابقا بالعدمية، لأنه ما أن يعي ذاته ويرى فجأة وجهه في المرآة ـ أثناء الحلاقة إذا لم يكن داعشيا ـ ما أن يرى وجهه قبيحا ملطخا بالدماء حتى تختفي إيجابيته وتهرب منه ذاته وتتشقق إنيته ويتجاوز نفسه ويحيل ذاته إلى عدم وينبثق هذا الإنسان الآخر الذي سنسميه " الإنسان " العدمي والذي يقوم على فكرة الرفض والثورة والعصيان على وضعه في العالم وعلى العالم كما هو كائن. إنه النقيض المطلق للإنسان المنتمي المنغمس في مجتمعه ووطنه ودينه وثقافته ـ كالنازي والفاشي والإسلامي والديموقراطي والليبرالي .. إلخ. إنه الإنسان الذي لا هوية مسبقة له، فهو ما ليس هو، وليس هو ما هو، إنه تجاوز وبناء وتكوين ثم تجاوز ، إنه إنسان غير محدد ، غير كامل، متعدد الأبعاد، مجرد مشروع وجود جنوني وعبثي ولا ضرورة له على الإطلاق. هذا المشروع العدمي والفكر الذي يسانده ويغذيه هو الأمل الوحيد لإنقاذ البشرية العمياء المعاصرة وتفجير الفكر الإيجابي المسطح من الداخل. وهذا الفكر الثوري هو ما يطلق عليه اليوم تسمية " الفوضويه العدميه " من قبل فطاحلة الفكر اللابُعدي وهو ما يعني بالنسبة لنا الفكر الأناركي الشيوعي، أي الشيوعية الأناركية، أو التحررية الشيوعية، أو الشيوعية اللاسلطوية. ولذلك فإن الثورة العدمية لا بد لها أن تتجاوز الفكر العدمي ذاته وتتجذر في عمق الواقع الإجتماعي لمحاولة الخروج من مخالب الرأسمالية والإمبريالية والوطنية والدين. والفترة العصيبة التي تمر بها البشرية هي فرصة لم يسبق لها مثيل في التاريخ، لتنمية ونشر الفكر الثوري، نظرا للتخمة المصاب بها الفكر الأوروبي والفكر الإسلامي والرأسمالي عموما جراء الإمتلاء بالذات الإيجابية والنرجسية، وهيمنة القبول والإستمرار في عبادة الماضي والحاضر وإلغاء المستقبل، حيث المستقبل كما يقول كامو " هو النوع الوحيد من الملكية الذي يتنازل عنه السادة بطيبة خاطر للعبيد "