قطيع الوطن لا يعرف اين تكمن سعادته

أحمد الهدهد
2016 / 8 / 31

انطلاقا من الإرهاصات الأولية للمشهد السياسي الحالي يبدو أنه وعلى عرش الوطن سيجلس الزناة إلى الأبد ؛ فتصبح الفضيلة السياسية هي الحصول على العاهرة والفوز بها بديمقراطية تمثيلية للصناديق على مستوى "اغرمان" ( في حاجة إلى ديموقراطية تشاركية لدمقرطتها).....لهؤلاء يقول نيتشه وعلى لسان زرادشت" إن العالم يشبه الإنسان بما هو ذو مؤخرة ، ...عالم في حد ذاته فظاعة من قاذورات".... فمجلس النواب الحالي من اليافعين إن لم نقل من الأميين ثقافيا وسياسيا، ونيتهم بالفوز بالانتخابات - وهذه قمة الاستهتار واستغباء الساكنة وما تبقى من الغيورين على البلد - لدليل واضح بوجود مكبوت في لاشعور "الأمراء ": فكل واحد منهم كان يزني مع العاهرة بدون علم الآخرين. ما كان يجمعهم ليس الطعام في المقاهي أو الفنادق وليس تأهيل البلد أو تنميتها وإنما اختلاس ونهب المال العام بالتحايل على القانون أو الظفر بعاهرة غالبا ما تكون عوراء أو عرجاء أكثر بؤسا منهم وأكثر صفرة من وجودهم وتنطبق عليهم مقولة "إن الأنا الماكرة ...التي تريد مصلحتها الخاصة في مصلحة الجماعة؛ تلك الأنا ليست أصل القطيع، بل انحطاطه" ؛ هم يريدون العودة إلى احتكار واحتراف السياسة ليس من أجل التسيّد في التسيير البيروقراطي وليس من أجل الفضيلة السياسية كحسن إدارة شؤون البلد وسياستها أو كالقدرة على قيادة البشر( كما يذكرنا مينون في محاورة أفلاطون ) بل من أجل الرغبة في الأشياء الجميلة والأشياء الطيبة والحصول على السيارات الفاخرة والشقق في داخل البلد وخارجه من خلال الصفقات المشبوهه مع سماسرة المال السياسي ومن خلال إقبار البلد في ديون طائلة توهم الناس بتأهيله.... لم تعد المسألة أزمة إيكولوجية حول الحفاظ على نقاء الفرشة المائية و لا أزمة اقتصادية عن معيقات خلق قطب حضاري ولا أزمة سياسية أخلاقية حول رفع التهميش عن المنطقة ولا ازمة اثنية مقيتة بل أزمة نفسانية سيكولوجية مرتبطة بمأساة مبنية على فقدان الثقة في كل شيء: فقدان الثقة في النفس، فقدان الثقة في الجار، في الجماعة، في البلد، في الأمة وفي المواطنة !أزمة الرغبة هذه تتجسد في فقدان المواطنين ذاتهم، كالرغبة للتجمع والتلا حم للأفراد فيما بينهم، قد يسميها الإغريق ب"الايروس" ( سماها أرسطو ب "الفيليا" ) ، أي الاعتقاد في حب يوحد ويجمع الأفراد والجماعات علما أن الإغريق لا يعتقدون في إله واحد و موحد بل في حب وحيد يجمع شتات المدينة.
