6 الرؤوس الطائرة

سعود سالم
2016 / 8 / 31

كانت الساعة تشير إلى العاشرة ليلا
عندما توغلنا في الغابة سيرا على الأقدام
عبر الجسر العتيق فوق الوادي
صمت ورهبة وخوف
طويلة كانت هذه الليلة
ممطرة وباردة
والطريق مظلمة مليئة بالأشواك
والأصوات
كلاب وحيوانات ليلية
ودخلنا بلدة أورسياد
كانت ما تزال نائمة
سرا سرنا في الشوارع كاللصوص
نفضل الممرات المظلمة
والأزقة
نخفي وجوهنا واجسادنا في العتمة
نلتصق بالجدران
حتى حافة المدينة
حيث دخلنا دغلا آخر
أكثر ظلمة ورهبة
وبقينا طويلا
عند مخرج الغابة مختبئين وسط الأحراش
ننتظر فرصة العبور
ننتظر القطار
يقلنا للمحطة القادمة
وقبل الفجر بقليل
تمددت الأجساد على الأرض
المفروشة بالعشب والأغصان
من التعب والنعاس
تثاقلت الأجفان
وخيّم الصمت
ومن ثقب في الذاكرة
وربما شق في المرآة
تترائى صورة الرؤوس المتساقطة
من السماء
كالمطر
تملأ الشوارع
تتدحرج على أرصفة المدن المهجورة
تتجمع وتتزايد
ثم تتطاير في الفضاء
بحثا عن أجسادها
المكومة عند أطراف المدينة
جبالا من الأجساد والأطراف والأشلاء
تتعفن وتتحول دودا وذبابا
ينهش الأموات والأحياء
ينتابني الهلع
أسقط ثانية للوراء
يتدحرج السلم الخشبي على الأرض
يتكسر ويتفكك
يتمدد بجانب الجدار مثل جثة
وأفقد الأمل
أمد يدي
أحاول تمزيق أشرعة الليل
وتسلق الظلمة
تتملص السحب البعيدة
تنزلق عن حافة السكين
السحب المضيئة
بعيدة عن منبع الرغبة
بعيدة نائية
عالية
مثل أسوار الجنة
مثل أسوار طروادة
مثل بوابة الغابة
مثل أسوار العقل المسدود
والسلم المكسور نخره الدود
والكرسي يطير متموجا في الفضاء
لاحقا بالسلم والسرير والحصيرة
وفنجان القهوة
وبقية القيود
والوعود
ويجف البحر
ينحسر الماء المالح
يتبخر
ويتعرى قاع البحر
وتظهر هياكل السفن والقوارب الغارقة
مغروسة في الرمال
كغابة من المشانق والصلبان
كمقبرة
من وراء النافذة
السماء الرمادية
فقدت زرقتها هي الأخرى
وهاجرتها الأسماك
والطيور
تحولت بدورها
إلى صحراء قاحلة
تمتد على مرمى البصر
وعند الأفق
تلتقي الصحراء بالصحراء
ويختفي البشر