التكييف القانوني لسرقة المال العام

فرات المحسن
2016 / 8 / 29


أصدرت هيئة النزاهة، بيانا لتوضيح "اللبس" الذي طرأ على موضوع الاستعانة بالخبراء الدوليين للتحقيق في قضايا الفساد، وقالت في بيانها، انَّ "فكرة الاستعانة ببعض الخبراء والمُحقّقين الدوليِّين هي فكرة هيئة النزاهة بالأساس وليس كما أدعى مجلس الوزراء، وقد طرحت الهيئة فكرة الاستعانة بالخبراء في العديد من المؤتمرات الدوليَّة التي شاركت فيها، وبينت النزاهة في بيانها إنَّ رأي الخبراء والمحقِّقين الدوليّين منذ البدء كان، عدم إمكانية توليهم التحقيق في القضايا الداخليَّة ذات البعد المحليِّ.
تبعا للتجربة التي خبرناها من متابعة عمل الهيئات في نظم عمل الدولة العراقية ومنذ أول تأسيس الهيئة المستقلة للنزاهة وهي حتما ليست كذلك، ليس فقط في جانب النزاهة وإنما بإدعاء الاستقلالية أيضا، حيث يظهر عجزها المركب والمنهجي واضحا في جميع الأعمال التي قامت بها.وخرج من بين ظهرانيها من هو مرتش أو سارق للمال العام. والهيئة في هيكلها الوظيفي وعموم طبيعة عملها والواجب المناط بها، قاصرة قصورا مذهلا في القيام بمهامها ،ولم تقدم ما يعمل على تصحيح الخطأ أو الكشف عن الإساءات الموجهة إلى الدستور والقوانين والشعب العراقي، ومنها جرائم الفساد الإداري والرشا والسرقة ونهب المال العام. ودائما ما أدعى قادتها العجز وغل اليد أمام قوى متسلطة عليهم، في محاولة للابتعاد عن الاعتراف بواقع الهيئة وحقيقة هيكلها الرسمي، وكونها لا تعدو غير جزء من لعبة إدارة السلطة في العراق، هذه الإدارة الخاضعة للأحزاب السياسية الحاكمة والمسيطرة على اغلب مفاصلها.والهيئة برمتها خاضعة لرغبات قادة الأحزاب الحاكمة التي تتحكم بنهج وعمل هيئة النزاهة حالها حال مفوضية الانتخابات والقضاء العراقي وباقي مؤسسات الدولة.
الاستعانة بالخبراء الدوليين للتحقيق في قضايا الفساد، إن كانت قد جاءت كفكرة من السلطة أو مثلما تدعي الهيئة بأنها من بنات أفكارها، لن تكون مخرجا لمعضلة بحجم معضلة الفساد في العراق. فما باتت لعبة تبادل الأدوار تنطلي على الكثيرين، وأصبح الناس يدركون بأن هذه المناورات صارت نمطا شائعا ومحببا لدى جميع قادة الحكومة العراقية وهيئاتها وبمختلف انتماءاتهم وعقائدهم. وصار طابع استخدام تبادل الأدوار وظيفة ذكية تستخدم للتمويه عن حدث بعينه ودفع الأنظار بعيدا عن أس الأزمة ومسبباتها،حيث يتم إثارة الاهتمام بجزئية الحل أو المشكلة والضجيج حولها بعيدا عن البحث في طبيعة المسبب الرئيسي أو الحل.
مهمة لجنة التحقيق الدولية لن تكون سهلة ولن تجد ما يتلاءم ويتواءم وطبيعة عملها والواجبات الملقاة على عاتقها ، وسوف تواجهها الكثير من العراقيل والمعوقات، لتجد إن المشاكل أو المواضيع المطلوب الوصول إليها ووضع اليد عليها، تفتقر إلى الدقة في المعلومة والتنظيم والأرشفة، وسوف تختفي من أمام اللجنة فجأة دلائل وقرائن تمنع الوصول إلى نتائج مقنعة، ولن تحصل هذه اللجنة سوى على سكن وطعام منتظم ورواتب سخية يقدمها الجانب العراقي بكل أريحية ورضا.
فهذه اللجنة التي أفصحت بكل ثقل المعنى عن مهمتها الرئيسية، نراها قد قدمت للجانب الحكومي العراقي ما يطمئن ويثلج القلب. فواجبها لا علاقة له بجرائم فساد وسرقات داخل العراق وهي لن تحقق في قضايا فساد محلية. وبينت للجانب الحكومي وهيئة النزاهة منه وبشكل مباشرة، عدم إمكانية توليها التحقيق في القضايا الداخليَّة ذات البعد المحليِّ.