أزمة البلد تدخل في سيادة أخلاق الضعيف وإرادة العبودية الطوعية) تختلف كليا عن العبودية الطوعية عند أجدادهم كفن للمقاومة والبقاء ). فإذا كانت جنود المدن اليونانية تخضع لأمرائهم لأن هؤلاء كانوا أنصاف وأشباه الآلهة فإن ابناء وطني خانعون و راكعيون لأنصاف وأشباه الرجال من جلدتهم؛ هيمنت أخلاق العبيد والضعفاء ثقافيا وانهارت أخلاق النبلاء منهم وينطبق عليهم ما قاله "دي لابويسي" في"مقالته عن العبودية المختارة " : " إن الشعب هو الذي يقهر نفسه بنفسه ويشق حلقه بيده ...هو الذي ملك الخيار بين الرّق والعتق فترك الخلاص وأخذ الغل" ( يدخل ذلك فيما سماه بيير بورديو ب" العنف الرمزي " أي مساهمة المستضعفين في الهيمنة على أنفسهم) .أصل القصة تاريخي وثقافي ، فإذا كانت أخلاق العبيد مرتبطة أساسا بالديانات السماوية (........)، فان الديموقراطية، كعقيدة جديدة، مرتبطة الآن بأخلاق المستضعفين، حيث يتم انتخاب ممثلي السكان من خلال الإرادة العامة للاغلبية .....لكن المدينة (إن كانت هناك مدينة بمفهومها الإغريقي) لا تكون عادلة إلا إذا ثم إعادة إنتاج النظام الطبيعي؛ أي الإقرار بوجود تراتبية بين الكائنات الطبيعية، هناك من هو طيب وصالح بالطبع وهناك من هو سيّء و خبيث بالطبيعة وهناك من هو في الوسط بينهما: إنها الفكرة القائلة - وتماشيا مع النموذج السياسي الاريسطوقراطي لجمهورية أفلاطون -بأن الأفاضل (الاريسطقراطيون) هم من يجب أن يأخذوا بزمام السلطة: الطيبون في المرتبة العليا؛ الوسطاء في الوسط والسيئون او الوقحون في الأسفل؛ وهذه هي بنية الكوسمولوجي-السياسي أي نموذج المدينة التي تحاكي النظام الكوسملوجي (الطبيعي)...لقد حان الوقت للرجوع إلى تلك المعادلة الأخلاقية - القانونية الرومانية والتي كان يتعامل بها السلف : " إعطاء كل واحد ما له" أي إعادة وضع كل واحد في مكانه ؛ عندما يتخطى واحد مكانه، عندما يأخذ الواحد أكثر من حقه وخرج عن إطار مهمته فيجب إرجاعه إلى مكانته السابقة ... و دور مجلس النواب الفائز في الانتخابات القادمة هو استرجاع النظام الكوسملوجي الذي تم اغتصابه وتشويهه من طرف المجلس الحالي، حيث ان الاختلاف في الإلمام واحتكارا لقوانين البيروقراطية من طرف المجلس الحالي مازال يسوق وكأنه تبرير طبيعي للاختلاف اجتماعيا...أن نمتلك فضيلة حسن تدبير الشأن العام وفضيلة " قيادة البشر بالعدل"، هي أن ننفعل بهدوء وبصرامة وعدل وبقياس داخل عالم فوضوي، غير محدد ومنحط أخلاقيا ونتقبل نهايتنا: لسنا آلهة! إننا نجهل مصير أفعالنا ونتائجها اتجاه العالم؛ ربما ذالك ما تعنيه هذه القولة المشهورة لسقراط "أعرف نفسك بنفسك " ...
أكان عليكم أن تنحنوا أمام أصاغرهم ؟يا أهل وطني، كيف يمكنكم احتمال طاغية في السياسة والخنوع له عندما تعرفون أنه نهب واختلس المال العام وتعرفون أنه لا يملك من المال والجاه ومن القوة والسلطة إلا ما أعطيتموه؟ إنها تعاسة رذيلة تشتد بكم عندما تحتملون النهب والفساد والسلب من نخب سياسية أكثر جبنا وأكثر حثالة من متدينين واشباههم يقودون الناس بالخرافة؛ هؤلاء، كرؤساء الجماعات الدينية يدعون الإصلاح من أجل التحايل والتغرير بكم، بلادة هؤلاء المصلحين عميقة " كل فضيلة تنتزع إلى البلادة، وكل بلادة تنتزع إلى الفضيلة " ( نيتشه" فيما وراء الخير والشر") ؛ هم يدعون الشواهد في الدراسات والبحث الأكاديمي، وباسم المجتمع المدني، ( كنفدرالية الوطن تمثل قمة سياسة الريع وانحطاط النضال المدني مثلا )...؛ جالسون ، قاتمون مثل الفزاعات في الساحات محذرين ومتوعدين، خطاب هذه الأقزام في التجمعات ( الغير الحكومية- الحكومية )، مثل خطاب الأعيان، ينبني على التحريم والتغييب ولا يهمه التغيير والتأهيل أو التنمية بقدر ما يهمه ترسيخ ثقافة العبودية الطوعية. ماذا سيستفيد العالم من هذه العلوم الزائفة لهؤلاء الأشباه والأنصاف من المثقفين؟ كيف سيتم تغيير هذا العالم المهمش بالابتعاد من المجتمع المدني وبدون معرفته؟ هل يجب الانحياز إلى جانب الطغاة والوصوليين المستبدين أم استغلال المستضعفين من لحمهم ودمهم وإعادة إنتاج التراتبية الاجتماعية؟ لماذا لم يترشح ولو واحد من هؤلاء المثقفين "السلبيين " في الاستحقاقات الحالية ؟.... هم أناس فائضون عن اللزوم؛ عبيد من نوع جديد في خدمة صنم جديد ( في مرحلة الترسخ )؛ أشباه مثقفين بارعين في آليات سياسة الريع والتحايل على القانون؛ يحصلون على برستيج المستضعفين من خلال لقاءات الساحات المفبركة والتجمعات الارتجالية حيت يتم إفراغ النضال من محتواه واستهلاك بليد لمنتوجات الأغبياء في السياسة، وعوض محاربة الروتين البيروقراطي والتسلح بالسلطة المضادة لمهاجمة العادية والأفكار المبتذلة، يتحولون إلى مؤرخين لذواتهم وأنفسهم الخاصة. كان بيير بورديو على حق عندما أعلن ذات مرة " ان السوسيولوجيا لا تستحق ساعة واحدة من الشقاء والعذاب، إذا ظلت حبيسة الحلقة الضيقة للعلماء والمتخصصين، أي إذا لم تساهم في تغيير العالم الاجتماعي الذي تدعي معرفته "...
عودة الصراعات إلى المشهد السياسي يذكرنا بمقولة دي لبويسيه، ونقلا عن "هومير" على لسان الأمير " أوليس" في حرب "طروادة"، " كثرة الأمراء سوء. كفى سيد واحد، ملك واحد "فإذا كان الخنوع والخضوع لواحد بؤسا" متى تسمى باسم السيد " تعدد وتنوع البؤس بمقدار تعدد وتنوع الأسياد. ألم يكفيكم بؤس الطغاة من الأميين وأشباه المثقفين في المجالس المحلية تزيدونه خنوعا وخضوعا لأميين وأنصاف رجال تعرفون أنهم لا يصلحون لتسيير الشأن العام. إن استبدال الأساس الإلهي بأساس بيروقراطي مبني على ديمقراطية الصناديق على مستوى "اغرمان" يرسخ ثقافة الولاء والتبعية "لألهة مصغرة" تربعوا على العرش فقط لان قبيلة من اربع عائلات ستصوت رسميا على نفس الطاغية في كل دورة استحقاقية او ان عبدا اسودا ( لم يتحرر من العبودية الا مؤخرا بسب الهجرة الى الخارج) هو من يجب ان يسير شؤون بلد اغلب ساكنتها من ذوي البشرة السوداء .اذا كانت الدوافع الدينية تتأتى من وجهة نظر " عالم " هو غير عقلاني بطبعه فإن عقلانية البيروقراطي تعمل وفق التقاليد الدينية: " لا فرق بين اسود وابيض الا بالولاء للطاغية ( وحسب لون بشرته )... ان الزمن مهما طال لا يمكن ان يجعل من الغبن حقا " ،عديموا المصداقية ، عقيمون ، منافقون ، شهوانيون وخليعون يريدون تشتيت بنية البلد مقابل بقعة ارضية في الخارج او توفير الأموال من خلال قصة الرحلات الى أوروبا وأستغباء الناس ب" الهبات "...يريدون استكمال مشاريعهم الخاصة على ظهر الساكنة في البلد .... في عالم طغت عليه صناعة الغباء الممنهج ، فزجاجة من الكحول الرفيعة كافية لزعزعة تضامن جمع غفير استطاعت ان توفر ميزانية تفوق ميزانية بلدان في كل عام . ليس التنافس السياسي ولا النقاش حول الشأن العام هو الذي يهددكم يا صفوة الاغبياء بل إرادة الحياة :"...وحتى في إرادة الخادم ، وجدت إرادة ان يكون سيدا" ( هكذا تكلم زرادشت) .. يطفو المكبوت على السطح عند الفاشلين اجتماعيا، يريدون إصلاح أعطاب البلد التي تم تخريبها بالطائفية والفساد؛ فحتى في إرادة العبيد المفسدون والفاسدون فيها إرادة ان يكونوا أسياد! يعلمنا زرادشت انه " لصغار الناس تكون صغار الفضائل ضرورية"... لقد أصبحنا امام وضعية ( نية السياسيين الحالية لأحتكار القيادة والسلطة) أعطت الشرعية لأغبياء جدد انبثقوا من احزابهم الخاصة وتم توسيع " الغباء المنظم"... بما ان قطيع الوطن لا يعرفون اين تكمن سعادتهم ، فهناك يقين تكنوقراطي بأن هؤلاء الأغبياء الجدد مثلهم مثل الأميين السابقين هم الذين يعرفون اين تكمن سعادة الساكنة. ويصبح الأميون، أنصاف الرجال بدون اي مستوى دراسي ،هم من يعلمون ما هو خير وما هو شر فيما يتعلق بهموم البيروقراطية ، فتتحول البلاد الى " فظاعة من قاذورات" ... نقول ، بإستعمال تعابير زرادشت نيتشه، " إنكم تزدادون كل يوم صغرا أيها الأصاغر...إنكم سائرون الى الهلاك في نظري- ستهلكون من جراء فضاءلكم الصغيرة واستسلاماتكم الصغيرة الكثيرة "...