إذن فلجنة التحقيقات الدولية وضعت لها حدود لن تجد معها الكثير مما يتعلق بواجبها التي قدمت إلى بغداد من أجله. فأغلب وأعظم قضايا الفساد ودعاوى سرقات المال العام في العراق، كانت ومازالت داخلية وتترافق مع فساد إداري وقضائي ورشا مازالت المؤسسات الحكومية تئن من سعة انتشاره ووطأة فعله المدمر، وبلغ من الصعوبة والإيذاء بمكان، أن أنتشر في أصغر وحدة من وحدات مؤسسات الدولة وصولا إلى رأس السلطة فيها، وأصبح الحاضنة الحقيقية للإرهاب، وبات يتكيف والقوانين والطرق الدستورية لتمرير السرقات وتلافي العقوبة.
أيضا سوف يعترض عمل لجنة المحققين الدوليين، وجود كدس من القوانين والاعتبارات الداخلية ترجح فشل مهمتها ، فعمل اللجنة المهني لن يكون كافيا لكشف ملفات فساد توغل بعمق الاقتصاد العراقي وتقفز نحو الخارج بخيوط متينة تنتفع منها دول ومؤسسات عراقية وغير عراقية، ويسيطر عليها الغموض والتشويش والتداخل في المحلية والخصوصية العراقية. فرجال الدولة بنو لهم صروح مالية كبيرة ليس على شكل أرصدة في بنوك وتداول نقدي، بقدر ما هي استثمارات وأغلبها بأسماء توابع من الأقارب.كذلك استفادوا من تملك أراضي الدولة وأملاك قادة العهد المقبور، أو السيطرة وشراء أملاك من هاجروا خارج العراق، لتشكل تلك الأملاك إمبراطورياتهم المالية.وهذه الأموال التي يتم سرقتها وتداولها داخليا وتوظيفها وبطرق ذكية، تشارك هيئة النزاهة والعديد من دوائر الدولة بالتمويه والتعتيم والتستر عليها.
أيضا فالرواتب والمنح والمخصصات الخيالية أصبحت موارد كبيرة للنخب الحاكمة ورجال السلطة ، وتهيأ لهم قدرات كبيرة للتحصن ضد المسائلة والمحاسبة، وتوفر لهم أجواء وإمكانيات شراء الذمم إن كان ذلك داخل سلطة القضاء أو مراكز الأمن والشرطة أو بين أوساط هيئة النزاهة ذاتها. وخير دليل التكييف القانوني لوضع السيد النائب مشعان الجبوري الذي استطاع بأمواله المسروقة أساسا، الوصول إلى رئيس الوزراء السابق السيد نوري المالي الذي بدوره أعطى الإيعاز إلى القضاء لتغلق جميع القضايا المرفوعة ضده.
وفي نظرة لكيفية سرقة المال العام وفق لعبة تقاسم المناصب والهبات والعطايا والتي تعتبر نهبا عاما لموارد الدولة وفي نفس الوقت تعد نهبا وسلبا لحقوق الشعب العراقي، والتي لن تكون من مهام لجنة التحقيق الدولية ولم يتم لحد الآن النظر في وقائعها السارية، وتصمت هيئة النزاهة عن التطرق لها.
ففي الشهر التاسع من العام 2015 اصدر السيد رئيس الوزراء حيدر العبادي مرسوما تم فيه إلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية ونواب رئيس الوزراء، وصادق مجلس النواب على هذا المرسوم بعد أن صوت عليه مجلس الوزراء، ولكن هؤلاء نواب الرئاستين قدموا إلى المحكمة الاتحادية طعنا بعدم دستورية القرار وأيضا عدم صحة الأجراء الذي اتخذه السيد رئيس الوزراء، ومنذ ذلك التأريخ ولحد الآن أي بعد مضي العام ، لم يصدر عن المحكمة أي قرار في شأن هذا الموضوع،ووضعت أوراق الاعتراض وبرضا الجميع عند رفوف المحكمة الدستورية الاتحادية، وبسبب هذا الامتناع والتغليس وأيضا حسب التكييف القانوني،وباتفاق الجميع، مازالت رواتب هؤلاء ومخصصاتهم وحماياتهم وصرفيات مكاتبهم وأرتال سياراتهم وسكنهم الخاص في المنطقة الخضراء سارية دون توقف وتستقطع من خزينة الدولة دون اعتراض. وهذا يوضح الكيفية التي يتبعها رجال الحكم في العراق وقدرتهم على التكيف مع الأوضاع ووضع الأطر القانونية لتمكنهم من سرقة المال العام وخداع أي مؤسسة تحاول كشف عمليات سرقاتهم .